كتاب الحج 13

كتاب الحج 13

الدرس في كتاب الحج 13، الدرس الثالث عشر : من : ( أن التلبية شعار الحج ... وعليه أن ينزع اللباس المحظور ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أحكام التلبية في الحج والعمرة

التلبية شعار الحج، يستحب الإكثار منها عند الانتقال بين المناسك، ويستمر الحاج والمعتمر في التلبية حتى وقت محدد. التلبية تكون عند الإحرام وتختلف آراء العلماء حول وجوبها.

حكم التلبية ونية الإحرام

اختلف العلماء في حكم التلبية بين سنة واجبة وركن، والنية شرط لصحة الإحرام وتتمثل في قصد العبادة وقصد المعبود. النية تكون بالقول أو العمل.

أحكام الإحرام والتلبية وتفاصيلها

النية للإحرام واجب وليست ركنا أو شرطا، والإحرام يصح دون التلفظ بنوع النسك. يحرم التلبية الجماعية ويجوز الاشتراط عند وجود مانع.

حكم صلاة الإحرام وتوضيحاتها

لا يستحب صلاة خاصة للإحرام إلا عند ميقات أهل المدينة، حيث أمر النبي بصلاة النحر في وادي الحليفة المبارك كما ورد في حديث نبوي.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال الثالث: إن التلبية شعار الحج، كالتكبير شعار الصلاة، فيستحب الإكثار منها، لا سيما عند الانتقال من منسك إلى آخر، وارتفاع على نشز، أو هبوط في منخفض، أو التقاء الحجيج، أو فعل محظور؛ لأن فيها التذكير بالإقامة على طاعة الله والاستجابة لداعيه. قال شيخ الإسلام: ولا يزال يلبي في ذهابه من مشعر إلى مشعر حتى يرمي جمرة العقبة، فإذا شرع في الرمي قطعت التلبية؛ فإنه حينئذ يشرع في التحلل. وهذه ثلاثة مسائل: المسألة الأولى أن التلبية شعار الحج، ومعنى شعار يعني به يعرف الحاج، كالتكبير شعار الصلاة، فيستحب الاستمرار بالتلبية. ومر معنا فضل التلبية ورفع الصوت بها، حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم أكبر أصحابه، كما في حديث زيد بن خالد الذي رواه الحاكم والبخاري، لإسناد صحيح الصحاحة، والشيخ العلامة الألباني في الصحيحة قال: «أمرني جبريل برفع الصوت في الإهلال؛ فإنه من شعائر الحج»، فرفعوا الصوت بالتلبية. وقلنا: إن الإهلال أخص من التلبية، الإهلال عند الإحرام، والمسألة الثانية: وهي هل يقال ويقتصر على التلبية، أو أنه يدخل معها ذكر آخر؟ الصحيح أنه يدخل معها ذكر آخر، فيدخل مع التلبية التكبير والتسبيح؛ التكبير إذا ارتفع، كما في حديث جابر بن عبد الله، والتسبيح إذا انخفض. وهكذا كذلك يشرع التكبير أحيانا، خصوصا بعد الرجوع في يوم العاشر، والناس متوجهون إلى منى، فمن الملبي ومن المكبر. والمسألة الثالثة: وهي إلى متى يستمر الملبي يلبي الحاج والمعتمر؟ وهذه المسألة تنقسم إلى قسمين: وهي تلبية المعتمر الذي يتحلل من عمرته، وتلبية الحاج. أما تلبية المعتمر الذي يتحلل من عمرته، سواء كانت عمرة مفردة أو كانت عمرة مضرنة بحج، عمرة تمتع أو نحوها، فالصحيح الذي دلت عليه أكثر الآثار: أنه يستمر بالتلبية حتى يرى دنيان مكة، كما رواه مالك في الموطأ، أن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أنه فعل ذلك. وجاء من حديث عبد الله بن عباس: أنه حتى يستلم الحجر الأسود مرفوعا، ولكنه ضعيف لا يصح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأشار الحفاظ إلى ضعفه. فحديث ابن عباس رواه أبو داود والثلمي مرفوعا: أنه حتى يستلم الحجر، وفيه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وهو سيء الحفظ جدا. ولهذا رجح أبو داود الموقوف، والموقوف عن ابن عباس: أنه حتى يستلم الحجر. لكن أكثر الآثار: أنه حتى يرى الحرم، فإن شاء حتى يدخل الحرم ويبدأ في الطواف، وإن شاء حتى يرى الحرم ويرى بيوت مكة، كما كان يفعل عبد الله بن عمر رضي الله عنه وأرضاه. وأما بالنسبة لتلبية الحاج، فإنه يستمر الحاج بتلبيته حتى يرمي جمرة العقبة، كما جاء في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها. قال رحمه الله تعالى: أربعا أو رابعا، فقدم في المعنى الإجمال ما تحتويه التلبية من أنواع الذكر، من الإقامة على طاعته، وإثبات الوحدانية المطلقة له، وإثبات المحامد، وإسناد النعم إليه، لإقرار بملكه وقهره وسلطانه المطلق، فهي محتوية على توحيد الإلهية والربوبية والأسماء والصفات. والمعنى: أنه يستفاد منه أن التلبية من الذكر الذي اجتمع على مجامع المعاني في الثناء على الله عز وجل وتوحيده. قال خامسا: ما دامت التلبية شعار الحج، فينبغي رفع الصوت بها للرجال. وقوله للرجال معناه: أن النساء لا يرفعن الصوت، وهو كذلك، خصوصا مع وجود الفتنة. وأما إذا لم توجد فتنة، فلا بأس كذلك بالنساء أن يرفعن أصواتهن فيمن حولهن من محارمهن. امرأة مع أبيها وإخوانها في سيارة، هل يجوز لها أن ترفع صوتها مع أهل بيتها في التلبية؟ الجواب: نعم، لا بأس. فصوت المرأة ليس بعورة. وجاء عند ابن أبي شيبة وابن المنذر، وفي المحلى لابن حزم: أن الصحابة كانوا يرفعون بها أصواتهم حتى تبح، يعني يأتيهم مثل البحة. وفي صحيح مسلم، من حديث جابر وأبي سعيد رضي الله عنهما قال: «كنا نصرخ بها صراخا»، يعني نرفع بها أصواتنا. قال رحمه الله تعالى: أما المرأة فتخفض صوتها خشية الفتنة، بهذه العبادة الجليلة، يعني الفتنة للآخرين الذين يسمعون صوت النساء. وكما قال الله عز وجل في هؤلاء، أي في صوت النساء: ﴿أَن يَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾، فصوت المرأة من أصله فيه نوع من الفتنة، فإذا زاد كصوت المرأة كان ذلك مدعاة للفتنة. قال رحمه الله تعالى: اختلف العلماء، أجمع العلماء على مشروعية التلبية في الحج؛ لأنها شعاره. واختلفوا: هل هي ركن أم واجب أو سنة؟ فذهب -أي أنها سنة- لما مال الشافعي وأحمد، ودليلهم: أنها ذكر كسائر الأذكار، لا يجب بتركها شيء. وذهب مالك وأصحابه إلى أنها واجبة، يأثم تاركها، ويصح حجه، وعليه دم لتركه إياها، ولا دليل على هذا الدم. وذهب أبو حنيفة والثوري والأوزاعي وعطاء وطاوس وعكرمة إلى أنها ركن، لا يصح الحج بدونها. قال: ودليل هؤلاء أنها شعار الحج، كما أن تكبيرة الإحرام وتكبير الانتقالات شعار الصلاة، وأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يخل بها، وكان يقول: «خذوا عني مناسككم»، فيما في حديث جابر