كتاب الحج 60

كتاب الحج 60

الدرس في كتاب الحج 60، الدرس الستون : من : (19- باب جمع المغرب والعشاء في مزدلفة ... ولا ينبغي لأهل القوة أن يخرجوا من مزدلفة حتى يطلع الفجر ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

جمع صلاة المغرب والعشاء في مزدلفة وتسميتها

شرح حديث عبد الله بن عمر عن جمع النبي بين المغرب والعشاء في مزدلفة وتسميتها "جمع". يبين معنى الإزدلاف وتسمية مزدلفة بالمشعر الحرام.

مشروعية جمع التأخير وأحكامه في مزدلفة

يشرح مشروعية جمع التأخير بين صلاتي المغرب والعشاء في مزدلفة وتأخير الصلاة إلى وقت العشاء مع جواز التقديم. يتناول آراء العلماء في حالات التأخر.

حكم الجمع بين الصلاتين وتفاصيله

يشرح حكم الجمع بين صلاتي المغرب والعشاء في عرفة ومزدلفة والتخفيف على الحجاج. يتناول تفاصيل حول كيفية أداء الصلاة وآراء الفقهاء.

ختام الدرس وتأجيل المتابعة

يتم ختام الدرس بسبب انتهاء الوقت مع الاعتذار عن الإطالة والتأكيد على استكمال الموضوع لاحقاً.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال الحافظ عبد الغني المقدس رحمه الله تعالى: باب جمع المغرب والعشاء في مزدلفة. قال: الحديث السادس والأربعون بعد المائتين، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: «جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين المغرب والعشاء بجمع، لكل واحدة منهما إقامة، ولم يسبح بينهما ولا على إثر واحدة منهما». أورد الحافظ عبد الغني المقدس رحمه الله تعالى هذا الحديث في هذا الباب، وذلك ليستدل به على مسألة جمع الصلاة: صلاة المغرب والعشاء في مزدلفة، وخص الجمع في مزدلفة، ولم يذكر الجمع في عرفة؛ لأنه سبق أولًا ضمنًا، ولأنه كذلك ثانيًا وقع فيه الخلاف، فأراد أن ينصص رحمه الله تعالى على ما وقع الخلاف فيه. وأغرب الألفاظ لهذا اللفظ هو لفظ الإمام البخاري رحمه الله في حديث 1673، قال البخاري رحمه الله: حدثنا آدم، قال: حدثنا ابن أبي ذيب، عن الزهري، عن سالم بن عبد الله، عن ابن عمر، وذكر الحديث، غير أنه قال: «ولا على إثر كل واحدة منهما»، فزاد لفظة «كل» بعد «إثر» أو «أثر»، يجوز هذا وهذا. قال الشارح رحمه الله تعالى: الغريب، «جمع» بفتح الجيم وسكون الميم، هي مزدلفة، سميت «جمعًا» لاجتماع الناس فيها ليلة يوم النحر، فهي الليلة التي يجتمع فيها جميع الحجاج. وهل معناه أن غيرها من الليالي لا يجتمع الحجاج؟ الجواب: نعم، غيرها من الليالي ينشغل الحجاج بأعمال، فمنهم من يذهب مكة، ومنهم من يعمل بعض أعمال الحج الأخرى، ومنهم من يرخص له في سقايا، ومنهم... ومنهم. أما ليلة مزدلفة، أو ليلة يوم العاشر، فإن الناس جميعًا يجتمعون فيها، ولو مارين؛ لأن عرفة من أركان الحج التي لا تترك ولا يرخص فيها، فكل الحجاج يحضرون عرفة، فإذا حضروا عرفة، وبعد غروب الشمس انطلقوا إلى مزدلفة، ولزمهم البقاء فيها، ولو أهل الأعذار، فإنهم يبقون حتى غروب القمر، فعند ذلك ينطلقون. ولهذا سميت مزدلفة «بجمع»؛ لأن الناس يجتمعون فيها. وقيل: سميت «بجمع» لاجتماع آدم بحواء فيها. وهذا يذكره أهل التاريخ، وهو من الأخبار الإسرائيلية. قال رحمه الله تعالى: والإزدلاف: التقرب، فسميت مزدلفة أيضًا؛ لأن الحجاج يتزلفون فيها من عرفة. وهنا قاعدة صرفية في قلبي التاء دالًا، فإنها تقلب التاء دالًا في مواضع، ومن هذه المواضع: إذا وقعت