الدرس في كتاب الحج 34، الدرس الرابع والثلاثون : من : ( الحديث الرابع والعشرون بعد المائتين ... فإنا لله وإنا إليه راجعون ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
شرح حديث عبد الله بن عمر حول استلام الركنين اليمانيين أثناء الطواف وأهمية استلام الحجر الأسود والركن اليماني. بين الشيخ الأحكام المتعلقة بذلك والابتعاد عن البدع والمخالفات الشرعية.
بيان حكم استلام الركن اليماني والفرق بينه وبين الحجر الأسود، وتحذير من استلام أو تقبيل غير الركنين اليمانيين أو قبور الصالحين والأنبياء باعتباره بدعة.
التأكيد على اتباع سنة النبي في أفعاله وتروكه، حيث إن ما تركه النبي يعتبر سنة تركية يجب اتباعها، وما فعله يجب الاقتداء به، وتطبيق ذلك على استلام الأركان في الطواف.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال: لم أرَ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يستلم من البيت إلا الركنين اليمانيين. أورد الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى هذا الحديث في سياق كلامه على صفة الطواف وما يتعلق به من أحكام. وأقرب الألفاظ إلى لفظ ما ذكره المؤلف رحمه الله، ولفظ الإمام البخاري رحمه الله في حديث ألف ستمائة وتسعة، قال رحمه الله تعالى: حدثنا أبو الوليد قال: حدثنا ليه عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله عن أبيه -يعني عبد الله بن عمر رضي الله عنهما- قال: لم أرَ النبي صلى الله عليه وسلم يستلم من البيت إلا الركنين اليمانيين. هذا هو لفظ الإمام البخاري، كلفظ صاحب العمدة. ورواه مسلم مثله، وذكر في رواية: قال: يمسح بدل يستلم. وسيأتي الكلام على شرح الحديث وبيان الفرق بين اللفظين. قال الشارح رحمه الله تعالى: الغريب اليمانيين نسبة إلى اليمن تغليبا، كالقمرين للشمس والقمر، والعمرين لأبي بكر وعمر، والأبوين للأب والأم. والمراد بهما الركن اليماني والركن الشرقي الذي فيه الحجر الأسود. ومعنى كلامه أن معنى قول عبد الله بن عمر: اليمانيين، أي الحجر الأسود والركن الذي بجانبه عن يساره، وهو المسمى بالركن اليماني. سمي بذلك لأنه إلى جهة اليمن. وأما الركن الذي فيه الحجر الأسود فهو في الحقيقة إلى جهة العراق، ولهذا يسمونه الركن العراقي. لكن لا يذكرون هذا؛ لأن هذا الموضع فيه ميزة أشرف من أن يحتاج لتعريف بالجهة، وهو وجود الحجر الأسود. فلهذا صاروا لا يقولون: الركن العراقي، يقولون: الحجر الأسود، الركن الحجر الأسود؛ لأنه فيه الحجر الأسود. قال: فإذا كان كذلك، فلماذا قال عبد الله بن عمر: وجاء في الحديث -كما مر معنا في حديث بلال كذلك- صلى بين العمودين اليمانيين أو بين الركنين اليمانيين؟ قال رحمه الله تعالى: من باب التغليب، يعني من لغة العرب أن الشيء إذا أريد اختصاره يقرن بغيره على وجه التغليب. فتقول: مر بأبويه، وتريد الأب والأم، بدل أن تقول: مر بأبيه وأمه. وهكذا إذا أردت أن تذكر الخليفتين الراشدين أبو بكر وعمر، تقول: هذا من سنة العمرين، تريد أبو بكر وعمر. فهذا من الاختصار الذي يذكر بصيغة التغليب، يعني يغلب أسهل الاسمين أو أشهرهما على الآخر. قال الشارح رحمه الله تعالى: المعنى الإجمالي للبيت أربعة أركان، فللركن الشرقي منها فضيلتان. قال: كونه على قواعد إبراهيم عليه السلام. يعني كون البيت على قواعد إبراهيم عليه السلام. وهل العلة سيأتي؟ هل العلة في استلام الركنين اليمانيين أنه لأجل أنه كان على أساس إبراهيم عليه الصلاة والسلام؟ كما مر معنا قريبا في التفسير، في حديث عائشة بالصحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يعيد بناء البيت على أساس إبراهيم، وأن أهل مكة قصرت بهم النفقة، فلم يستطيعوا أن يدخلوا الحجر من البيت، وأنهم إنما بنوا البيت على هذا الأساس. ومر معنا هناك أن الصحيح: ليست العلة لذلك، وإن كان قد قال به عبد الله بن عمر رضي الله عنه وأرضاه، بل هذا قال به كثير من أهل العلم، لكن الصواب خلاف ذلك. قال رحمه الله تعالى ثانيا: وكون الحجر الأسود فيه، والركن اليماني له فضيلة واحدة، وهو كونه على قواعد إبراهيم. وليس للشام والعراق شيء من هذا؛ فإن تأسيسه مداخل عن أساس إبراهيم، حيث أخرج الحجر أو أخرج الحجر من الكعبة من جهتهما. قال: ولهذا فإنه يشرع استلام الحجر الأسود وتقبيله، ويشرع استلام الركن اليماني بلا تقبيل. ولا يشرع في حق الركنين الباقيين استلام ولا تقبيل. والشرع مبناه على الاتباع لا على الإحداث والابتداع. ولله في شرعه حكم وأسرارة. قال: ولهذا فإنه يشرع استلام الحجر الأسود وتقبيله. ونحن نقبله كما قبله عليه الصلاة والسلام. وإلا فهو كما مر في أثر عمر: حجر لا ينفع ولا يضر. ولكن؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قبله، فنحن نقبله. وهكذا الركن اليماني استلمه النبي عليه الصلاة والسلام -يعني مسه بيده فقط- لم يقبل يده، ولم يقبله مباشرة، وإنما استلمه فقط. فنحن نتابع، فنستلمه فقط. وسائر جهات البيت الأخرى -وفي ذلك جهة الحجر والركنان الشاميان- لا يستلم ولا يقبل. قال: ومن باب أولى أنه لا يقبل. ومن باب أولى أنه كذلك لا يسجد عليه، ولا يفعل شيء مما ابتدعه عامة الناس في أزمنة مختلفة. وأشار إلى أن فضيلة الركن اليماني ليست كفضيلة الحجر الأسود. وهذا كما مر معنا لتخصيص الأدلة بذلك، من قوله عليه الصلاة والسلام في تخصيص الحجر الأسود بالاستلام والتقبيل وفعله. وهكذا كذلك الركن اليماني بفعله عليه الصلاة والسلام. قال رحمه الله تعالى: ما يؤخذ من الحديث أولا: استحباب استلام الركنين اليمانيين. ومعنى الاستلام هو المسح باليد. إما أن تمسه فقط، أو تمسح هكذا، تمسح. هذا يسمى استلام. ولا ينافي هذا الاستلام تقبيل الحجر الأسود؛ كما ثبت في حديث ابن عمر الذي تقدم. فإن عدم ذكر التقبيل في هذا الحديث لا ينفي التقبيل الذي ثبت فيما تقدم من أحداث. فهنا ذكر الاستلام تمييزا له عن بقية الجهات الأخرى للكعبة. قال رحمه الله تعالى: والمستحب في حق الطائف استلام وتقبيل الحجر الأسود إن أمكن بلا مشقة عليه ولا على غيره؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمر: يا عمر، إنك رجل قوي، فلأجل هذا نصحه وأرشده ألا يزاحم الناس في الحجر حتى لا يؤذيهم. قال: فإن لم يمكن استلمه فقط بيده، وقبل يده. هكذا يستلم ويقبل إذا لم أستطع التقبيل مباشرة. وإن لم يمكن استلمه بعصا ونحوها، وقبل ما استلمه به؛ كما مر معنا في حديث المحجن -وهي العصا المعطوفة- يستلمه بالعصا، ثم يقبل طرف العصا الذي استلم. قال: وقبل ما استلمه به. فإن آذى وشق على نفسه أو غيره، أشار إليه ولم يقبل يده. إذا لم يستطع أن يستلم -لا مباشرة ولا بيده ولا بعصا- فإنه لا يقبل، يشير بيده الله أكبر ويمشي. قال: وقد مر معنا أن الناس يخطئون في هذا الموضع بخطأين. ما هما؟ هذان الخطأان: يقولون: بسم الله الله أكبر في كل طواف، وهذا خطأ. وإنما يستحب في الشوط الأول فقط. والخطأ الثاني: تقبيل اليد. هذا الذي ذكرناه الآن: أنه يقبلون أيديهم، يقولون: بسم الله الله أكبر، وبعضهم عشرين مرة، ما يكتفي بعضهم باليدين يقبل اليدين. وهذا كله ليس من السنة. السنة أن يشير بيده فقط الله أكبر، لا يقبل ولا يقول بسم الله في كل شوط، وإنما في الشوط الأول فقط. قال رحمه الله تعالى: أشار إليه ولم يقبل يده. والركن اليماني إن تمكن من استلامه استلمه -يعني استلمه هكذا يضع يده عليه على الركن اليماني- أو مسحه كما جاء في رواية مسلم. والمسح يعني: يمر بيديه وهو ماش. بيده. قال: وإن لم يتمكن لم يشر إليه. وبهذا نعرف أن الحجر الأسود يختلف عن الركن اليماني. والناس يخطئون في الركن اليماني بزيادة ما سبق في الحجر الأسود: أنهم إذا لم يستطيعوا أن يمسوه، ماذا يفعلون؟ يشيرون ويقبلون. وبعضهم يشير ويقبل ويكبر ويسمي، فجمع أخطاء أربعة. ليس به إشارة، وليس به بسملة، وليس به تكبير، وليس به تقبيل. إن استطاع أن يمسه مسه. إذا لم يستطع لم يفعل شيء أبدا، يمر. قال: وإن لم يتمكن لم يشر إليه؛ لأنه لم يرد -يعني لم يذكر هذا عن النبي عليه الصلاة والسلام-. ومبنى العبادة على الاتباع؛ كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: خذوا عني مناسككم، فهي مناسك. مناسك عبادة. الواجب على المسلم اتباع النبي عليه الصلاة والسلام حذو القدة بالقدة. قال: والشرع في العبادات نقل وسماع. هذا هو معنى الاتباع. ما نقل وسمع يتابع. وما لم فإنه يترك. قال: قال شيخ الإسلام: أما الركن اليماني فلا يقبل على الصحيح، خلافا لمن زعم أنه يقبل؛ فإنه خلاف السنة. قال: وأما سائر جوانب البيت والركنان الشاميان -وهكذا يسميان- فقول المؤلف قبل ذلك: الشامي والعراقي. فهو خلاف ما اشتهر عند أهل العلم. فالذي اشتهر أن العراقي يقال لأي شيء؟ للحجر الأسود. قال: ومقام إبراهيم فلا يقبل ولا يتمسح به باتفاق المسلمين المتبعين للسنة المتواترة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فما بالك إذا رأيت العوام؟ ليس فقط يفعلون هذه الأخطاء. هنا شيخ الإسلام ينهى ويذكر أنه ليس من السنة استلام جوانب البيت -يعني جدران البيت- وكذلك الركنين الشاميين، وكذلك مقام إبراهيم. والناس يقبلون مقام إبراهيم ويبكون عنده ويفعلون عظائم. وهكذا كذلك ربما كلما وجدوا عمودا أو سارية فيها لمعان أتوا إليها وقبلوها -أي عمود يلمع يتوجه إليه ويقبل-. قال: واتفقوا على أنه لا تقبل الحجر النبوية ولا يتمسح بها. لا تقبل الحجر النبوية ولا يتمسح بها. والآن الحمد لله فصلت الحجرة بحاجز، فلا يمكن لأحد استلامها مباشرة. قال: لأجل ألا يضاهي بيت المخلوق بيت الخالق. لأجل أن لا تحصل المضاهاة. وهذه المضاهاة نوع من الشرك. فالطواف من خصائص البيت، قال تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾. فلا يجوز الطواف بغير البيت العتيق. فإذا طيف بغير البيت العتيق فإنه صار بهذا مضاهاة للبيت العتيق، وهذا نوع من العبادة، فيكون من الشرك. قال: فإذا كان هذا في قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فقبر غيره أولى. لا يقبل ولا يستلم. بل إذا كان هذا في نفس البيت، فما دونه من باب أولى. إذا كان نفس البيت أركانه ليست سواء، ركن يقبل فقط، ولا يجوز الركن الآخر أن يقبل، ولكن يستلم فقط، وهو الركن اليماني. وأركان أخرى لا تستلم ولا