الدرس في مناسك الحج والعمرة 6، الدرس السادس:من( أمره صلى الله عليه وسلم بالتمتع ... اللهم أنت السلان ومنك السلام فحينا ربنا بالسلام فحسن لثبوته عنه رضي الله عنه ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول هذا الفصل أحكام الإحرام وكيفيته، مبينًا صيغ التلبية للعمرة والحج، واستحباب الاشتراط لمن خاف العوارض، وعدم وجود صلاة خاصة للإحرام. كما يشرح كيفية التعامل مع الإحصار أو المرض أثناء الإحرام.
يتناول هذا الفصل أحكام التلبية في الحج والعمرة، مثل صيغة التلبية ورفع الصوت بها وجواز الزيادة عليها، ويشير إلى أن التلبية مشروعة للرجال والنساء مع مراعاة عدم الإيذاء وعدم الفتنة، مع تفصيل أحكام التلبية عند الإحرام ودخول مكة.
يشرح هذا الفصل آداب دخول مكة والمسجد الحرام، مثل الاغتسال قبل الدخول وتزين المحرم، ويبين كيفية الدخول إلى المسجد الحرام وآدابه، مثل تقديم الرجل اليمنى والدعاء عند الدخول.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال: أمره صلى الله عليه وسلم بالتمتع. قال: فإذا أراد الإحرام، فإن كان قارنًا قد ساق الهدي، قال: «لبيك اللهم بحجة وعمرة». وإن لم يسق الهدي، وهو الأفضل، لبى بالعمرة وحدها، ولابد، فقال: «لبيك اللهم بعمرة». فإن كان لبى بالحج وحده، فسقه وجعله عمرة لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك. والصحيح من أقوال أهل العلم أنه إذا كان قد أدى عمرة الفريضة، جاز له أن يحج بحجة فقط. فقد ثبت أن بعض الصحابة لبى بحج فقط، ومنهم من لبى بعمرة، ومنهم من لبى بعمرة وحج، فأقرهم النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك. وأما كونه أمرهم بعد ذلك، فهذا كما فهمه سلف الأمة، إنما كان لذاك العام وللتعليم. ولهذا لم يثبت أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم بعده رأوا وجوب التمتع واتفقوا على ذلك والإلزام به، ولكن هو الأفضل لا شك. ومن لم يأت بعمرة، لزمته عمرة إن كان قد ساق الهدي فقارن، وإن لم يسق الهدي فمتمتع. قال: وقوله: «دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة». سبق معنا الحديث. قال: وشبك صلى الله عليه وسلم بين أصابعه. ومعنى «دخلت العمرة في الحج» على الصحيح، ليس معناه وجوب التمتع، ولا معناه سقوط نسك الإفراد بالحج، ولكن معناه من لم يأت بعمرة فهو عليه أن يأتي بعمرة وحج. وأنه كذلك دخلت العمرة في الحج خلافًا لما يظنه أهل الجاهلية من أنه لا يمكن أن يؤتى بعمرة في أشهر الحج فيتحلل منها. فإن حكم التمتع شيء ما كان يعرف أهل الجاهلية، فأراد أن يبين النبي عليه الصلاة والسلام أنه حكم شرعه الله وسيبقى إلى يوم القيامة. قال: الاشتراط. قال عاشرًا: وإن خاف قَرَن مع تلبيته الاشتراط على ربه تعالى خوفًا من العارض من مرض أو خوف. وليس لكل أحد على الصحيح، بل هو لمن وجد مظنة هذا العارض، كأن، بدأت به آثار المرض، أو كان في بعض معاملته ما يخشى رده، أو كذلك غير ذلك من أنواع العوارض التي تعرض للإنسان. فإن وجد مظنة هذه العوارض، استحب في حقه أن يشترط، وإلا، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشترط، ولم يعلم جميع أصحابه الشرط. وإنما ورد هذا