بجانب حرف قريب في المخرج، فإنه يخف النطق بها، فتنقلب إلى ما هو أخف، فتقلب التاء دالًا مثل هذا الموضع، ومنه: «اتكر»، أصله: «اتكر»، لكن يخف النطق بالتاء مع الدال، فتقلب التاء دالًا. وهذا منه كذلك على القول بأنها مأخوذة من الإزدلاف. وإن قيل: إن الأسماء لا يسأل عن اشتقاقها، وهذا قول آخر لأهل اللغة. وهكذا كذلك عند أهل العلم، فيقال: «مزدلفة» اسمها كذلك، والله أعلم بأصل اشتقاقها من ماذا. لكن ما ذكره المؤلف رحمه الله قريب المعنى، ويؤكده الواقع. قال رحمه الله تعالى: لأن الحجاج يتزلفون فيها من عرفة إلى «ميناء». وتسمى «المشعر الحرام»؛ لأنها في داخل حدود الحرام، ولأن فيها الجبل الذي هو المشعر الحرام، وهو الموجود اليوم في مؤخرة المسجد المبني في مزدلفة: جبل صغير في مؤخرة المسجد عن يمينه، يسمى «المشعر الحرام». وقف فيه النبي عليه الصلاة والسلام، ودعا، وقال: «وقفتها هنا». وجمع كلها موقف، حتى لا يظن أنه يجب الوقوف عندها، بل كل إنسان يقف بما هو أيسر له. وإن وقف عند الجبل ذاك فهو أفضل، إن كان فيه مشقة. وقف حيث تأسر، وكان أيسر له ولغيره، وهو حيث يدعو بعد صلاة الفجر حتى يسفر جدًا، وينطلق قبل شروق الشمس. قال رحمه الله تعالى: وتسمى «المشعر الحرام»؛ لأنها بداخل حدود الحرم، لتقابل تسمية عرفة بـ «المشعر الحلال»؛ لأنها خارج الحرم، فعرفة من المشاعر، لكنها أرض حلال، يعني: ليست بحرم. وحدود الحرم تنتهي من مزدلفة. قال رحمه الله تعالى ثالثًا: لم يسبح بينهما، يراد بالتسبيح هنا: صلاة النافلة، كما جاء في بعض الأحاديث تسمية صلاة الضحى بـ «سبحة الضحى». ويشير إلى حديث عائشة في الصحيحين: أن النبي صلى الله عليه وسلم -أو قالت-: «ما سبح رسول الله صلى الله عليه وسلم سبحة الضحى، وإني لأسبحها، وإني لأسبحها»، يعني: أصليها. وهكذا في بعض ألفاظ أم هانئ -وأصله في الصحيحين-، جاء في لفظ أبي داود: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى عام الفتح ثماني ركعات: «سبحة الضحى» ثماني ركعات: «سبحة الضحى». فسميت سنة الضحى بـ «سبحة الضحى». ففيه دليل على تسمية النافلة بتسبيح. قال: الاجتهاد: الصلاة على التسبيح من تسمية الكل باسم البعض. وهذا كثير في اللغة: أن يسمى الكل باسم البعض. من يذكر مثالًا من تسمية الكل باسم البعض؟ ها: «الحج عرفة»، فعلى أحد التفسيرين، فهو من ذكر البعض، والمراد به الكل. ويذكر البعض لأهميته. قال رحمه الله تعالى: المعنى الإجمالي: لما غربت الشمس من يوم عرفة، والنبي صلى الله عليه وسلم واقف يشاهد فيها، انصرف منها إلى مزدلفة، ولم يصل المغرب. ويجب على الحاج أن ينتظر في عرفة حتى تغرب الشمس، يجب، ليس: يستحب، بل يجب على القول الصحيح؛ لأمره عليه الصلاة والسلام بأخذ المناسك منه: «خذوا عني مناسككم». ولذلك أمره عليه الصلاة والسلام أن ينصرف منها بعد غروب الشمس. وجاء معناه في حديث جابر الطويل في صفة حج النبي عليه الصلاة والسلام، قال: «فلما وصل إلى المزدلفة، إذا بوقت العشاء قد دخل، فصل بها المغرب والعشاء جمع تأخير، بإقامة لكل صلاة، ولم يصل نافلة بينهما؛ تحقيقًا لمعنى الجمع، ولا بعدهما؛ ليأخذ حظه من الراحة». وثالثًا: لأنها رخصة، والرخصة إذا جاءت في الفرض، فالنفل من باب أولى. ولهذا كان ابن عمر يقول: «لو سبحت لأتممت»، يعني: لو كنت سأسبح وأصل النافلة لأتممت الصلاة. إتمام الصلاة أولى من صلاة النافلة؛ إتمام صلاة الفريضة أولى من صلاة النافلة؛ لأن من يتقرب إلى الله: الفرائض. ولهذا لا يشرع للمسافر أن يصلي من النوافل إلا ما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان يصليها، وهي ثلاث نوافل: إثنان منها كان يواظب عليهما، وهي: الوتر، وركعتا الفجر. وواحدة كان أحيانًا يفعلها، كما في حديث أم هانئ، وهي: ركعات الضحى أحيانًا، ليس دائمًا. قال رحمه الله تعالى: ليأخذ حظه من الراحة استعدادًا لأذكار تلك الليلة، ومناسك غد: من الوقوف عند المشعر الحرام، والدفع إلى منى، وأعمال ذلك اليوم. ومر معنا أن أعمال يوم العاشر أربعة أعمال. ما هي أعمال يوم العاشر؟ أربعة أعمال: رمي جمرة العقبة، والحلق أو التقصير، والنحر، وطواف الإفاضة. قال: رتبها: رمي الجمرة أولًا، ثم النحر، ثم الحلق، ثم طواف الإفاضة. قال رحمه الله تعالى: فإن أداء تلك المناسك في وقتها أفضل من نوافل العبادات التي ستدرك في غير هذا الوقت. وهو كما قال رحمه الله. وهل يعني ذلك أنه لا يصلي الوتر؟ الجواب: الصحيح: والمسألة فيها خلاف، الصحيح: لا يعني ذلك؛ فالرواية جاءت: أنه لم يسبح. وفي حديث جابر كذلك: أنه نام، ولم يصل، ليس فيه نفي صلاة الليل؛ إذ أن النبي صلى الله عليه وسلم قد صح عنه في أحاديث كثيرة: أنه كان يواظب عليها. فمن ترخص فترك، لا حرج عليه. ومن صلى الله قبل الفجر، وكان غالب هدي نبينا عليه الصلاة والسلام: أنه يقوم قبل الفجر، فلا بأس في ذلك، والأمر واسع. قال رحمه الله: ما يأخذ من الحديث أولًا: مشروعية جمع التأخير بين المغرب والعشاء في مزدلفة في ليلتها. يعني: الأفضل أن يجمع جمع تأخير، كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام. فما يفعله الكثير من الحجاج من جمعهم جمع التقديم، فيصلون المغرب والعشاء في عرفة، خطأ، خلاف السنة. والصلاة في الطريق كذلك خطأ، خلاف السنة. السنة: أن تصلى جمع تأخير في مزدلفة. طيب إذا حصل أن الحاج تأخر، وخشي فوات صلاة العشاء بخروج وقتها، فهل الأفضل أن يصلي في مزدلفة ولو خرج الوقت؟ الجواب: لا. فإن عموم الأدلة يدل على خلاف ذلك: «إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابًا موقوتًا». فلو حصل زحام في السير، فلم يخرج الحاج من عرفة حتى خشي خروج وقت العشاء، وآخر وقت العشاء هو إلى متى؟ إلى نصف الليل على القول الصحيح. إلى نصف الليل على القول الصحيح. فإذا كان كذلك، فإذا خشي أن يدركه نصف الليل وهو لم يصل صلاة العشاء، فإذن يصلي صلاة المغرب والعشاء قبل خروج وقتها، ولو في عرفة. وقد وقع لأناس كثير. وقع لأناس كثير، فأحيانًا يبتلى الإنسان بوقوعه في موضع سير يضطره إلى أن يعجل الصلاة؛ لأنه لا يصل إلا ربما بعد الفجر، ليس فقط بعد خروج وقت العشاء. وهذا قد وقع لأناس كثير، وقد وقع لخاصة أكثر من مرة، مع بعض إخواننا أكثر من مرة، ما نصل إلى مزدلفة إلا الفجر، أو بعد الفجر. بل بعض السنوات وصلنا مزدلفة الساعة، من عرفة إلى مزدلفة وصلنا الساعة التاسعة صباحًا. نستطيع ننزل ونمشي، لكن تكون أحيانًا أنت مسؤول عن رفقة، إذا نزل أضعت هذه الرفقة، وإذا أضعتهم كان بهذا سببًا للتضييع هؤلاء. فأنت تراعي مصلحة اجتماع هؤلاء. ولهذا سيأتي معنا إن شاء الله: أن أهل الرفقة الواحدة قد يرخص لهم ما لا يرخص لغيرهم، فيثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالًا. القوي لوحده لا يرخص له في رخصة