كتاب الزكاة 20

كتاب الزكاة 20

الدرس في كتاب الزكاة 20، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

العاملون على الزكاة وأحكامهم

الدرس يتناول الصنف الثالث من أهل الزكاة وهم العاملون عليها، ويشرح أحكامهم ومسائل تتعلق بهم. يبين أنهم لا يشترط فيهم الفقر ويذكر أدلة من السنة النبوية على ذلك.

تفاصيل أحكام العاملين وتوظيفهم

المقطع يشرح أحكام العاملين على الزكاة، حيث يجوز لهم أخذ أجرهم منها سواء كانوا فقراء أو أغنياء. يجوز أن يعطوا من جهتين إذا كانوا فقراء، كما يتناول شروط اختيارهم وجواز الاستعانة بغير المسلمين.

تأليف قلوب الكفار وتفاصيل سهم المؤلفة

يشرح المقطع تفاصيل سهم المؤلفة قلوبهم ويبين جواز إعطاء الكفار من الزكاة إذا كان في ذلك مصلحة لدعوة الإسلام. يجب النظر في المصلحة والمفسدة عند إعطائهم الزكاة.

أحكام زكاة الفطر وآل البيت

المقطع يتناول جواز أخذ آل البيت من صدقة الفطر إذا تحقق فيهم وصف الاستحقاق وعدم وجود مصدر آخر لدفع ضرورتهم. يتناول أيضاً إعمار الأرض الفضاء بمساعدة ولي الأمر.

التفريغ النصي الكامل

يصرّ إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم شرح كتاب الزكاة من مختصر الإنصاف والشرح الكبير للإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- شرح فضيلة الشيخ عبد الله بن مرعي العدني -حفظه الله تعالى- القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس العشرين. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، مرّ معنا في الدرس الماضي ما ذكره المؤلف -رحمه الله- في أهل الزكاة والمسائل المتعلقة بذلك، ومن ذلك أنه مرّ معنا أن أهل الزكاة ثمانية الذين سماهم الله تعالى. من هؤلاء الثمانية؟ نعم، ثمانية: الفقراء، والمساكين، والعاملون عليها، والمؤلفة قلوبهم، وفي الرقاب، والغارمون، وفي سبيل الله، وابن السبيل. فريضة من الله، والله عليم حكيم. ومرّ معنا من المسائل ما ذكره المؤلف -رحمه الله تعالى- من وصف هؤلاء الأصناف. فما هو الفرق بين الفقير والمسكين؟ ها هنا، الفقير الذي يملك أقل من نصف حاجته، والمسكين أكثر من نصف حاجته. ولا يكفي، لابد من هذا القيد. نعم، هذا هو الصحيح في الضابط بين الفقير والمسكين، والله أعلم. ومرت معنا أمثلة توضح وتجلي هذا المعنى بما يغني عن الإعادة. ومن المسائل التي ذكرها -رحمه الله تعالى- أنه هل ينافي كونه فقيرًا أو مسكينًا أن يكون قد وجبت عليه الزكاة؟ ها هنا، قد يكون غنيًا وتجب عليه الزكاة، مثلًا، الصحيح أن الضابط هو أن يملك النصاب، لكن هذا الغنى غنى نسبي، هو غني ومسكين في نفس الوقت. نحن تكلمنا على هذا على كلام المؤلف، أنه لا مانع أن يوصف بالغنى وفي نفس الوقت بالمسكنة، غني ومسكين في نفس الوقت، لا منافاة في ذلك. وضربنا أمثلة لذلك، أنه قد يكون عنده ما يملك النصاب، ولكن هذا الذي يملكه لا يكفيه في نفقة نفسه وأسرته. وضربنا مثالًا فيمن له أسرة كبيرة، فمثلنا مثلًا بنصاب الإبل، فكم تساوي الإبل تقريبًا؟ قلنا: تقريبًا مليون وخمس، يعني خمس من الإبل كم تساوي؟ سبعة مليون وخمسمائة. لو أنفقها في سنة، هل تكفي لأسرة كبيرة في السنة؟ في الشهر كم ينفق بعض الناس؟ يعني الوسط كم ينفقون؟ تقريبًا اختلف، يعني من أسرة إلى أسرة، هذا اختلف. إذا أسرة صغيرة معتدلة، من مئة ألف إلى مئتين ألف، على حسب النفقة. لكن أسرة كبيرة، ستة عشر نفسًا أو أكثر، أقول أقل تقدير، قل تقدير. لكن هذا على أقل تقدير، فبعض الأسر ربما ما تكفيها في الشهر خمسمائة أو أكثر، على حسب الأسرة. كما قلنا: نفقة ما يعادل ألفين سعودي، كم تساوي؟ ستمائة، عند بعض الناس تكفيهم، بعض الناس ما تكفيهم، إذا كانت الأسرة كبيرة أكثر من ستة عشر نفسًا. بعض البيوت عندنا -ما شاء الله- في اليمن بعض البيوت كبيرة، فالحاصل: إذا كان ليس عنده ما يكفيه، وليس من لازم ما يكفيه أن يبيع كل ما يملك، لأن قد يكون قوته ومنفعته من وجود هذا الذي يملك، كونه يبيع من الحليب مثلًا، حليب الإبل، أو يسقي نفسه وأسرته، ونحو ذلك مما قد ينتفع به. فالله عز وجل سمى أصحاب السفينة مساكين، وهم يملكون سفينة، فالشاهد: لا مانع أن يجتمع غنى نسبي مع مسكنة. طيب، وها هنا كذلك تنبيه لشيء، النبي -صلى الله عليه وسلم- صح عنه أنه كان يدعو بأن يكون مسكينًا، يعني معناه أنه رضي بهذا الوصف، ووصف بأنه فقير، فقير باعتبار الفقر النسبي. طيب، الفقر النسبي لأنه في بعض أيامه ليس عنده ما يأكله في يومه، فباعتبار ما قالت عائشة: كان أكثر تمرهم في ثلاثة أشهر، أكثر طعامهم في ثلاثة أشهر الأسودان: التمر والماء، فبهذا الاعتبار وصف بعض أهل العلم النبي -صلى الله عليه وسلم- بأنه مرّ بالفقر، وغالب حاله المسكنة، مرّ بالفقر وغالب حاله المسكنة، فهذا شيء نسبي كذلك، مثل الغناء، الغناء نسبي. ومما مرّ معنا كذلك ما ذكره المؤلف -رحمه الله تعالى- في القسم الثالث، أخذنا الثالث اليوم. قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: الثالث: العاملون عليها، وهم الذين يبعثهم الإمام لأخذها وحفظها، ومن يعينهم على ذلك، ولا يشترط كونهم فقراء، لأن الله جعلهم غير الفقراء والمساكين. وعنه في قدر ما يعطى الثمن، وعنه قدر عمالته. طيب، هذه مجموعة من المسائل تتعلق بهذا الصنف الثالث من أصناف أهل الزكاة: العاملون عليها، للآية التي سبقت: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾. وقد صح في الصحيحين من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- وغيره من الصحابة، كحديث أبي حميد الساعدي في الصحيحين كذلك، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يبعث السعاة ويعطيهم أجرة عمالتهم. وفي حديث أبي هريرة: يبعث السعاة ويعطيهم عمالتهم. وفي حديث أبي حميد الساعدي بقصة ابن اللتبية الذي جاء فقال: هذا لكم، وفيه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يحاسب عماله، ومحاسبة العمال ليست تخوينًا، كما يقول بعض الناس: بيننا ثقة، الثقة موجودة، ولكن لابد من الحساب، لكن لابد من الحساب. فالصح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه إذا أعطى الرجل عبده أن يعد له عند العطاء، ويعد له عند الأخذ. وهذا لأجل أن لا يدخل الشيطان، يعني: إذا أعطيت أحدًا، احرص على أن تعد عند الإعطاء وتعد عند الأخذ، لا تقول: أثق بيننا، تفضل، خلاص، خذ. بعدها ينزغ الشيطان، تضيع عليك فلوس، تقول: يمكن أعطيتها لفلان، ودخلها في الجيب، ولا تكلم، والشيطان ينزغ بينك وبين أخيك، فتقول: سبحان الله، أخذها ولم يرجعها، وتكون أنت أضعتها في مكان آخر. فينبغي أن يعد عند الإعطاء ويعد عند الأخذ، لماذا؟ أولًا: سنة النبي -صلى الله عليه وسلم-، ثانيًا: ليغلق باب نزغ الشيطان وسوء الظن، فنغلق أبواب الظنون السيئة. فإذا أعطيت عد، وإذا أخذت عد، لو واحد منكم عد يكفي. المهم: في عد عند الأخذ، وفي عد عند الإعطاء، حتى لو أعطيت ولدك، ما نقول: واجب، ولكن نقول: سنة، سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- عند الإعطاء وعند الأخذ أن تعد. قد ينزغ الشيطان بين الأب وابنه، حتى بين الأب وابنه، فترجع تخون ولدك، وإذا خونته انتزعت الثقة، ودخل الشيطان، وربما حرض الشيطان الأب على الأب أن يتمرد بسبب أنه أساء الظن فيه، ولو مرة، والشيطان حريص على أن يوجد الشحناء والبغضاء بين أهل القرابات، فضلًا عن غيرهم. فلهذا ولغيره كان من سنة أهل الإسلام هذا الأمر: يعود عند الأخذ ويعود عند الإعطاء. ومن ذلك: حساب العاملين، حاسبه النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقال: هذا لكم، وهذا أهدي إليه، فغضب النبي -صلى الله عليه وسلم-، قال: ألا يقعد أحدكم عند أبيه أو في بيت أبيه وأمه، ثم تأتي هديته؟ إننا نرسل الرجل فيرجع إلينا ويقول: هذا أهدي إليه. الحديث: الشاهد أنه في هذا كذلك دليل على عدم جواز قبول الهدية -هدية العمال- لثلاثة أمور: الأمر الأول: أنه سبب لإضعاف العامل، العامل إذا أعطي هدية يضعف في الثبات على الحق، والشيطان حريص، فلأجل أن يغلق هذا الباب يغلق باب الهدية، لأنه إذا قبلت الهدية ضعفت، كأنهم اشترونك بهذه الهدية، أنت تبيع نفسك، تبيع نفسك بهذه الهدية، والإسلام لا يسمح لك أن تبيع أمانتك ونفسك لهذا الإنسان. الأمر الثاني: أنه سبب لوقوع سوء الظن، لوقوع سوء الظن، لما تأتي بهذا الهدية تفتح على نفسك الشكوك، أنت جئت ومعك هذا المال وتقول: هذا هدية، فيبدأ الشيطان ينزع، والمطلوب إغلاق هذا الباب. والأمر الثالث: أنه كذلك سبب في إضعاف الأمانة، إضعاف الأمانة بهذا الباب، فلهذا ولغيره منع الإسلام من قبول هدية العمال، وسماها النبي -صلى الله عليه وسلم- غلولًا، لأنه دخل بهذه العلة وهذا السبب. فالشاهد من هذا: هذه الأحاديث تدل على أن العاملين يعطون من الزكاة، فالكاتب والحاسب والناقل والخازن، كل أولئك يجوز أن يعطون من الزكاة، لأنه ليس عندنا مال، إذا عندنا مال عطيناه من بيت المال، إذا ما عندنا مال عطيناه من الزكاة. وهكذا فعل النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقد أعطى أبا هريرة، قد اتمنه خازنًا على مال الصدقة. وهكذا كذلك في حديث أبي حميد الساعدي، وغيرها من الأحاديث الأخرى. والمسألة الثانية: قوله: ولا يشترط كونهم فقراء، يعني: ليس من شرط العامل أن يكون فقيرًا، حتى ولو كان غنيًا فيجوز أن يعطى، لأنه يعطى مقابل وظيفة، ليس مقابل حاجة، مقابل وظيفة احتاجه أهل الإسلام. فإذا كان فقيرًا، هل يجوز أن يعطى من جهتين؟ نعم، يجوز أن يعطى من جهتين: الجهة الأولى: من جهة كونه من الفقراء ويستحق الزكاة، والجهة الثانية: كونه من العاملين عليها، فهذا كذلك يعطى لأجلها. ولهذا قد يضعف لبعض الناس بسبب مضاعفة الأوصاف في حقه. وقوله: لأن الله جعلهم غير الفقراء والمساكين، وهذا لأن الله ذكر ثمانية، وغاير بينهم بالواو التي تفيد المغايرة، وابتدئت الآية بأسلوب الحصر في قوله سبحانه: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ الآية، فأفاد هذا أن الفقراء والمساكين غير المؤلفة. وقوله: وعنه -يعني عن الإمام أحمد- في قدر ما يعطى الثمن، وعنه قدر عمالته، يعني: اختلفت الرواية عن الإمام أحمد، وهكذا عن أهل العلم: هل يعطى نسبة أو يعطى أجرة؟ الصحيح: يجوز هذا ويجوز هذا، الصحيح: يجوز هذا ويجوز هذا، بحسب ما جرى به العرف أو ما تكون به المصلحة، وهذا يرجع إلى ولي الأمر. فإذا كان العمل معلومًا، فالعرف يجري بأنه أجرة، أنت معروف إيش ستعمل؟ تستقبل الناس وتسجل الأسماء، إذن عامله بالساعة، الساعة بكذا، اشتغل ثمان ساعات، دوام كامل، أربع ساعات نصف دوام، وهكذا، هذا يكون بحسب عمالته وأجرته. أو كان العمل غير محدد: اذهب يا فلان واجمع من الناس في البوادي وارجع، طيب، هو يقول: كم لي؟ والله ما ندري كم ستذهب، إذن الحل إيش؟ نسبة، ما هي النسبة؟ بما جرى به العرف، بعض الأعمال يكون النسبة فيها عشرة بالمئة، ثمانية بالمئة، خمسة عشر بالمئة، على حسب. بل ربما بعض الجهات تكون صعبة، سيبدل يعني مصروفات أكثر، فمثلًا الآن بعض المقاولين الذين يعملون يقول: أجرة العمل بالنسبة، إذا كان داخل المدينة ثمانية بالمئة إلى عشرة بالمئة، وإذا كان في القرى والأماكن الصعبة الذي يحتاج إلى مؤنة وكلفة ووقت ووقود وغير ذلك، فالضعف: ستة عشر بالمئة، خمسة عشر بالمئة، وربما عشرين بالمئة، هذا في أنظمة المقاولين تقريبًا. مثلها كذلك في الزكاة: العامل الذي يجمع الأشياء المعتادة ثمانية بالمئة، عشرة بالمئة، والذي يجمع الأشياء الصعبة يدور على القرى ويذهب الأماكن الصعبة أو قبائل صعبة، ما أحد يستطيع يخرج منهم الزكاة، وهنا كما يقولون: ما تكسر الحصاة إلا اختها، يجيهم واحد منهم من قبيلتهم يستطيع يخرج منهم الزكاة، أما إذا جاءهم واحد آخر ما يستطيع، فهذه الصعوبة لها ثمن، لأنك ما تجد أي أحد يجمع. فالمعتاد مثلًا: ثمانية بالمئة، عشرة بالمئة، وغير المعتاد يصل إلى خمسة عشر بالمئة تقريبًا، فإذا أجرت العاملين عليها على كيفيتين، وهذا بحسب المصلحة، يرجع إلى الإمام، الكيفية الأولى: ما هي؟ الأجرة، والثانية: النسبة، حسن، إما بالأجرة وإما بالنسبة، بحسب العرف. وبالنسبة لوصف هذا العامل، بعض أهل العلم اشترط أن يكون مكلفًا، مسلمًا، أمينًا، وكافيًا، من غير ذوي القرباء، كم شروط؟ مكلف، لا يكون صغير ولا مجنون، وهذا أمر معلوم. مسلم، لا يكون كافر، طيب، وإذا احتاج إلى الكافر هل يجوز؟ الجواب: يجوز. احتاج المسلمون في أول أيام الفتح أن يستعينوا بعمال يقرؤون ويكتبون ويحسبون، ما كان عندهم، فاستعانوا ببعض أهل الكتاب، فبلغ ذلك عمر -رضي الله عنه- أرضاه، فنهاهم، فقالوا: لم نجد يا أمير المؤمنين إلا هؤلاء، يعني: ما وجدنا من المسلمين من يقوم بهذا الواجب. فإذا كان هناك سبب فيجوز، مثلًا: كثر العمل، فاحتاج الناس إلى من يقوم بذلك، بالأنظمة الحديثة، برامج ترتب أمور الزكاة وغير ذلك، مثل اليوم الآن، الآن البرامج المعاصرة تحتاج ناس أهل خبرة بهذه البرمجيات، البرامج التي تضبط الأجهزة والدوائر الحكومية المختصة بهذا الباب، قد يكون في بادي الأمر ما عندنا مسلم يقوم بهذا، فنحتاج إلى من؟ إلى غير المسلم، ولو كان كافرًا، حتى يعلم المسلمين، وعد ذلك نستغني عنه، ما نجعله على وجه الدوام. وهذا الذي فعله الصحابة، استعانوا ببعض أهل الكتاب لما فتح الله عز وجل عليهم بلاد الشام وغيرها، ولكن استعملوهم فترة مؤقتة، حتى علموا من يأخذ منهم هذا من المسلمين، استغنوا عن أهل الكتاب. وبهذا يجمع قول عمر: لا تقربوهم إذا أبعدهم الله، وبين قول أبي موسى وغيره مما ورد في هذا الباب، يعني: نجمع بين الأقوال: كيف نستطيع أن نبعدهم إذا استطعنا، ونستخدمهم بقدر الحاجة عند حاجتنا. طيب، وهكذا كذلك: أن لا يكون من ذوي القربى، لماذا؟ لأجل أن لا تحصل المحاباة، لا تحصل المحاباة. وبعض أهل العلم يقول: لا بأس إذا كان أمينًا، ولم يكن التوظيف لأجل القرابة، إذن: الصحيح التفصيل في هذا، الصحيح التفصيل في هذا: إذا كانت عنده الصفات التي تعطيه الأهلية لأن يتقدم لهذه الوظيفة، ولو كان من ذوي القربى، فلا بأس. وأما إذا لم تكن عنده هذه الصفات، فينبغي أن يغلق هذا الباب حتى لا تحصل المحاباة، وهذا يحصل، وللأسف بين طلبة العلم، فضلًا عن غيرهم، توكل بعض الناس مسؤولية، فما تدري إلا وحط ابنه وابن عمه وقريبه، ولو كان صغير ما يستطيع حتى يحمل السلاح، إيش هذا؟ قال: هذا حارس، حارس السلاح أكبر من كيف حارس؟ هذا يحرس نفسه أولًا، يحرس نفسه. والسبب ما هو؟ قرابة، هذا ابنه، وهذا ابن عمه، وهذا كذا، وهذا، لا يجوز، بالإسلام لابد أن يوظف من هو أهل لهذه الوظيفة. قال -رحمه الله تعالى-: الرابع: المؤلفة قلوبهم. وقال أبو حنيفة: إن قطع سهمهم لما روي أن مشركًا جاء التمس من عمر مالًا فلم يعطه، وقال: من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر. ولأثر رواه البيهقي وغيره، يحسنه بعض أهل العلم، ويضعفه بعضهم، ولو صح، فالصحيح أنه يحمل على الصنف خاص. وقد روي عن عمر، وصح عنه أنه أعطى صنفًا آخر من المؤلفة. فمن لا يحتاج إليه فإنه لا يؤلف، ومن احتاج إليه ولنظيره فإنه يؤلف، وسيأتي الكلام إن شاء الله. قال -رحمه الله-: ولأنه لم ينقل عن عثمان ولا عن علي، ولنا الآية، يعني: لم ينقل عن عثمان وعلي أنهما فعلا مثل ما فعل عمر. والصحيح: جمعًا بين الآثار المروية عن عمر، فضلًا عن غيره، أن عمر إنما منع صنف خاص من المؤلفة، وهم الذين لا يحتاج الإسلام إليهم، لأن أصناف المؤلفة أربعة أقسام. منهم من هو حديث عهد بإسلام، يحتاج أن يثبت على هذا الإسلام، والقسم الثاني: من كان كافرًا ويرجى إسلامه، فإنه كذلك يؤلف حتى يدخل في الإسلام. والصنف الثالث: من يراد أن يكف شره عن المسلمين، حتى ولو لم يكن يرجى إسلامه، ولكن يرجى كف شره عن المسلمين، فإنه يؤلف. ومن ذلك ما قد يستخدم في بعض البلاد الكافرة لنشر الإسلام، أنت ما ترجو إسلام هذه الدولة، ولكن ما تسمح لك تقيم مركز إسلامي إلا أن تدفع لهم الضرائب والمكوس وأشياء أخرى، هل يجوز أن يعطوا من الزكاة؟ الصحيح: يجوز، لماذا؟ لأننا بهذا نستطيع أن نقيم ما ندعو به إلى الإسلام. أو يشترط عليه كذلك أن تفتح أمور أخرى مع هذه المركز الدعوي، يقول مثلًا: افتح معه مدرسة، وافتح معه مركز صحي، أو نحو ذلك، فأنت تنظر المصلحة والمفسدة، فإذا غلبت المصلحة على المفسدة فأنت تغلب هذا الجانب، ونحو ذلك، وهذا يرجع إلى ولي الأمر. وقد بنيت مراكز إسلامية في عصرنا هذا في عدد من بلاد الكفر، نفع الله عز وجل بها نفعًا عظيمًا، فدخل الناس وتعرف الناس على الإسلام عن قرب، فدخلوا في دين الله عز وجل أفواجًا أفواجًا، وذلك لسبب فضل الله سبحانه وتعالى، ثم وجود مثل هذه المراكز. وهكذا من يسير إلى بعض البلاد مثلًا في أفريقيا، تريد تمشي آمن، لابد تكسب بعض القبائل، فكسب هذه القبائل وهي قبائل كافرة لأجل حراستك وحمايتك، تدفع لهم، يجوز أن تدفع من الزكاة، يجوز أن تدفع من الزكاة، لماذا؟ حتى تمشي آمن وتنشر دعوتك وتدعو إلى دين الله عز وجل. وفي الغالب أنك إذا ذهبت -إذا تدعو إلى الله- ما تذهب يدك فاضية، لابد يكون عندك ما تتألف به الناس بالغذاء والدواء وحفر الآبار، وغير ذلك مما يكون من باب التأليف. كذلك القسم الرابع من هذه الأقسام: من يُعطى ليشجع من كان مثله من الكافرين أو من المسلمين. مثلًا: شيخ قبيلة، أنت تكرمه لأجل سواء كان مسلمًا أو كافرًا، لماذا؟ لأجل تغري المشايخ الآخرين، مثلًا في أفريقيا، في الغالب إذا كسبت شيخ القبيلة كل القبيلة تسلم، إذا أسلم شيخ القبيلة كل القبيلة تسلم. فإذا اشتهر بين الرؤساء القبائل أن هذه الطائفة تعتني بشيخ القبيلة اعتناء خاص، فتكرمه وتبني له البيت وتعطيه ما يمكنه من أن يكتفي بحياته، فالآخر الكافر يريد مثل هذا، المسلم أو حتى كافر، تتألفه فيدخل بالإسلام، فيأتي الكافر الآخر يريد مثل هذا، فيتتألفه فيدخل في الإسلام. ويكون هذا سبب في إسلام نظرائه، وربما كذلك إسلام أتباعه. ومثل هذا فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- مع المشركين في عام الفتح، حتى وجد بعض الأنصار في أنفسهم، وجد بعض الأنصار في أنفسهم، فنزغ الشيطان، فقال بعضهم كلامًا بلغ النبي -صلى الله عليه وسلم-، فجاءهم وجمعهم في حضيرة، وقال: تلك المقولة العظيمة في قوله -عليه الصلاة والسلام-: "الناس الدثار والأنصار الشعار" إلى أن قالوا: "لو أن الناس سلكوا شعبًا وواديًا لسلكتوا شعب ووادي الأنصار". وقال قبلها: "لو شئتم قلتم: جئتنا فقيرًا فأغنيناك". وكذلك يعني ما ذكره -عليه الصلاة والسلام- في مبدأ دعوته، ثم ذكر هذا الحديث يبين لهم -عليه الصلاة والسلام- أنه فعل ذلك لتأليف الناس، حتى قال في آخر الحديث، يعني ماذا؟ قال: "تغضبون للعاعة من لعاعة الدنيا، أتألف بها أناسًا على دين الإسلام". يعني الذي أعطيتم هؤلاء أعطيتهم لأن يتألفهم، قال: ﴿وَتَرَكْتُ أُنَاسًا لِإِيمَانِهِمْ﴾ أو قال: ﴿لِسَابِقَتِهِمْ﴾ يعني يريد الأنصار والمهاجرين، لأنه لم يعطهم مثل ما أعطى هؤلاء رؤوس المشركين الذين أعطاهم النبي -صلى الله عليه وسلم-، فهذا يرجع للإيمان، بحسب المصلحة. فلذلك الصحيح أنها لم تنقطع، لا كما نقل عن عمر، والصحيح أن ما روي عن عمر هو على هذا الوصف. طيب، قال -رحمه الله تعالى-: فلعلهم تركوه لعدم الحاجة لا لسقوط سهمهم، وهذا هو الصحيح، وهذا في الكفار. وأما المسلمون، كمثل سادات المسلمين الذين لهم نظراء في الكفار، فإذا أعطوا رجي إسلام نظرائهم، كما تقدم معنا في القسم الرابع. قال: كما أعطى أبو بكر عدي بن حاتم، والزبرقان مع حسنيناتهما وإسلامهما، لماذا؟ لأجل أن يبلغ ذلك الآخرين فيسلموا. قالوا: مثل من يرجى قوة إيمانه ومناصحته في الجهاد، كما أعطى النبي -صلى الله عليه وسلم- عيينة بن حصن والأقرع بن حابس، والطلقاء، وهذا ونظائر هذا كثير في سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- والصحابة -رضي الله عنهم-، مما يدلك على أن هذا المقصد هو الذي ينبغي أن يتتبع. فالمقصود هو تتبع هذه المعاني وما كان بمعناها مما ذكر. طيب، نقف إلى هنا، ونترك الباقي إن شاء الله في درس لاحق، والله تعالى أعلم. يقول: كم يمكن أن يأخذ الإنسان من الزكاة؟ وهل يمكن أن يأخذ بقدر قوت سنته أو حاجته؟ أو له أن يتوسع، فمثلًا يصلح في بيته بما هو فوق الحاجة، أو يأخذ سيارة؟ نود الإيضاح. الأصل أن ولي الأمر أو من وكله يقسم بحسب المصلحة، فإن كان المال قليلًا وزع، إما بالسوية إن لم يعرف حاجة الناس، أو وزع بحسب الحاجة، فيعطي الأشد فقرًا أكثر من ممن هو أحسن حالًا منه، صاحب الأسرة الكبيرة أكثر من صاحب الأسرة الصغيرة، وهكذا. وأما إذا كان المال كثيرًا، فإنه يحاول يعني المال كثير، وأهل الزكاة قليل، ففي مثل هذه الحال إذا استطاع أن يغني كل واحد ما يكفيه في سنته فذاك، أو كذلك بحسب المصلحة، إذا رأى أن هذا الإنسان ليس عنده وظيفة، وكونه يوفر له ما يعينه في وظيفة تغنيه في سنته، في سنوات، فيوفر له ذلك. مثلًا: أسرة فقيرة، عندها عائل واحد، هذا العائل ما وجد وظيفة، لكن يحسن قيادة السيارة، فإذا حسبت ممكن تعطيه سيارة، أو تعطيه نفقة سنة، أيهم أفضل؟ السيارة ستدخل له نفقة سنة، وستبقى له تستمر معه، فتنظر المصلحة، نفقة السنة تساوي قيمة سيارة، تعطيه سيارة يشتغل فيها. أو إنسان كذلك عنده أرض ومحل، لو أعين في إقامة شيء في هذا الأرض أعانه على أن يكفيه في سنته، وما أكثر من سنته، فتنظر: نفقة السنة مع إعمار هذه الأرض بشيء ينفعه، وهكذا، وهذا يرجع إلى ولي الأمر أو من يوكله، والله أعلم. يقول: هل يجوز لآل البيت أن يأخذوا من صدقة الفطر؟ لأنهم لا يعطون الخمس، إذا تحقق فيه وصف من يستحق هذه الزكاة، سواء كانت صدقة الفطر أو كذلك من أهل الزكاة الثمانية، فالصحيح أنه يجوز، للضرورة، فالضرورات تبيح المحظورات، بشرط عدم نقصانها عنها. إذا لم يكن هناك ما يدفع ضرورته إلا الأخذ من الزكاة، فالصحيح أنه يجوز أن يأخذ من الزكاة، ولا يتعدى الحاجة، بل يأخذ قدر الحاجة. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم عن نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.