الحديث الذي سيأتي إن شاء الله في حقه المباعة بنت الزبير. وقد دخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم وهي فيها آثار المرض، وكانت تحت المقداد بن الأسود، كما في الصحيحين، فعلمها هذا الدعاء. قال: فيقول كما جاء في تعليم الرسول صلى الله عليه وسلم: «اللهم محلي حيث حبستني». يعني قال لها: قولي: «اللهم إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني». قال: فإنه إن فعل ذلك فحبس أو مرض، جاء له التحلل. جاز. ظهر صوابه. جاز. قال: جاز له التحلل من حجه أو عمرته. وليس عليه دم. وحج من قابل، إلا إذا كانت حجة الإسلام، فلابد من قضائها. فيسقط عنه دم التحلل الذي هو بمعنى دم الإحصار. فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي، يعني: إن منعكم مانع، فلا تخرجون من إحرامكم إذا دخلتم فيه إلا بذبيحة وهدي يرسل إلى البيت الحرام. فهذا فائدة الاشتراط، وهو يستحب لمن وجد مظنة الإحصار أو الرد أو الحبس أو المرض أو غير ذلك. قال: وليس للإحرام صلاة تخصه، لكن إن أدركته الصلاة قبل إحرامه، فصلى ثم أحرم عقب صلاته، كان له أسوة برسول الله صلى الله عليه وسلم حيث أحرم بعد صلاة الظهر. وهذا إذا وافق وقت صلاة. وإذا لم يوافق وقت صلاة، فليس هناك صلاة تسمى صلاة الإحرام، لكن إن حبّ يصلي مثلًا سنة الوضوء، أو وافق وقت الضحى فيصلي صلاة الضحى، أو وافق صلاة الليل فيصلي الوتر، أو وافق أحد الفرائض فصلى الفريضة، فلا بأس في ذلك. أما يخص صلاة يسميها صلاة الإحرام، فهذا ليس من السنة، إلا وادي العقيق، فإنه الموضع الوحيد من المواقيت الزمانية المكانية الذي يستحب الصلاة فيه، لأنه وادي مبارك، وهو في ميقات ذي الحليفة. قال: الصلاة بوادي العقيق، لكن من كان ميقاته ذا الحليفة، استحب له أن يصلي فيها، لا لخصوص الإحرام، وإنما لخصوص المكان وبركته. فقد روى البخاري عن عمر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بوادي العقيق يقول: «أتاني الليلة آت من ربي فقال: صلي في هذا الوادي المبارك وقل عمرة». وفي رواية: «عمرة وحجة». وعن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رؤيا. وفي رواية: «أريا». وهو معرس بذي الحليفة ببطن الوادي. يقيل: «إنك ببطحاء مباركة». فالحديث الأول والثاني يدلان على استحباب الصلاة بذي الحليفة حيث يقع على الوادي المبارك المسمى بوادي العقيق. ومعنى «وهو معرس» يعني: وهو نائم نومة آخر الليل. وسمي نوم آخر الليل تعريسًا؛ لأنه غالب نوم من يكون عروسًا فإنه ينام في آخر الليل. هذا وجه تسمية نوم آخر الليل تعريسًا. فالشاهد أراد أن يبين رحمه الله الاستثناء في هذا الميقات من سائر المواقيت. كل المواقيت ليس فيها صلاة تخصها إلا ميقات ذي الحليفة، فإنه ولو لم يأت بوقت صلاة وأراد أن يصلي مع الإحرام، جاز أن يخص هذا المكان بصلاة؛ لأن هذا المكان مبارك. فإذا كان مكانًا مباركًا، فإذا يستحب الصلاة فيه. وقد حث النبي عليه الصلاة والسلام على ذلك كما في هذين الحديثين. قال رحمه الله: تلبية ورفع الصوت بها. ثم يستقبل القبلة قائمًا. ثم يلبي بالعمرة والحج والعمرة كما تقدم، إما عمرة، وإما حج وعمرة، وإما على الصحيح حج فقط لمن كان قد أدى العمرة