الضعيف، لكن القوي مع الضعيف يرخص له؛ لأن القوي في رفقة الضعيف، ولا يستطيع أن يتركها. فإذا كان كذلك فيترخص بترخصه. وهذه فتوى عدد من أهل العلم، ومنهم شيخنا محمد بن صالح عثيمين رحمه الله، يفتي بذلك: بأن أهل المركوب الواحد يرخص لهم ما يرخص للبعير معهم. قال رحمه الله تعالى أولًا: مشروعية جمع التأخير بين المغرب والعشاء في مزدلفة في ليلتها. قلنا: فالسنة أن تصلى في مزدلفة، وجمع تأخير. فإن وصل مزدلفة في المغرب -ممكن يحصل أن الإنسان يصل مزدلفة في وقت المغرب، وهذا صعب، لكن حصل لبعض الإخوان- بعض الإخوان ممن يعرف طرق مكة تيسر له بالخروج عن خطوط السير، يمشي بطريق البر، قال: «أدركنا صلاة المغرب في مزدلفة، فجمعنا». فهل يجمع ويؤخر؟ الجواب: يجمع. النبي عليه الصلاة والسلام لم يتعمم التأخير. وصوله إلى مزدلفة انتبه لهذا. إنما وافق ذلك أن وصل مزدلفة بسبب السير في وقت العشاء. ومفهوم الحديث: أنه لو وصل قبل ذلك لصلى قبل ذلك. ويؤكد ذلك رواية حديث جابر بن عبد الله: أنه أمر بالمؤذن يؤذن، ثم أقيمت صلاة المغرب، فصلى المغرب أولًا، قدم المغرب، ثم قام فأنزل الأمتعة، وأنزل من معه أمتعتهم من على رحالهم، ثم قام لصلاة العشاء، فصلى العشاء. فهذا يؤكد هذا المعنى. فمن وصل مزدلفة مبكرًا صلى المغرب والعشاء في وقت المغرب. ومن وصل متأخرًا صلى متأخرًا. ومن خشي فوات صلاة العشاء والمغرب بخروج وقتهما، وهو منتصف الليل على الصواب، صلى حيث كان. إن كان في عرفة صلى في عرفة، إن كان في الطريق صلى في الطريق. وإن لم يكن هناك ماء صلى بتيمم. أو كان المكان أو الحال لا يستطاع معه الصلاة قائمًا، صلى قاعدًا. صلى قاعدًا: «فاتقوا الله ما استطعتم». قال: ثانيًا: الحكمة في هذا -والله أعلم-: التخفيف والتيسير على الحاج؛ فهم في مشقة من التنقل والقيام بمناسكهم. وسيأتي الخلاف: هل هذا الجمع للنسك أو هذا الجمع للسفر؟ سيأتي إن شاء الله، ويأتي الكلام عليه. قال: ثالثًا: فيأخذ منه: يسر الشريعة وسعتها، رحمة من الشارع الذي علم قدرة الناس وطاقتهم وما يلائمها. فكان من رحمته سبحانه وتعالى بهم: أن جعل على فعل رسوله عليه الصلاة والسلام هذه الرفصة: الجمع بين الصلاتين في عرفة، وفي مزدلفة. قال: رابعًا: أن يقام لكل صلاة من المغرب والعشاء إقامة واحدة. السنة: أن تقام لكل صلاة إقامة واحدة. وجاء ببعض روايات هذا الحديث: حديث عبد الله بن عمر: أنه أقام إقامة واحدة للصلاتين. وسيأتي الخلاف في هذه المسألة في موضعه. والصواب: ما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى؛ فقد جاء في رواية للإمام البخاري في باب: «جمع من جمع بينهما ولم يتطوع». ومنه هذا الحديث الذي بين أيدينا: في حديث عبد الله بن عمر ما يدل: أنه أقام لكل صلاة: للمغرب وللعشاء. وهكذا جاء بحديث جابر بن عبد الله: بصريح مسلم في صفة حج النبي عليه الصلاة والسلام. وفي حديث أسامة بن زيد في الصحيحين: أن النبي صلى الله عليه وسلم كذلك جمع بين الصلاتين، فأذن للأولى، وصلى، ثم أذن للثانية -أي: العشاء- وأقام. كذلك أقام للأولى، وأقام للثانية. قال رحمه الله تعالى خامسًا: لم يذكر في هذا الحديث الأذان لهما. وقد صح من حديث جابر رضي الله عنه: أنه صلى الله عليه وسلم جمع بينهما بأذان وإقامتين. وسيأتي الخلاف في هذه المسألة. ومن حفظ حج على من لم يحفظ: يعني عدم ذكر الأذان في حديث عبد الله بن عمر لا يعني