تقبل. وكله بيت واحد. كله بيت واحد. ومع ذلك هذا يقبل ويستلم، وهذا يستلم فقط، وذاك لا يقبل ولا يستلم، ذاك لا يقبل ولا يستلم. فالمسألة مسألة اتباع. قال رحمه الله تعالى: الثاني عدم مشروعية استلام غير الركنين اليمانيين من أركان الكعبة، ولا غيرها من المقدسات كمقام إبراهيم. الاستلام فقط يعد بدعة. استلام أي موضع على وجه التعبد والعبادة فإنه بدعة. قال: فإن قال قائل -وهذا يقوله بعض المجادلين من أهل البدعة-: يقولون: إذن لا تستلم شيء إذا مشيت، لا تستلم شيء من الحرم. يجادل يقول: فإنه كهرباء تعرف كهرباء إذا مسكت يحصل التماس، لا تمس شيء -يعني يريد أنك إذا مسست جدار من جدران الحرم فقد وقعته في البدعة- نقول: أنا إذا لمست أو مسحت أو كذلك استلمت أي موضع من مواضع الحرم ليس على وجه العبادة، ليس علي شيء. لكن أنت تستلم هذا على وجه العبادة. والعبادة معناها -كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى-: ماذا؟ من يذكر البيت؟ هات يا إلياس: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾ وعبادة الرحمن غاية حبه مع ذل عابدي هما قطباني فالعبادة ما كان فيها الحب والخضوع والذل. قال: هل السني إذا استلم ركنا من جدار الكعبة لأنه كان قريب من الكعبة يستلمه على معنى الحب والذل والخضوع؟ الجواب: لا يستلمه؛ لأنه ماش يمشي، مر بجدار الكعبة، ليس هو كهرباء ممنوع اللمس كما يقول هؤلاء الظلال. لكن هذا الذي يتمسح ويقبل يستلمه على وجه التعبد؛ لأنه فعله على وجه المحبة والخضوع والذل. فما دام فعله على وجه المحبة والخضوع والذل فهو تعبد لله بما لم يشرعه الله، فوقع في البدعة. قال رحمه الله تعالى: كمقام إبراهيم، وجبل الرحمة في عرفة -جبل الرحمة بعضهم يقبل الحجارة ويمس الحجارة ويستلم الصخور العظام- قال: والمشعر الحرام بمزدلفة، وروضة النبي صلى الله عليه وسلم الشريفة ما بين منبري وحجرتي. قال: وصخرة بيت المقدس -الصخرة في بيت المقدس- وغيرها. يعني من المواضع. وذكر شيخ الإسلام في المجموع -مجموع الفتاوى- مجلد السادس كذلك في مواضع فيه: أن استلام قبور الصالحين والأنبياء كذلك يدخل في هذا المعنى. فهي من الأعمال المبتدعة. استلام قبور الصالحين فقط استلامها. ليس ما هو أعظم من ذلك من دعاء هذه القبور. حتى الاستلام: مر بقبر صالح استلمه هكذا وهو ماش لماذا فعلت هذا؟ هكذا مسحت هذا القبر. انظر لأجل أن تعرف أن المسلم مقيد بأدلة الكتاب والسنة. هذه اللمسة الذي لمست فيها قبر الصالح إثم. سيقول لك: سبحان الله هذه اللمسة إثم. نقول: نعم هذه اللمسة إثم. لماذا إثم؟ لأنك فعلتها على وجه التعبد، فشرعت شيئا لم يشرعه الله، وفعلت شيء لم يستحبه الله ولا رسوله، بل هو من البدع. بل عده بعض أهل العلم إذا قصد به معنى من معاني النفع والضر أنه شرك. قال رحمه الله: فإن الشرع يؤخذ من الشارع بلا زيادة ولا غلو ولا نقصان ولا جفاء. وصد بلا زيادة ولا نقصان وبغير غلو ولا جفاء. قال: ومن شرع عبادة لم يشرعها الله ورسوله فقد كذب الله سبحانه في قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الآية. واستدرك على رسالة محمد صلى الله عليه وسلم. الذي يقول: احترتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها -وهو أحد روايات حديث العرباض بن سارية المشهور- وهي رواية صحيحة. قال الإمام مالك حين سئل: هل في الإسلام بدعة حسنة؟ لأن بعضهم يجعل هذه الأفعال من البدعة الحسنة. قال رحمه الله تعالى: من زعم أن في الإسلام بدعة حسنة فقد اتهم النبي صلى الله عليه وسلم بالخيانة. ألم تسمع إلى قول الله جل وعلا: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ الآية. قال: وما لم يكن يومئذ دينا لا يكون اليوم دينا. قال: وإننا لنرى من يخل بصلاة الفجر -إيش عندكم؟- فلا يسلم أو فليسلم، فليسلم فيسلم. طيب أنا عندي في خطأ. المهم الذي عنده خطأ يصوب. إما فيسلم بدون لام: فيسلم مع الإمام أو قبله. أو فلا يسلم مع الإمام أو قبله. لكن أحسن: فيسلم مع الإمام أو قبله؛ ليكون الأول في تقبيل الحجر الأسود. ومعناه: أن بعض الناس يسابق الإمام في السلام. بل بعضهم ما يسلم. بعضهم ما يسلم. بل بعضهم ما يصلي مع الإمام. الناس في صلاة وهو يريد يستلم الحجر يريد ينطلق أول من ينطلق إلى الحجر الأسود. وهذا كذلك من الغلو في الحجر الأسود. ولهذا قال بعض أهل العلم: تقبيل الحجر الأسود بغير طواف بدعة. تقبيل الحجر الأسود بغير طواف بدعة. الحجر الأسود يقبل متى؟ في الطواف. لكن بعض الناس ما يطوف يجاهز ويدخل في الزحام ويؤذي الناس ليقبل الحجر الأسود ويمشي من دون طواف ولا شيء. وهذا خلاف السنة. السنة أن الحجر الأسود يقبل في الطواف فقط. وأما في غير الطواف فليس من السنة في شيء. قال رحمه الله تعالى: فيسلم مع الإمام وقبله ليكون الأول في تقبيل الحجر الأسود. وكل هذا من آثار الجهل وقلة الناصحين والمرشدين. وينبغي لكل مسلم رأى مثل هذه المنكرات أن ينصح. من رأى منكم منكرا فليغيره بيده. فإن لم يستطع فبلسانه. فإن لم يستطع فبقلبه. وذلك أضعف الإيمان. قال رحمه الله: فلقد انصرفنا إلى حب الدنيا الذي هو رأس كل خطيئة. وتركنا أوامر الله تعالى. ورأى ظهورنا. فإن لله وإن إليه راجعون. وهنا تبقى مسألة وهي مسألة استلام الركنين الآخرين الشاميين. فقد روي عن بعض الصحابة أنه كان يستلم الأركان كلها. روي عن بعض الصحابة أنه كان يستلم الأركان كلها. ولكن حمل هذا على أحد معنيين: المعنى الأول: أن هؤلاء الذين خالفوا من الصحابة لم يبلغهم الدليل عن النبي عليه الصلاة والسلام. ولهذا ثبت التراجع لمن بلغه الحديث والدليل. مثال ذلك: معاوية رضي الله عنه كان يستلم كل الأركان -يعني الأربعة- ويقول: ليس من البيت مهجورا. فراجعه عبد الله بن عباس وقال له: نعم ليس من البيت مهجورا. ولكن الله جل وعلا يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾. والرسول لم يستلم إلا الركنين اليمانيين. أو قال: إلا الركنين. فقال معاوية: صدقت. يعني إذا كان هكذا أتابع. والحديث رواه البخاري. فتراجع معاوية رضي الله عنه بعد ذلك عن قوله وفعله هذا. قال: والأمر الآخر: أن بعضهم كان يستلم الركن الأركان جميعا على المعنى الذي سبق في حديث عائشة وعلل به عبد الله بن عمر. فإن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: فإن كانت عائشة سمعت أو قالت أو قال قالت ذلك -يعني سمعته من النبي صلى الله عليه وسلم- وهي متيقنة من ذلك. فإني أرى أنه لم يستلم الركنين الآخرين؛ لأنهما ليس على أساس إبراهيم. أو كما قال رضي الله عنه وأرضاه. وذهب إلى هذا وذهب إلى هذا عدد من أهل العلم. ولهذا ذكر عن الطحاوي رحمه الله تعالى أنه قال: بعد أن ذكر الحديث فذكر أن العلة في استلام الركنين اليمانيين أنهما بني على أساس إبراهيم. أنهما بني على أساس إبراهيم. وأنه لولا أن البيت بني كله على أساس