قبل ذلك. قال كما تقدم: ويقول: «اللهم هذه حجة لا رياء فيها ولا سمعة». وهذا الدعاء صح عن النبي صلى الله عليه وسلم، جاء من حديث أنس عند ابن ماجة. وهكذا من حديث ابن عباس وبشر بن قدامة أبو بكر. وصححه العلامة الألباني رحمه الله في «الصحيحة» في الجزء السادس. قال: ويلبي بتلبية النبي صلى الله عليه وسلم: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك». وكان لا يزيد عليها، أي النبي عليه الصلاة والسلام. وقد جاء هذا الدعاء في أكثر الأحاديث في تلبية النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله عنهم. إذن الآن علمنا أن التلبية تكون بأحد صيغتين أو بالجمع بينهما. إما أن يقول: «لبيك اللهم عمرة». وهذا بمثابة قول المصلي: «الله أكبر». أو يقول: «لبيك اللهم حج وعمرة» يعني قارن. والأول يعني متمتع. أو لمن قال: «عمرة» في غير أشهر الحج. أو يقول: «لبيك اللهم حج» إذا كان مفردًا بالحج. ويجوز في المتمتع أحيانًا أن يقول: إذا قال ذلك جازًا في قول بعضهم: «لبيك اللهم عمرة متمتعًا به إلى الحج». والأول هو الأولى: «لبيك اللهم عمرة». فإن قال ذلك، كان هذا بمثابة تكبيرة الإحرام بالنسبة للصلاة. فهو بهذا اللفظ يدخل في الحج. يكون قد حرم عليه كل شيء كان له حلال من محظورات الإحرام. وبعده يقول: «اللهم هذه حجة لا رياء فيها ولا سمعة». وبعده يقول: «لبيك اللهم لبيك» إلى آخره. فإن قال فقط: «لبيك اللهم لبيك» ولم يقل: «لبيك عمرة» أو «حج وعمرة». وكان عنده نية، فبحسب نيته تكون حجه. وقوله: «لبيك اللهم لبيك». وقوله: «لبيك اللهم لبيك» هذا شروع منه في دخوله في نسكه. فهذه التلبية. وإذا رفع صوته بهذه التلبية، سمي إهلالًا. سمي إهلالًا. فالإهلال هو رفع الصوت بالتلبية. ويكون عند الابتداء في الدخول في الإحرام غالبًا. ولهذا جاء في الأحاديث: «أهل النبي صلى الله عليه وسلم بالحج والعمرة». ونحوها من الأحاديث. يعني: لبى رافعًا صوته في دخوله بالإحرام بهذا اللفظ. قال رحمه الله: وكان من تلبيته صلى الله عليه وسلم: «لبيك إله الحق». وهذا الحديث روي مرفوعًا وموقوفًا ومرسلًا عن أبي هريرة رضي الله عنه. صححه العلامة الألباني رحمه الله. ثم أشار في التعليق في مواضع من كتبه مرفوعًا. ورجح بعض الحفاظ أنه لم يصح مرفوعًا. فقد روي من حديث عبد العزيز بن أبي سلمة عن عبد الله بن الفضل عن الأعرج عن أبي هريرة. رواه النسائي وابن ماجه مرفوعًا. قال النسائي: لا أعلم أحدًا أسند هذا عن عبد الله بن الفضل إلا عبد العزيز. ورواه إسماعيل بن أمية عنه مرسلًا. ورجح رحمه الله المرسل. ورجح رحمه الله المرسل. فلم يصح مرفوعًا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «لبيك إله الحق» على الصحيح من أقوال أهل العلم. فإن قال ذلك أحيانًا على اعتبار أنه صح موقوفًا أو مرسلًا. قال به بعض التابعين أو غيرهم، فالأمر في هذا واسع لما سيأتي. قال: والتزام تلبيته صلى الله عليه وسلم أفضل. وإن كانت الزيادة عليها جائزة؛ لإقرار النبي صلى الله عليه وسلم الناس الذين كانوا يزيدون على تلبيته. قولهم: «لبيك ذا المعارج لبيك ذا الفواضل». وثبت هذا من فعل بعض الصحابة كما جاء عند البيهقي وأحمد عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه. ولم ينكر عليه من نبي صلى الله عليه وسلم. قال: وكان ابن عمر يزيد فيها: «لبيك وسعديك والخير بيديك والرغباء إليك والعمل». وهو في الصحيحين. وهو من قول ابن عمر. فدل ذلك على جواز هذه الزيادات. والأفضل الاكتفاء على ما اقتصر عليه النبي عليه الصلاة والسلام. قال: ويؤمر الملبي بأن يرفع صوته بالتلبية؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي ومن معي أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية». ورفع الصوت بالتلبية كما سيأتي من سنة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. فقد صح من قوله وفعله، وفعل الأنبياء من قبله، أنهم كانوا يرفعون أصواتهم بالتلبية. وهو عليه الصلاة والسلام حتى على رفع الصوت بالتلبية. لكن ليس معنى الرفع أن يرفع على وجه يؤذي نفسه ويؤذي غيره، لا، لكنه رفع ليس فيه إيذاء لنفسه ولا إيذاء لغيره. قال: وقوله: «أفضل الحج العج والثج». وهذا الحديث حسنه العلامة الألباني رحمه الله في مواضع من كتبه، وضعفه في مواضع. فقد ضعفه بضعيف الترغيب. روي عن ابن عمر. رواه ابن ماجة والترمذي. وقد استغربه الإمام الترمذي أي مرفوعًا. ورواه الحاكم والبزار. ولكن معناه صحيح على التفصيل الذي سبق. فـ «العج» رفع الصوت بالتلبية. و «الثج» المراد به ههنا الذبح: سيلان دماء الهدي والأضاحي. قال: ولذلك كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في حجته يصرخون بها صراخًا. وهذا أحيانًا إذا أرادوا بذلك تنشيط غيرهم على وجه لا يضر بهم ولا يضر بغيرهم. إنسان يمشي بين الخيام وفي الطريق يذكر الناس أن يلبوا. كما ثبت عن ابن عمر أنه كان يلبي فيمر بين الخيام فيلبي الناس بتلبيته. يعني: يذكرهم. لما يمر بجانب الخيام ويقول: «لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك». يسمعه الناس من الخيام فيلبون. يذكرون أنهم حجاج. وأن من سنة الحج التلبية. فيلبون إذا سمعوا المذكر يذكرهم. فعلى هذا الوجه يكون حسنًا ورفقًا وسنة حسن يسنها في الناس. أما أن يرفع صوته بجانبه في السيارة مثلًا رجل كبير في السن أو صغير نائم أو امرأة عجوز. وإذا بصاحبنا يرفع صوته حتى يفجر طبلة الصغير والكبير ويؤذي من حوله، هذا ليس من السنة. فلا ضرر ولا ضرار. قال رحمه الله تعالى: وقال أبو حازم: «كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا أحرموا لم يبلغوا الروحاء حتى تبح أصواتهم». يعني من رفع الصوت في المواضع التي يرفع فيها. ومن الاستمرار في التلبية؛ لأن الإنسان إذا استمر في التلبية ساعة واحدة ربما يبح صوته. فكيف هم ساروا من المدينة إلى مكة في كم يوم؟ ها كم يوم؟ تمانية أيام. تمانية أيام. خرجوا لأربع بقين من ذي القعدة. ووصلوا في أربع مضين من ذي الحجة. يعني خرجوا في ستة وعشرين ووصلوا في أربعة ذي الحجة. تمانية أيام من المدينة إلى مكة تمانية أيام. وهم في الليل وفي النهار حين يمشون يلبون. كيف ما يبح الصوت؟ سيبح الصوت لا شك. حتى ولو كان بشيء منخفض. بل الإنسان إذا استمر بالتلبية ساعة واحدة أو أكثر قليلًا بح صوته. فليس من شرط التلبية أن يصرخ صراخًا ويستمر بالصراخ. ولكن في مواضع يصرخ صراخًا يذكر غيره وينبه بفضيلة هذه التلبية. وفي المواضع الأخرى يرفق بنفسه ويرفق بجيرانه ورفاقه في المركوب. لا ضرر ولا ضرار. قال: وقوله صلى الله عليه وسلم: «كأني أنظر إلى موسى عليه السلام هابطًا من الثنية وله جؤار إلى الله تعالى بالتلبية». والحديث في الصحيحين. وهذا لفظ الإمام مسلم رحمه الله. فهذا الحديث يدل على أن من سنة الأنبياء رفع الصوت بالتلبية. قال: والنساء بالتلبية كالرجال؛ لعموم الحديثين السابقين. فيرفعن أصواتهن. الصواب: أصواتهن. ما لم يخش الفتنة. ولأن عائشة كانت ترفع صوتها حتى يسمعها الرجال. فقال أبو عطية: «سمعت عائشة تقول: إني لأعلم كيف كانت تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم سمعتها تلبي بعد ذلك: لبيك اللهم لبيك» إلى آخره. وقال القاسم بن محمد: «خرج معاوية ليلة النفر فسمع صوت تلبية. فقال: من هذا؟ قيل: عائشة أم المؤمنين اعتمرت من التنعيم». فذكر ذلك لعائشة. فقالت: «لو سألني لأخبرته». وهذه الأحاديث والآثار تدل كما ذكر رحمه الله أولًا على عموم التلبية للرجال والنساء. وأن النساء يلبين كالرجال إذا لم يكن معهن رجال أجانب. فإذا كان معهن رجال أجانب، فلا يرفعن أصواتهن؛ لعموم الأدلة في هذا الباب. فصوت المرأة ليس بعورة، لكنه فتنة. ولهذا أمر الله عز وجل أن لا يبدأ لأجل الفتنة. إلا إن كانت المرأة كبيرة في السن مثل عائشة رضي الله عنها أم المؤمنين. كانت كبيرة في السن في زمن معاوية رضي الله تعالى عنهم جميعًا. فالمرأة الكبيرة في السن لا بأس أن ترفع صوتها بما يوافق أنوثتها وكونها امرأة. يعني: تلبية يسمعها القريب ولا يسمعها البعيد. وهي امرأة عجوز لا يفتتن بصوتها. وتتعبد لله بهذه التلبية. لا بأس بذلك. أما الصغيرة ومن هي مظنة الفتنة بها وبغيرها، فهذه تخفض صوتها. ممكن تلبي بصوت منخفض. تسمع نفسها فقط. قال رحمه الله: ويلتزم التلبية؛ لأنها من شعائر الحج. ولقوله صلى الله عليه وسلم: «ما من ملب يلبي إلا لبى ما عن يمينه وعن شماله من شجر وحجر حتى تنقطع الأرض منها هنا وها هنا». يعني: عن يمينه وشماله. ومعنى أن كل شيء يشهد له يوم القيامة بهذه التلبية. وفيه فضيلة التلبية ورفع الصوت. لكن بما لا يضر. ولو قيل: أن معناه رفع الصوت حتى يوصله إلى آخر جبل. إذن معناه أن يهلك ما يصل إلى مكة؛ لأنه لو رفع صوته بكل ما يملك، إذن كما قيل: «المنبث لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى». هذا الذي يشد على الراحلة بقوة يريدها تصل بسرعة. والسفر طويل. هذا يهلك الراحلة. «المنبث» أي: الذي يحاول التعجل بالشد على راحلته. لا ظهرًا أبقى ولا أرضًا قطع. لا هو بالذي مشى فانتهى من سفره. ولا هو بالذي أبقى الراحلة التي توصله ولو قليلًا قليلًا حتى ولو تأخر قليلًا. وهكذا الذي يريد أن يرفع صوته بقوة مرة. ما يجلس الساعة إلا وصوته انتهى. وغيره ذاك الذي أرفق بنفسه وأرفق بجيرانه. صوته يستمر. ما زال يلبي ساعتين ثلاث. طول اليوم وهو يلبي. وذاك الذي أهلك نفسه برفع الصوت. ربما يصير مريضًا. فالمقصود هو التوسط في هذا الباب. قال رحمه الله: قال: وبخاصة كلما علت شرفًا أو هبط واديًا؛ لأنه بانتقال المكان يكون فيه زيادة شهادة له