أنه لا وجود للأذان. وسيأتي: أن الصواب: أنه يؤذن بأذان واحد، ويقام بإقامتين. قال: سادسًا: أنه لا يشرع التنفل بين المجموعتين، ولا بعدهما. والمراد بالمجموعتين: أي الصلاتين اللتين قد جمع بينهما. هذه وهذه جمع بينهما. ليس: المجموعة من الجماعة، ولكن: المجموعة من الجمع. قال: وهو من باب التيسير والتخفيف، والاستعداد للمناسك بنشاط؛ لأن هذه المناسك ليس لها وقت تشرع فيه إلا هذا، فينبغي التفرغ لها والاعتناء بها قبل فواتها. ولأن الحاج كذلك -كما قلنا-: رخص له لأسباب كثيرة. ومن هذه الأسباب كذلك: إعانة الحاج للتفرغ للعبادة والطاعة والاستعداد لذلك. ولا يعني ذلك -كما مر-: أنه لا يصلي الوتر، بل عموم الأدلة يدل على صلاة الوتر على الصحيح. والمسألة فيها خلاف. قال: سابعًا: قال شيخ الإسلام: «النووي» والسنة: أن يبيت بمزدلفة إلى أن يطلع الفجر، فيصلي بها الفجر في أول الوقت، ثم يقف بالمشعر الحرام إلى أن يسفر جدًا قبل طلوع الشمس، كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام. قال: فإن كان بالضعفة كالنساء والصبيان، فإنه يتعجل في مزدلفة إلى منى إذا غاب القمر، كما دل عليه حديث ابن عباس، وحديث أسماء. فإن ابن عباس كان ممن خرج من مزدلفة إلى منى مع النساء، وممن تقدم، ولكن بعد غروب القمر. قال رحمه الله: ولا ينبغي لأهل القوة أن يخرجوا من مزدلفة حتى يطلع الفجر. هذا هو الأصل. والنبي عليه الصلاة والسلام لم يخرج، وأرسل من ضعف من نسائه، وقدمهم. ومر معنا: أن من تقدم هل يجوز له أن يرمي؟ قلنا: الأفضل أن يرمي بعد طلوع الشمس. وإن خشي المشقة وحطمة الناس، جاز له أن يرمي قبل طلوع الفجر، وهي رخصة. وقد فعل ذلك الصحابة. قال رحمه الله: ولا ينبغي لأهل القوة أن يخرجوا من مزدلفة. قلنا: إلا إن كانوا أهل رفقة واحدة، ومركوب واحد، فيجوز. أهل الرفقة والمركوب الواحد يجوز لهم؛ إذ أن تفرقهم فيه مشقة. وأما من كان تفرقه ليس فيه مشقة، مثل أهل باص واحد، مثلا، فيهم رجال شباب، وأنت مسؤول عن هذا الباص والحافلة في ذلكم المخيم، ورأيت أن الأرفق أحيانًا يرى المسؤول عن الباص أو الحافلة: الأرفق بأهل هذه الحافلة هو السير بعد غروب القمر؛ لعدم وجود مكان متيسر للوقوف. فأحيانًا خطة السير لا تيسر لهذه الحافلة الوقوف، كل الأماكن ممتلئة، فتجد رجال المرور يقولون لك: «امشي إلى الأمام». فأنت تمشي، فما ترى نفسك إلا وأنت خارج من مزدلفة. كما وقع في بعض السنوات. فإن بعض رجال المرور يقول لك: «امشي إلى الأمام، امشي، ما في موقف، لا يمين ولا يسار». فكيف تصنع؟ الضعفة يرخص لهم. والغريب الذي يخاف الضياع، والبدين الذي يتكل عليه المشي، يرخص لهم؛ لأنه إذا نزل عن الحافلة تضرر بهذا تضررًا عظيمًا. ولكن الشاب القوي الذي لا يخاف عليه، وعنده النفقة، خير له أن يبقى في مزدلفة، يدبر نفسه. فهنا تنصح من معك في الحافلة، فتقول لهم: من كان منكم قويا ويستطيع الوصول إلى مناسكه والرجوع إلى المخيم، فلينزل. الأفضل في حقه أن ينزل. وهذه هي السنة: أن القوي يبقى. لكن القوي الذي لا يتضرر ببقائه. وأما من بقي وحصل له التضرر إلى فارغ الرفقة: كرجل غريب يخشى ضياعه، وليس عنده نفقة، أو غير ذلك، فهنا يبقى معهم. الرفقة يثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالًا. نقف عند هذا للحاجة لانتهاء الوقت، ونكمل إن شاء الله في درس لاحق. وقد أطلنا كثيرًا، نسامحونا.