إبراهيم لكان يمس الأركان كلها. ثم قال رحمه الله: وبمثل ما نزعنا نزع بن عمر رضي الله عنه. أو قال: نزعنا بمثل ما نزع بن عمر رضي الله عنه. يعني كان تعليلنا ومذهبنا موافقا لمذهب عبد الله بن عمر رضي الله عنه. قال: وممن ذهب إلى هذا القول كذلك عبد الله بن الزبير. فروي عنه أنه لما أعاد البيت على أساس إبراهيم -كما مر معنا- لما بلغه حديث خالته عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أعاد البيت على أساس إبراهيم. فأدخل الحجر من البيت. فكان يمس الأركان الأربعة. يعني فهم بفهم من؟ بفهم ابن عمر. وما ظنوه من الحديث حديث عائشة رضي الله عنها. لكن هل وافقه الصحابة على ذلك؟ الجواب: لا. فإن عبد الله بن عباس أنكر عليه كما روى الإمام مسلم رحمه الله تعالى ذلك في صحيحه. فإنه روى أنه أنكر على عبد الله بن زبير إذ كان يقول: ليس من البيت مهجورا. أو كان يمس الأركان كلها. فكان يقول له: نعم. ولكن الله تعالى قال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾. كان يذكر له الآية. وذكر كذلك الشوكاني رحمه الله تعالى في نيل الأوطار: أن الأزرقي في تاريخ مكة ذكر عن ابن الزبير أنه إنما استلم الأركان الأربعة بعد بناء البيت على أساس إبراهيم. بعد بناء البيت على أساس إبراهيم صار يستلم الأركان الأربعة. أو كما قال رحمه الله تعالى. قال: فعلى هذا نعلم أنه حتى على المذهب الثاني فالصواب والله تعالى أعلم أنه لا يمس؛ لأن المسألة عبدية. حتى لو عيد البيت على أساس إبراهيم وبني مرة أخرى. فإننا لا نمس إلا ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مسه احتياطا واقتداءا وكذلك متابعة لسنته عليه الصلاة والسلام. وهذا هو كما سمعنا قول ابن عباس. قال: وهنا تنبيه وهو أن بعض أهل العلم روى عن ابن عباس أنه كان يقول: ليس من البيت مهجورا. فعلى هذا ذكر بعض أهل العلم أن ابن عباس ممن يرى مس الأركان الأربعة كلها. وهذا خطأ. ومنهم من ذهب أن ابن عباس قال ذلك ثم رجع عن هذا القول. كما ذكر ذلك عدد من الشراح. والصواب: أن هذا الذي روي عن ابن عباس خطأ. كما أشار إليه الحافظ ابن حجر رحمه الله في الفتح. فذكر أنه روى في مسند الإمام أحمد هذه الرواية -أي عن عبد الله بن عباس- وأن عبد الله بن أحمد بن حنبل ذكر في العلل أنه سأل أباه عن حديث شعبة في حديث ابن عباس -أي أنه ذكر هذا القول من قول ابن عباس- ليس شيء من البيت مهجورا. فقال أحمد بن حنبل: قال أن هذا خطأ. وأن الناس خالفوا شعبة في ذلك. وقال رحمه الله تعالى: كان شعبة يقول: الناس يخالفونني في هذا. ولكنني سمعته من قتادة هكذا. ثم قال: ورواه سعيد بن نبي عروبة عن قتادة على الصواب. يعني الصواب أنه من قول معاوية. وليس من قول عبد الله بن عباس. فهو خطأ. قال: فإذن من نسب هذا إلى عبد الله بن عباس فهو خطأ. وأخيرا نختم بكلمة عظيمة. الإمام الشافعي رحمه الله تعالى يرد على بعض من يقول بالتمسح بالأركان الأربعة. قال: حين قال: ليس من البيت مهجورا. قال الشافعي رحمه الله: إن لم ندع استلام هجرا للبيت. وكيف نهجره ونحن نطوف به؟ يعني نطوف بالبيت. ولكن نتبع السنة فعلا وتركا. يعني نتابع سنة النبي عليه الصلاة والسلام فيما فعل وفيما ترك. ولهذا قال بعض أهل العلم: من سنة النبي صلى الله عليه وسلم سنة يقال لها: سنة تركية. سنة تركية. ما تركه تركناه. وما فعله فعلناه. فهذا هو تمام الاقتداء به عليه الصلاة والسلام.