في الأرض. في العلو والارتفاع والانخفاض. على أنه جاء في حديث جابر: «إذا رقى كبر وإذا نزل سبح». يعني في طريقه. على ما هو أصل هذا الذكر في السفر. فيخلط ذلك بالتلبية. لا بأس. قال: للحديث المتقدم قريبًا: «كأني أنظر إلى موسى عليه السلام هابطًا من الثنية له جؤار إلى الله تعالى بالتلبية». وليس معنى هذا أنه لا يسبح. يسبح. يقول: «سبحان الله سبحان الله». ويقول: «لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك» إلى آخره. قال: وفي حديث آخر: «كأني أنظر إليه إذا انحدر في الوادي يلبي». وهذا لفظ البخاري. ومعناه أنه في نزوله وفي صعوده. قال: وله أن يخلطها بالتلبية والتهليل. يعني: «لا إله إلا الله». وهكذا كذلك التكبير إذا رجع إلى منى كما سيأتي إن شاء الله في موضعه. قال: لقول ابن مسعود رضي الله عنه: «خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فما ترك التلبية حتى رمى جمرة العقبة إلا أن يخلطها بتلبية أو تهليل». وكما ترون ذكر ذلك عند رمي جمرة العقبة. وهذا معناه أن التكبير والتهليل يكون عند الرجوع من عرفة ومزدلفة إلى منى. ولا أعلم في شيء من الأحاديث من الأحاديث الصحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يهلل ويكبر في أثناء ذهابه إلى مكة. يعني قبل وصوله إلى مكة. إلا ما جاء في حديث ابن مسعود. ومعناه في حديث جابر. وقصة بلال وأسامة من ذكر التكبير والتهليل. وكان هذا بعد رجوعه من عرفة ومزدلفة إلى منى. فإذا يستحب ذلك في هذا الموضع خاصة. قال: فإذا بلغ الحرم المكي ورأى بيوت مكة أمسك عن التلبية؛ ليتفرغ للاشتغال بغيرها مما يأتي. يعني إذا رأى بنيان مكة ينقطع عن التلبية. وقد بوب البخاري رحمه الله في صحيحه: باب الاغتسال عند دخول مكة. وذكر أثر ابن عمر أنه كان إذا دخل أدنى الحرم أمسك عن التلبية. ثم يبيت بذي طوى. وذي طوى بئر معروف اليوم بالقرب من مستشفى الولادة في مكة. قرب مكان يسمى اليوم جرول. يوجد بئر هناك. هو بئر طوى. كان النبي صلى الله عليه وسلم يأتي عند هذا البئر فيبيت. وإذا أصبح يغتسل منه ثم يدخل إلى الحرم صباحًا. فكان ابن عمر إذا دخل أدنى الحرم ومعناه رأى بداية الحرم وبيوت مكة قطع التلبية. ويبيت بذي طوى. ثم يصل الصبح أي بذي طوى. ويغتسل يعني بذي طوى. ثم بعد ذلك يمشي إلى الحرم. ويأتي بعمرته. وأخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك. والحديث في البخاري ومسلم. قال رحمه الله تعالى: الاغتسال لدخول مكة. ومن تيسر له الاغتسال قبل الدخول فليغتسل. وليدخل نهارًا. إسوة برسول الله صلى الله عليه وسلم. لحديث ابن عمر الذي تقدم. وجاء معناه في أحاديث أخرى كثيرة. وفائدة هذا الاغتسال كما قال أهل العلم أولًا: التزين لدخول البيت الحرام. وقد قال الله عز وجل: «خذوا زينتكم عند كل مسجد». ومن أحسن التزين وأكمله وأمكنه للمحرم الاغتسال؛ لأن المحرم ما يلبس شيء من اللباس. ولا كذلك يمكن أن يتطيب. وأطيب الطيب الماء؛ فهو يزيل كل رائحة كريهة. وهو كذلك أعون لهذا المحرم على أن يكون نشيطًا في عمرته. قال: وليدخل من الناحية العليا التي فيها اليوم باب المعلاة؛ فإنه دخلها من الثنية العليا ثنية كداء. كداء هو جهة ما يسمى