في مسلم قال: «وهي من أعظم المناسك». وفي الحديث: «أتاني جبريل فأمرني أن أمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال»، والحديث صحيح، ومر معنا معناه قبل قليل. قال: وهي التلبية، والأمر يقتضي الوجوب. قلت: وهذا قول جيد، وحجته قوية. وقد التزمه ولله الحمد المسلمون جميعا، فلا تجد محرما إلا وهو يقول: ﴿لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ﴾ مرات، فمن مقل ومكثر. والصواب في هذا التفصيل: لأن التلبية كما مر معنا تطلق على أكثر من معنى، فهي بالنسبة للإهلال كتكبيرة الإحرام ركن، وبالنسبة للقول بها ولو مرة واجب؛ لأمر النبي عليه الصلاة والسلام بها. وبالنسبة للاستمرار بها مستحب، فيكون على هذا التفصيل. قال رحمه الله تعالى فائدة: قال شيخ الإسلام: ما خلاصة النية في الحج؟ قال: النية في الحج والعمرة لا خلاف بين المسلمين في أن الحج والعمرة لا يصحان بدون النية. قال: وأصل ذلك أن النية المعهودة في العبادات تجتمع على أمرين، هما قصد العبادة، وقصد المعبود، وهو الأصل الذي دل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾. قال: وأما قصد العبادة، فهو قصد عمل خاص يرضى به ربه، من صيام أو حج أو غيرهما. وهذه النية التي تذكر في كتب الفقه المتأخرة، فالنية الأولى يتميز بها من يريد حرث الآخرة ممن يريد حرث الدنيا، وهو معنى الإخلاص في العمل. قال: ويتميز بها المسلم من الكافر. أما الثانية، فهي تمييز أنواع العبادات، يعني تميز عبادة عن عبادة بالنية. فماذا أردت أن تجعل هذا الحج؟ هذه حجة فريضة، وهذه حجة عن زيد، وهذه حجة لأبيك، وتلك حجة لأمك. ما هو الذي يميز هذه الحجة من تلك من الأخرى؟ الذي يميز بينها النية، فالنية تميز العبادات بعضها عن بعض. قال: وقال رحمه الله تعالى: ولا يكون الرجل محرما بمجرد ما في القلب من قصد الحج ونيته، فإن القصد ما زال في القلب منذ خرج من بلده، ولا بد من قول أو عمل يصير به محرما. والصحيح: أن هذا القول الذي يتلفظ به ليس هو النية، بل هو تحريم، كما أن للصلاة تحريم. ومن قال أنها النية فقد أخطأ؛ لأن النية محلها القلب، لا تتعدى القلب، وتلفظ اللسان بها ليس من النية. بل الصحيح: أنه لو أراد أن يتلفظ بنيته لقال: «نويت أن أعتمر عمرة كذا عن فلان ابن فلان لعام كذا وكذا»، لكن لا أحد يقول بهذا، ولو قال به لصار مبتدعا، فهي مثل النية التي تقال عند الصلاة وغيرها من العبادات. أما قوله: «لبيك اللهم حج، لبيك اللهم عمرة»، فهذا في الحقيقة تحريم للعبادة، كما أنك تقول في الصلاة: «الله أكبر». قال: ونابد من قولنا: وعمل يصير به محرما، والتجرد من الثياب واجب في الإحرام، وليس شرطا فيه، فلو أحرم وعليه ثياب صح إحرامه، بسنة النبي صلى الله عليه وسلم باتفاق أئمة أهل العلم. وعليه أن ينزع اللباس المحظور. يعني يريد أن يقول: أن النية بهذا المعنى ليست ركنا أو شرطا، بل هي واجب، وهو صحيح كما مر معنا. ولهذا لو أنه لم يتلفظ بنية الإحرام، قال: «لبيك اللهم لبيك» إلى آخره مع الناس، فهو دخل بقوله: «لبيك اللهم لبيك» مع ما في قلبه بالإحرام، ولو لم يتلفظ بنوع النسك الذي ينسك به. ودليله كذلك حديث علي قال: قال النبي عليه الصلاة والسلام: «بيني بما أهللت». قال: «بما أهل به رسول الله صلى الله عليه وسلم». صح ما تلفظ علي رضي الله عنه بشيء. وهكذا بموسى ما تلفظ بشيء، فنظر النبي عليه الصلاة والسلام إلى علي: هل ساق معه الهدي؟ فوجده قد ساق الهدي، فأقره على هذه النية. ونظر إلى بموسى: هل ساق الهدي؟ فوجده لم يسق الهدي، فلم يقره على هذه النية، بل أمره أن يتحلل، أن يأتي بعمرة ويتحلل منها. ومما يضاف لمسألة الزيادة على اللفظ في التلبية: أنه جاء مرفوعا من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، رواه النسائي وابن ماجة: أن النبي صلى الله عليه وسلم زاد في تلبية: «لبيك إله الحق». وهذا الحديث حسنه جماعة من أهل العلم، وأشار بعض أهل العلم إلى عدالته. فقد قال النسائي رحمه الله بعد رواية هذا الحديث: لا أعلم أحدا أسند هذا عن عبد الله بن الفضل إلا عبد العزيز. رواه إسماعيل بن أبي أمية مرسلا. ومعناه: أن النسائي يرجح المرسل على المرفوع، فيكون بهذا لم يصح مرفوعا إلا التلبية التي سبقت، ليس زيادة عليها. ومن مسائل كذلك هذا الباب: أنه لا يجوز أمر التلبية الجماعي، التلبية الجماعية ليست من السنة. واحد يلبي والناس يرددون بتلبيته، ليس هذا من هدي النبي عليه الصلاة والسلام. والصواب: أن كل واحد يلبي لنفسه، فإذا توافق وفاقا -يعني بغير تعمد- فلا بأس. ومن مسائله كذلك: أنه يجوز الاشتراط عند وجود سبب، الاشتراط يجوز الاشتراط عند وجود سبب، وذلك لما جاء في حديث ضباعة بنت الزبير، كما في الصحيحين: أنها أتت النبي عليه الصلاة والسلام أخبرته أنها شاكية -يعني مريضة- فأمرها أن تشترط، أن تقول: «اللهم محلي حيث حبستني». وفائدة الاشتراط: أنه يسقط عنها الدم الذي هو دم الإحصار، دم الإحصار إذا أحصر الإنسان -ما استطاع أن يواصل الحج أو العمرة- ولم يشترط، فعليه دم. وإذا اشترط فليس عليه دم، وهذا فائدة الاشتراط. وبين يعرف أن الاشتراط ليس مطلقا سنة، ولكن سنة لمن توقع أنه يحبس -أي يمنعه مانع- إما مرض أو غيره من الاستمرار في العمرة أو الحج، فيقول ذلك عند إحرامه، ولا ينفع أن يقوله بعد دخوله بالإحرام وانطلاقه من مكان الإحرام. وهذا كذلك من مسائله: أنه يجوز التكبير كما جاء كما مر معنا، ولو كان ذلك قبل الوصول إلى مكة، كما في حديث أنس: أنهم حجوا مع النبي عليه الصلاة والسلام، قال: «فمن المكبر ومن المهل». والحديث في الصحيحين. ومن مسائله هذا الباب كذلك: أن هذا الإحرام ليس له صلاة كما مر معنا، إلا في موضع واحد. أين هذا الموضع؟ فيستحب أن يصلى في كل مكان -أي مسجد- ما في مسجد في مكان الإحرام. أيش نقول؟ أن الإحرام لا يستحب له صلاة خاصة، إن وافقت صلاة فريضة أو نافلة، إلا موضع واحد، وهو ميقات أهل المدينة، ذي الحليفة -وادي المبارك- كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أتاني آت من ربي، فأمرني أن أنحر في عمرتي، وأن أصلي في هذا الوادي المبارك». نكتفي بهذا، ونشوف الباقي إن شاء الله في درس لاحق. شكرا.