الدرس في كتاب الزكاة 18، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
درس يتناول أحكام إخراج الزكاة وتأخيرها، حيث يشرح فضيلة الشيخ مسائل متعلقة بإخراج الزكاة. يُبيِّن الدليل على وجوب الفورية في إخراج الزكاة من القرآن والسنة.
تطرق إلى شروط وأحكام تأخير وتعجيل الزكاة، حيث ذكر أوجه للتأخير، وتناول أحكام عجل زكاة ماله ثم مات، أو هلك المال بعد تعجيل الزكاة.
يتناول أحكام زكاة المال، مثل التعامل مع مانعي الزكاة، وجواز نقلها إلى بلد آخر، وأحكام إخراجها عن الصغير والمجنون، واستحباب الدعاء لمن يدفع الزكاة.
تم اختتام الحديث في هذا الباب مع الاعتذار عن عدم الإجابة على أسئلة إضافية. تم التأكيد على أن الله تعالى أعلم وختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
يرزق إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدم لكم شرح كتاب الزكاة من مختصر الإنصاف والشرح الكبير للإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، شرح فضيلة الشيخ عبد الله بن مرعي العدني حفظه الله تعالى، القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس الثامن عشر. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فأولًا نشكر لأخينا الشيخ الفاضل الشيخ عبد الرحمن بادح حفظه الله تعالى على هذه الكلمة الطيبة والنصائح النافعة، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بها، واجعلها في ميزان حسنات الجميع. وهكذا دعوة أهل السنة والجماعة، دعوة رحمة وتواصي بالحق وإعانة النفس والغير على ما فيه الخير من الرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، عقيدة وعبادة ومعاملة وأخلاق وسلوك ومنهاج. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾، أي ادخلوا في هذا الإسلام من جميع جوانبه وأبوابه. ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيننا على أنفسنا، وأن يأخذ بنواصينا إلى ما فيه الخير في الدين والدنيا، إنه جواد كريم. مر معنا في الدرس الماضي ما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى من مسائل تتعلق بزكاة الفطر، ومراجعة يسيرة من هذه المسائل التي مرت معنا: ما ذكره رحمه الله من مقدار هذه الزكاة، ما هو مقدارها؟ صاع، والصاع كم يساوي قبل ذلك أمدادًا؟ كم أمداد؟ أربع أمداد، ما يعادل تقريبًا اثنين كيلو ونصف تقريبًا. وهل يفرق بين الجيد وغيره؟ يفرق بين الجيد وغيره، هل صحيح أن الجيد من القوت يخرج النصف؟ لا، لا يفرق، هذا هو الصحيح، لا يفرق، دليل ذلك ما قاله أبو سعيد رضي الله عنه. قال أبو سعيد: وأما أنا فلازلت أخرجها كما كنت أخرجها في زمن النبي صلى الله عليه وسلم. ولهذا كان الصحيح من قول الصحابة والتابعين وأئمة الدين، وهو قول الجمهور: أنها تخرج صاعًا. وعلمنا كذلك أنهم اختلفوا في أصناف ما يخرج في زكاة الفطر، فما هو الخلاف؟ منهم من قيدها بما ورد في الحديث، وماذا ورد في الحديث؟ البر والشعير والتمر والزبيب والأقط، خمسة أصناف. فمنهم من قيدها بهذه الخمسة، ومنهم من لم يقيدها بهذه الخمسة، فماذا ألحق بها؟ الضابط: كل ما كان بمعناها، بشرطين: الشرط الأول أن يكون من غالب قوت الناس، والثاني أن يكون مما يمكن الدخار. لأن المقصود إغناء هؤلاء الفقراء والمعدمين، ومن كان بمعنى هؤلاء من المساكين. طيب، هل يجوز إخراجها مالًا؟ عن من؟ لماذا لا يجوز إخراجها مالًا؟ لأنه كان يمكن بزمن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يفعل، وإنما أخرج قوتًا، فعلم أن إخراجه قوتًا مقصود، مقصود. فينبغي تتبع روح الشريعة، فهذه الشريعة شريعة كاملة محكمة متقنة، ما في شيء يكون فيه الأمثال والأقيسة والتوسعة إلا وجاءت به، وما في شيء يأتي على وجه التقييد إلا وجاءت ما تدل على ذلك التقييد، ويكون الأول مقصود والثاني مقصود. فنحن نوسع بما وسع الله، ونضيق حيث أمرنا الشرع أن نضيق، اتباعًا للدليل، ندور مع الدليل حيث دار. لأن في هذا حكمة، الناس يحتاجون للطعام أشد من حاجتهم للمال في هذا الباب، حتى ولو يحتاجون للمال، فالطعام متعبد به في هذا الوجه لإظهار هذا الطعام الذي يكون به آثار رمضان، المال موجود في رمضان وفي غير رمضان، لكن آثار رمضان مطلوب أن تبقى وتستمر إلى ما بعد رمضان، ليبقى آثار هذه الحياة الإيمانية التي مرت باقية في كل بيت، فيتعبد لله عز وجل بها، ولغيرها من الحكم الأخرى. طيب، هل يجوز إخراجها للأصناف الثمانية المذكورين؟ عند من؟ نعم، والصواب نعم، تخرج للمساكين فما دونهم، هذا هو الراجح، وذلك للدليل: أحاديث ابن عباس وغيره: ﴿طَعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ﴾، فمن كان مسكينًا أو فقيرًا أو معدومًا فإنه يعطى من زكاة الفطر، ولا يعطى زكاة الفطر لغيرهم. طيب، المرابطون، يسأل البعض الإخوة اليوم يقول: المرابطون في الجبهات، هل يجوز أن تخرج لهم؟ نعم، أكثر المرابطين من المساكين وما دون، فيجوز أن يخرج لهم من الطعام، لا يخرج لهم مال ولا غير ذلك، إنما يخرج لهم طعام. كونهم يملكون هذا لا ينافي المسكنة، الدليل أن المسكين قد يملك، كما قال الله تعالى عن أصحاب السفينة: ﴿وَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾، ومع ذلك سماهم الله فقراء لأن السفينة ما تغنيهم وما تكفيهم. هل يجوز إخراجها من الجماعة للواحد، والعكس؟ نعم، والعكس يجوز، نعم، هذا هو الأصل، ولا دليل يمنع، ونقل فيه الاتفاق. بارك الله فيك. قال: بسم الله الرحمن الرحيم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب إخراج الزكاة. قال: لا يجوز تأخير إخراجها إذا لم يخش ضررًا، وبه قال الشافعي. فإن خشي ضررًا أخرجها، أخذها الساعي منه أخرى مرة أخرى، فله تأخيرها. فإن أخرها ليدفعها إلى من هو أحق بها، فإن كان شيئًا يسيرًا فلا بأس به. وفي تعجيلها لأكثر من حول، روايتان. طيب، المسألة الأولى: أولًا قوله: باب إخراج الزكاة، الباب كما تقدم معنى وتكرر لغة: ما يخرج منه ويدخل، والمراد هنا الدخول والخروج المعنوي، أي هذا مدخل لمعرفة أحكام إخراج الزكاة. وأول هذه المسائل: عن حكم تأخير إخراج الزكاة. الأصل في إخراج الزكاة: الوجوب والفورية، وهذا الأصل في كل واجب، ما هو الدليل؟ الدليل على الوجوب الفورية: حديث: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾، فليصل لها إذا ذكرها ظرف لما يستقبل من الزمان، يدل على لزومه عند وقوعه. نعم، ولكن في شيء أصرح من هذا: حديث صلح الحديبية، لما أمرهم بالحل والتحلل والتقصير، فتأخروا، فخشي النبي صلى الله عليه وسلم من عقوبة الله، فدخل على بعض أهل بيته وأخبرهم بذلك، قالوا له: أخرج، فأمر حلاقًا ليحلق، فخرج، فتتابع الناس حتى كاد يقتل بعضهم بعضًا، هذا دل على الفورية. وقوله صلى الله عليه وسلم: ﴿وَمَا أَمَرْتُكُمْ مِنْ أَمْرٍ﴾، ماذا؟ ﴿فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، والفاء للتعقيب، مباشرة. فأتوا من أمر الله عز وجل مباشرة، هذا مع غيره من الأدلة يدل على الفورية. لكن هناك أحوال استثنى العلماء فيها، ذكرها هنا. الوجه الأول: إذا خشي ضررًا، يجب عدم التأخير إلا إذا خشي ضررًا. مثال الضرر: أنه مثلًا خشي على نفسه وقت حرب، خاف إن خرج يخرج الزكاة قتلوه، أو بلد فيها سراق، خاف إن خرج بالمال أخذوا المال أو قتلوه لأجل هذا المال، أو غير ذلك، فإن خاف على نفسه أو ماله أو عرضه، بل قال العلماء: أو معيشته، فإنه يجوز له تأخيرها، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: لا ضرر ولا ضرار. وهكذا كذلك الوجه الثاني، وذكرها هنا وجهًا من معاني الضرر: أنه إن أخرجها أخذها الساعي منه مرة أخرى، مثلًا رأى فقراء مستحقين، أراد أن يعطيهم، ولكن خاف الضرر، وذلك بأن الساعي يأتي ولا يصدقه، فيأخذ منه مرة أخرى، فيصير يخرج الزكاة مرتين، وفي هذا ضرر عليه. فهنا يجوز أن يؤخرها حتى يأتي الساعي، يجوز أن يؤخرها حتى يأتي الساعي. هنا الضرر على ماذا؟ على أي شيء؟ أي شيء الضرر في هذه الصورة التي ذكرها؟ الضرر على ماذا؟ على خرجها مرتين، على أي شيء؟ نفسه أو عرضه أو ماله؟ على ماله. وكذلك قال: فإن أخرها ليجفعها لمن هو أحب بها، يعني هذا يجوز التأخير، مثل: انتظر رجوع قريب له، فهو فقير، وقريب هو أولى من غيره البعيد، فالتأخير بسبب إعطائه هذا القريب، أو جار أو معدوم أو نحو ذلك، فهنا يجوز التأخير لمثل هذا المعنى. لكن هذا يقيد إذا لم يكن له وقت انتهاء، مثل زكاة الفطر، لا يجوز تأخيرها إلى إيش؟ إلى بعد صلاة العيد. فكيف الحل إذا وقعت له مثل هذه الحالة؟ يريد يعطيها لجاره الفقير، متعود كل سنة يعطيه، هذه السنة الجار غير موجود، مسافر، فماذا يصنع؟ عند من؟ الجواب: يؤخرها، يؤخرها بعد صلاة العيد يجوز، هكذا من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد. عندنا حلول أخرى: إذا ممكن أن ينظر من يوكله ليستلم منه، أو يضعها عند أحد آخر يثق به يوصلها له، يكون قد أخرجها. هذه الصورة الثانية. الصورة الثالثة: قال: فإن كان شيئًا يسيرًا فلا بأس، يعني كان التأخير في شيء يسير، فلا بأس، ولابد أن يكون له سبب لهذا الشيء اليسير، إذا كان هناك سبب لهذا الشيء اليسير فلا بأس به، مثل المشقة، فالمشقة تجد بالتيسير، ويثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالًا، ما دام أصل خرج فالقليل هذا يلحق إن شاء الله إذا كان له عذر. والرابع: قال: وفي تعجيلها لأكثر من حول، روايتان. يضاف الرابع: إذا تعذر لبعد هذا المخرج أو غيابه أو عدم استطاعته لمانع، إنسان سافر وما استطاع يرجع في وقت حولان الحول، فهو يؤخرها لأجل أن يصل ويوزع بنفسه ويحصي ما عنده، فلا بأس في هذا. وإن استطاع يوكل فليوكل. هذه أربعة أوجه ذكرها الفقهاء في مواضع التأخير. قال رحمه الله: وفي تعجيلها لأكثر من حول، روايتان. إحداهما: لا يجوز، لأن النص لم يرد به. والثانية: يجوز، الآن تعجيل والذي مضى تأخير. قال: لأن في حديث العباس: ﴿هِيَ عَلَيَّ وَمِثْلُهَا﴾، ولأحمد إذا استسلفنا زكاة عامين. يعني من العباس. فأما ما زاد عن حولين، والحديث صحيح، فأما ما زاد عن حولين، فقال ابن عقيل: لا يجوز، رواية واحدة، لأن التعجيل خلاف الأصل، وإنما جاز في عامين للنص. وإن عجل زكاة ماله ثم مات، وهذه المسألة فيها خلاف. الصحيح الذي رجحه شيخ الإسلام: أنه يرجع لولي الأمر، وهذا هو الراجح والله أعلم. الأفضل التقييد بالنص، وإذا كانت هناك مصلحة فهي لولي الأمر، يجوز أن يزيد إن احتاجت المصلحة، مثلًا وقعت كارثة من الكوارث، ونسأل الله أن يحفظنا وإياكم من الفتن: زلزال أو حروب أو نحو ذلك، فأحتاج ولي الأمر لضعف خزانة البلد أن يجمع من الأغنياء زكاة أموالهم لسنة أو سنتين أو ثلاث، لسد هذه المضرة، فهل يجوز؟ الصحيح: يجوز، يجوز. فالحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، أخذ النبي صلى الله عليه وسلم من العباس زكاة عامين ليدفع مضرة، فإذا احتاجت المضرة أكثر من عامين فلا بأس أن يؤخذ كذلك، والله أعلم. والشرع لا يجمع بين مفترق كما لا يفرق بين مجتمع. قال رحمه الله تعالى: وإن عجل زكاة ماله ثم مات، فأراد الوارث الاحتساب بها عن زكاة حوله لم يجوز. يعني أخرج الزكاة المورث قبل موته، ولكن عجل زكاة سنتين، فأراد الوارث الاحتساب بها عن زكاة حوله، يعني الآن هذا المال أخرجت فيه زكاة سنتين، لكن المال الآن انتقل ملكه من المورث إلى من؟ إلى الورثة. فهل يعتبر هذا المال قد زكيت زكاته باعتبار أنه قد تقدم أن هذا الرجل أخرج زكاة سنتين؟ من العلماء من قال: نعم يجوز، وقد تم إخراج الزكاة. ومن أهل العلم من يقول: لا، لأن أخرجها عن ملكه هو، وأما الورثة فهم مالكون جدد، مالكون جدد، يحتاج أن يخرج الزكاة. فكيف الحل؟ الصحيح والله أعلم: أنه يجب عليه من يخرج، وعلى ولي الأمر أن يرجع ما أخذ، لأنه لا يستحق أن يأخذ سنتين، أخذ عن سنة، يبقى في ذمته إيش؟ حق سنة، فيرجع حق سنة لمن؟ للورثة. ولأنه كذلك قد تختلف الزكاة، قد تختلف الزكاة، لأن الورثة إذا اقتسموا المال ربما ليس فيه زكاة، فاحتسابه عليهم ليس عدلا. ولهذا كان الصواب: إرجاع الزائد، ثم ينظر في الموجود بعد قسمة الورثة: هل به زكاة أو ليس فيه زكاة؟ فإن كان فيه زكاة أخرج كل واحد ما عليه من الزكاة، وإن كان ليس فيه زكاة سقطت الزكاة، هذا هو العدل الذي تقتضيه عمومات الأدلة. لأن الملك قد انتقل، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: ﴿تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ﴾، وهذا الميت ليس معدودًا من الأغنياء، لأن ماله صار ملك لمن؟ للورثة. والله أعلى. قال رحمه الله تعالى: وإن عجلها ثم هلك المال لم يرجع على الآخذ. إذا عجلها أخرج الزكاة لعامين مثلًا، ثم ذهب ماله، لا يقول: أنا أخرج زكاة مالين، فرد لي زكاة سنة، ليس له ذلك على الصحيح. والسبب: أن هذا شيء ليس بيد الآخذ، بل هذا من الله سبحانه وتعالى، كما أن ماله على الصحيح إذا زاد، فإن الآخذ لا يأخذ الزائد. الغنم بالغرم، الغنم بالغرم: هو عجل له زكاة عامين، مقابل التسامح في الزيادة، لو زاد هذا المال، ما سيقال له: انظر كم الزائد هذه السنة، أو كم الناقص؟ لا، خلاص، أخذ زكاة سنتين. فلو زاد المال بخلال السنة، ما سيحاسب، ومثله لو نقص، ما سيطالب. فإذا انتهى وفني بالكلية، فليس له المطالبة، على قاعدة الغنم بالغرم، وهذا هو الصحيح، والمسألة فيها خلاف. قال رحمه الله تعالى: ومن هنا إلى آخر الباب من الإنصاف، يعني من كتابه الإنصاف المرداوي. ليس للإمام أن يقاتل على عدم دفعها إليه. وقال الشيخ: من جوز القتال على عدم طاعته جوزه هنا، ومن لم يجوزه إلا على ترك طاعة الله ورسوله لم يجوزه. وإذا أخذها الإمام قهرًا، طيب، هذه مسألة اختلف أهل العلم في قتال مانع الزكاة. أولًا ما حكم مانع الزكاة؟ مانع الزكاة: الصحيح فيه التفصيل. إن جحدها، جحد وجوبها، ولم يكن له عذر، فإنه كافر مرتد، لأنه أنكر شيئًا معلومًا من الدين بالضرورة، وكذب أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم. وأما إن كان له عذر لجهله أو حداثة في إسلامه، فإنه يعرف، فإن عرف وأصر وعاند، كان فعله ذلك كفرًا، ولكن على الإمام أن يعامله معاملة وأحكام المرتدين، فيستتاب ثلاثًا، فإن تاب وإلا قوتل كافرًا مرتدًا. إذن هناك مراحل، لا بد التدرج فيها. وأما من منعها بخلًا أو تهاونًا، فهذا تؤخذ منه قهرًا، ويعزر، ولا يكفر. من منعها بخلًا أو تهاونًا: تؤخذ منه قهرًا، ويعزر، ولا يكفر. ومن تتبع الأدلة من الكتاب والسنة، وما كان قد نقل عن الصحابة وسلف الأمة، سيجد الأدلة تدور حول هذا المعنى. ثم بعد ذلك هذا القتال، هل القتال يكون لترك طاعة الله ورسوله، أو لمخالفة ولي الأمر؟ الصحيح: سواء كان الأول أو الثاني، يقاتل لمنع الزكاة. قاتل أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه مانعي الزكاة، وكان مانعوا الزكاة أصنافًا، كما ذكر العلماء: منهم أهل الردة، ومنهم أهل البخل، والجميع قاتلهم أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه، لأجل أن يرجع الناس إلى حياض الإسلام، ولا يتمرد أحد على الإسلام، لأنه لو فتح باب التمرد ضعفت قوة أهل الإسلام. قال رحمه الله: وإذا أخذ الإمام قهرًا، وأخرجها ناويًا للزكاة، ولم ينوها ربها أجزأت عن ربها. يعني تاب هذا، مثاله: إنسان بخيل، أخرجها الإمام منه قهرًا، أخذها بالقوة، وهو لم ينو أنها زكاة، في ظنه أنها أخذت منه ظلمًا، ثم بعد ذلك تبين له وتاب إلى الله، فهل يجب أن يخرجها مرة أخرى؟ الصحيح: لا، يكفي الذي أخرج من قبل، ولو بالقهر. قال: وقال الشيخ، يعني شيخ الإسلام ابن تيمير رحمه الله: لا يجزيه ولو دفعها إلى الإمام طائعًا، ونواها الإمام دون ربها لم تجزئه، اختاره الشيخ. الصحيح: أن هذا ليس من العبادات، إنما هو من المعاملات، يتعبد لها، لا يؤجر عليها. نعم، لا يؤجر على ما أخرج، لكن يسقط عنه الواجب، لأنها من الأمور التي تتعلق بأسبابها وشروطها، وهو من الأحكام العادية، ليس من الأحكام التعبدية. فإذا خرجت خرجت، لكنه لا يؤجر عليها. هذا الفرق بين الأجر وبين الإجزاء، نفرق بين الأجر وبين الإجزاء. قال: ولا يجوز نقلها إلى بلد تقصر فيه الصلاة، وقيل: تنقل لمصلحة راجحة، كقريب محتاج ونحوه. وكذلك إذا كان البلد المنقول إليه أشد حاجة من البلد المنقول منه، مثل زكاة الفطر، مثلًا في بعض البلاد أشد، فيخرجها بعض الناس إلى بلادهم التي هي أفقر من البلاد التي يعملون فيها، فهذا جائز، وهذا اختيار شيخ الإسلام، هو الصحيح. قال: وقال: تحديد المنع بمسافة القصر ليس عليه دليل شرعي. استدلوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ إِلَى فُقَرَائِهِمْ﴾. طيب، إذا كان الذي في البلد أغنياء، والفقراء خارج البلد، هل يجوز أن تنقل؟ الصحيح: يجوز أن تنقل، أو كان الغني لا يعرف الفقراء في البلد، فيجوز أن ينقلها إلى خارج البلد، أو كان الغني عنده أقرباء أو لا، لأنهم أشد فاقه وفقر ومسكنة وإعدام معدمين، فيرسلها إلى هؤلاء لا بأس. قال رحمه الله تعالى: وجعلوا محل ذلك الأقاليم، يعني بعضهم قال: حددوا بالمسافة، وبعضهم جعلها بالإقليم، والإقليم هو المنطقة، ولو كانت من طرفها إلى طرفها عدة أسفار، مثلًا الآن على الأقاليم الجديدة التي ستقسم، فهناك عدة مناطق في إقليم واحد. فكونه فيه عدة مواضع يصلح أن يسمى سفرًا، فهذا هو ولو كان من إقليم إلى إقليم، وليس بينهما سفر، فكذلك. يعني الأولى: أهل الإقليم لا ينتقل إلى الإقليم الآخر حتى يكتفي أهل الإقليم. لماذا؟ لحديث معاذ بن جبل في الصحيحين: قال: ﴿تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ إِلَى فُقَرَائِهِمْ﴾، يعني أهل المنطقة. قال رحمه الله تعالى: قال: فلا تنقل من إقليم إلى إقليم، كما قلنا هذا هو الأصل، إلا إذا كان هناك سبب شرعي. قال: ولو أخذ الساعي فوق حقه من رب المال اعتد بالزيادة في سنة ثانية. يعني مثلًا جاءت شكوى إلى ولي الأمر أن الساعي أخذ أكثر من الزكاة، فيحتسب هذا للسنة الثانية، ويقصم منه، وهذا هو الصحيح والعدل. قال أحمد: يحسب ما أهداه للعامل من الزكاة، وعنه: لا يعتد بذلك. والصحيح: التفصيل. فإن قال ولي الأمر: مواصلات السعاة منكم يا أهل الزكاة، فهنا يجوز أن يخرجوها من الزكاة، لأن من مصارف الزكاة: العاملين عليها، وهذا من العاملين عليها، فيجوز أن يعطى من الزكاة. لكن إذا كان ولي الأمر العكس، قال: لا تعطوا العمال شيء، أنا أعطيهم رواتب من عندي، فمن أعطاه من عنده لا يجوز أن يكون من الزكاة، بل يكون آثمًا على ذلك، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿أَلَا قَعَدْتَ فِي بَيْتِ أَبِيكَ وَأُمِّكَ ثُمَّ لَتَأْتِيَكَ هَدِيَّتُكَ﴾، هدايا العمال، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: إيش؟ غلول، فلا يجوز أن يعان العامل الغال على هذا الغلول، لأنه من التعاون على الإثم والعدوان. فلهذا كان الصحيح في هذه المسألة: التفصيل، وهو اختيار شيخ الإسلام وغيره من أهل العلم. قال رحمه الله: وقال الشيخ: ما أخذه بإسم الزكاة ولو فوق الواجب بلا تأويل اعتد به، وإلا فلا. يعني إذا أخذه بحق فهو حق، وإذا أخذه فأخطأ فالخطأ يرجع فيه على ولي الأمر، ويخصم من زكاة العام المقبل، هذا هو الصحيح في هذه المسألة. ومن المسائل التي تذكرها هنا: إخراج الزكاة عن الصغير والمجنون، ومن كان بمعنى هؤلاء. الصحيح: أنه كما تقدم، معنى هذا: من خطاب الوضع العادي الذي يتعلق بشروطه وأسبابه، وما كان من خطاب الوضع لا يشترط فيه نية على الصحيح. فالزكاة حق في المال، يخرج عن الصبي وعن المجنون، ويخرجه من ينفق عليه. كما قلنا فيمن أخرجت منه كرها، لا نقول: أنه يجب عليه أن يخرجها مرة أخرى، لأنه من خطاب الوضع. فإذا خرج خرج، بقي: هل يؤجر؟ إذا احتسب يؤجر، ومن لا يستطيع أن يحتسب كالمجنون والصبي، فأجره عند الله سبحانه وتعالى، وعلى من أعانه على ذلك، لقول النبي صلى الله عليه وسلم للمرأة: ﴿وَلَكِ أَجْرٌ﴾، لأنه صبي. وأيهما أفضل بالنسبة للإخراج؟ لا شك: الصحيح في مثل هذا التفصيل، فيمن يريد أن يخرجها فإنه يخرجها على أكمل وجوهها، هذا هو الأفضل في الإخراج. ومما يستحب وصحت به سنة النبي صلى الله عليه وسلم، كما جاء في الحديث الصحيحة: أن يشجع من يدفع الزكاة بالدعاء، فكان من سنة النبي عليه الصلاة والسلام إذا أقبل أحد بزكاة ماله قال: ﴿اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ فُلَانٍ﴾، قال ابن أبي أوفى: فأتى أبي بصدقته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى﴾، يعني التشجيع. وكذلك الدعاء مما يعين على الخير، وهكذا بالمقابل من يعطى من هذه الزكاة كذلك يشكر، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿مَنْ لَمْ يَشْكُرِ النَّاسَ لَمْ يَشْكُرِ اللَّهَ﴾، من لم يشكر الناس لم يشكر الله، فيشكر الناس ليشكر الله سبحانه وتعالى. طيب، هذه خلاصة المسائل مذكورة في هذا الباب، وقد تعدينا الوقت، فنعتذر عن الأسئلة في هذه الليلة إلى هنا. والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على أبينا محمد وآله وصحبه.