اليوم بالحجون. كداء أو كدي يقال: كداء أو كداء. هو ما يسمى اليوم بمواقف كدي. فكان النبي صلى الله عليه وسلم يدخل من جهة كداء بالفتح. وهو المكان الذي منه طريق المدينة المسمى بطريق الهجرة. يأتي من جهة طريق التنعيم اليوم. فإذا دخل من طريق التنعيم. يعني لمن أراد أن يسلك مسلك الطريق التي سلكها النبي عليه الصلاة والسلام. فإذا دخل من طريق التنعيم مشى إلى ما يسمى بمستشفى الزاهر. ترك مستشفى الزاهر عن يمينه وتعدى الجسر الموجود بعده. فإذا مشى واستمر في مشيه فسيصل إلى ما يسمى اليوم بمكان أو منطقة جرول. فإذا جاء إلى منطقة جرول سيلقى عنده ما يسمى بمستشفى الولادة. وبجانب مستشفى الولادة بئر طوى. وهي البئر التي كان ينام عندها النبي صلى الله عليه وسلم في الليل. يبيت. ثم إذا أصبح صلى الصبح واغتسل عندها. ثم ذهب ودخل الحرم. فإذا جاء من تلك الجهة إلى جهة الحرم. فإن أقرب الباب إليه في زمنه عليه الصلاة والسلام باب بني شيبة. واليوم مع توسعة الحرم صار أقرب باب يوازي باب بني شيبة المسمى بباب السلام؛ لأن باب بني شيبة كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم يقابل الحجر الأسود. يعني الذي يدخل منه يدخل مباشرة فيجد الحجر الأسود أمامه فيبتدئ الطواف. واليوم من دخل من باب السلام كان موازيًا للحجر الأسود. ولهذا قال العلماء اليوم بعد توسعة الحرم: الدخول من باب السلام يوازي الدخول من باب بني شيبة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن المقصود ليس عين الباب؛ لأن الباب اليوم تغير. وإن كانت الأسماء موجودة اليوم. يوجد باب يسمى باب بني شيبة. لكنه ليس في جهة الباب الذي كان فيه باب بني شيبة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم؛ بسبب توسعة الحرم. لكن من دخل من جهة باب السلام وازى الحجر الأسود. وكان بمثابة من دخل بباب بني شيبة في ذاك الزمان. ومع ذلك كله ليس هذا فرضًا ولا لازمًا ولا من شروط الحج والعمرة. بل قال بعض أهل العلم: ولا من مستحبات العمرة. فعلى ذلك النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه كان أيسر للوصول إلى الحجر. وهو موافق لمجيئه كذلك من جهة المدينة؛ لأن هذا الباب مما يكون على طريقه. فإذا جاء رجل من جهة أخرى على كبر الحرم وزحمة الناس في هذا الزمان. فليس من السنة التكلف. خصوصًا إذا كان معه رفقة ضعفاء. يأتي بالنساء والأطفال والكبار في السن مثلًا. جاء من جهة باب الملك عبد العزيز. وهو الجهة المعاكسة لباب السلام. فيأتي فيأخذ الجميع ويلف بهم. يدورون على الحرم نصف الحرم كاملًا حتى يدخل من باب السلام. هذا التكلف ليس من السنة. بل العكس. السنة فيها النهي عن التكلف. وقد صح من حديث عمر وسلمان وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن التكلف. لكن ما دام أن هذا الباب الذي أمامه أقرب له. يدخل من هذا الباب. ثم إذا دخل إلى الحرم. ينظر أقرب طريق يوصله إلى الحجر الأسود. ويبتدأ الطواف من عنده. قال رحمه الله تعالى: قال: دخلها من الثنية العليا ثنية كداء المشرفة على المقبرة. وهي المقبرة المعروفة اليوم في جهة الحجون التي فيها قبر خديجة رضي الله تعالى عنها وأرضاها. مقبرة المعلّاة. تسمى بمقبرة المعلّاة. قال: ودخل المسجد من باب بني شيبة؛ فإن هذا أقرب الطرق إلى الحجر الأسود. هكذا كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم. أما في زماننا اليوم. قال العلماء: من باب السلام. ومع ذلك إذا كان هناك مشقة وكلفة. فقد نهينا عن المشقة والكلفة والحرج. فيدخل من أقرب الأبواب إليه. يوصله إلى الحجر الأسود. قال: وله أن يدخلها من أي طريق شاء؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «كل فجاج مكة طريق ومنحر». يعني: لا تخصوا طريقًا فتتعبدوا الله بالمشي به. بل إلزموا ما فيه اليسر. فكل فجاج مكة طريق ومنحر. طريق. امشوا به. خشية أن يغلوا الناس في بعض الطرق أو بعض الأماكن. فيخصوه بالنحر أو المشي. قال: وفي حديث آخر: «مكة كلها طريق». يدخل منها هنا ويخرج منها هنا. حتى لا يلتزم الناس بالدخول والخروج من مكان معين. فيحصل التعبد بذلك. وهذا ليس من السنة. ولكن من تتبع فعل النبي عليه الصلاة والسلام فإنه فعل الأيسر والأوفق. فلما دخل من جهة المدينة. كان أقرب شيء إليه أن يدخل من جهة الحجون. ولما دخل من جهة الحجون. كان أقرب شيء إليه أن يدخل من جهة ما يسمى بباب بني شيبة. قال: فإذا دخل المسجد. فإذا دخلت المسجد. فلا تنسى أن تقدم رجلك اليمنى. وتقول: «اللهم صل على محمد وسلم». «اللهم افتح لي أبواب رحمتك». وهذا الدعاء أشار إلى أنه في صحيح مسلم. بعض أهل العلم. وليس كذلك. بل الذي في صحيح مسلم: «اللهم افتح لي أبواب رحمتك». والصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام جاءت خارج الصحيح. وبعض أهل العلم يحسنها. وبعضهم يتكلم فيها. فالأمر في هذا واسع. قال: أو «أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم». كذلك روي هذا مرفوعًا. وفيه بعض الضعف. وبعض أهل العلم يحسنه. وقد أشار إلى هذا في التعليق. ومعنى أن المسجد الحرام كسائر المساجد. يذكر فيه بذكر المساجد. تذكر فيه ذكر الدخول إلى المسجد. وتدخله كما تدخل بيوت الله. قال: فإذا رأى كعبة رفع يديه إن شاء؛ لثبوته عن ابن عباس. وهو موقوف. لم يصح مرفوعًا. ولذلك لم يستحبه كثير من أهل العلم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعله. فإذا الأفضل أن تدخل بدون رفع يديك. قال: ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم هنا دعاء خاص. فيدعو بما تيسر له. وإن دعا بدعاء عمر: «اللهم أنت السلام ومنك السلام فحينا ربنا بالسلام». فحسن؛ لثبوته عنه رضي الله عنه. وقد أشار الحافظ ابن حجر في «التلخيص» إلى الخلاف في صحة ذلك عن عمر. فقد اختلف في الرواية فيه عن عمر: هل صح أم لا؟ وبعض أهل العلم حسنه بمجموع طرقه؛ لأن في بعض طرقه ضعف. فالمهم الأمر واسع. لو قاله على قول من قال أنه صح عن عمر. فلو صح عن عمر. لا يلزم أن يكون سنة ماضية. ولكن الأمر في هذا واسع. هو دعاء كسائر الأدعية الحسنة التي يجوز المسلم أن يدعو بها. فهو يدعو الله بما شاء من الأدعية. نقف إلى هنا. ونكمل إن شاء الله ما تبقى في درس لاحق. وإن شاء الله غدًا بعد الأذان نستأذن الإخوة في درسهم. فنكمل بعد الأذان وبعد الصلاة. ونأخذ ما يتيسر من هذا الدرس. طيب إلى هنا والله تعالى أعلم.