كتاب الصلاة 9

كتاب الصلاة 9

الدرس في كتاب الصلاة 9، الدرس التاسع:من( الحديث الثامن والأربعون:عن علي رضي الله عنه ... ولم يقتصر على أحد اللفظين مع اتحادهما في المعنى ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

غزوة الخندق وتأخير الصلاة الوسطى

شرح حديث النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة الخندق وتأخير الصلاة الوسطى، حيث تم تأخير صلاة العصر حتى غابت الشمس. يبين معنى الخندق والصلاة الوسطى وسبب تسميتها.

تفسير الصلاة الوسطى وفضلها

الأحاديث الصحيحة تدل على أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر، وقد وردت في صلاة العصر فضائل كثيرة. النبي صلى الله عليه وسلم شغل عنها حتى غابت الشمس فدعا على المشركين.

أحكام الصلاة في الشدة والاضطرار والتيسير فيها

يتناول قضاء الصلوات الفائتة، والصلاة في وقت الكراهة عند الاضطرار، وأهمية تعلم أحكام الصلاة، والمحافظة على ترتيب الصلوات، وأداء صلاة الجماعة، والتيسير في أحكام الصلاة عند العجز.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. قال الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى: الحديث الثامن والأربعون، قال: عن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم الخندق: «ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارا كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس». قال: وفي لفظ لمسلم: «شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر، ثم صلاها بين المغرب والعشاء». قال: وله -يعني لمسلم- عن عبد الله بن مسعود قال: «حبس المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة العصر حتى حمرت الشمس أو اصفرت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر، ملأ الله أجوافهم وقبورهم نارا، أو حش الله أجوافهم وقبورهم نارا». أورد الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى هذه الأحاديث في سياق ذكره لأحاديث مواقع الصلاة. وأقرب الألفاظ لحديث علي هو لفظ الإمام البخاري رحمه الله في حديث رقم 4533، ونحوه في 599. قال رحمه الله تعالى: حدثنا إبراهيم بن موسى قال: أخبرنا عيسى قال: حدثنا هشام عن محمد عن عبيدة عن علي قال: لما كان يوم الأحزاب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارا، شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس». ولم يذكر يوم الخندق، بل قال: يوم الأحزاب. وبمعناه ولفظ مسلم ذكره مسلم في حديث 227. وقوله: «وله عن عبد الله بن مسعود» -أي لمسلم- قال رحمه الله: حدثنا عون بن سلام الكوفي قال: أخبرنا محمد بن طلحة عن زبيد عن مرة عن عبد الله فذكر الحديث. قال الشارح رحمه الله تعالى: غريب الحديث، قوله: «الخندق» أخدود حفره الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته أحاط بشمالي المدينة المنورة من الحرة الشرقية إلى الحرة الغربية، حيث كانت جموع العدو تحاصره سنة خمس من الهجرة، وآثاره لا زالت موجودة إلى يومنا هذا. والخندق الذي حفر في زمن النبي صلى الله عليه وسلم هو بين الحرتين، لأن جيش الأحزاب جاء من جهة الجنوب، فما بين الحرتين جنوبي، فحفر الخندق في جهته، ومن الشمال كان جهة اليهود حيث صالح النبي صلى الله عليه وسلم صلحا، وكان يشق على الأحزاب أن يتوجه إلى جهة الشمال، فانتظروا في جهة الجنوب حتى جاءت الريح، وكان ما أراد الله عز وجل من تفرقهم وذهابهم. قصة الخندق معروفة بكتب السيرة والحديث، والحرة معروفة موضعين معروفين: الحرة الشرقية والحرة الغربية، فيها حجارة سوداء تسمى حجارة النار أو تسمى حجارة الزيت. من يدخل إلى المدينة يعرف هذه الحجارة، وأشبه ما تكون عندنا بهذه الحجارة التي في الحرة الشرقية حجارة سوداء محترقة من آثار البراكين وغيرها تسمى حرة. قال رحمه الله: قوله: «الوسطى» مؤنث أوسط، وأوسط الشيء خياره. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ أي خيارا. وقيل: من الأوسط يعني التوسط، فقيل: إنه من الأوسط أي الأفضل والخيار، ومنه الآية: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ أي خيارا، كما جاء في صحيح البخاري من حديث أبي سعيد، فسر الآية النبي عليه الصلاة والسلام أن الوسط العدل الخيار. وقيل: إنه من التوسط، لأن صلاة العصر تتوسط صلاتين: إحداهما ليلية ونهارية، والأخرى ليلية ونهارية. فصلاة الفجر تقابل صلاة المغرب، وصلاة الظهر تقابل صلاة العشاء، فهي وسط بين صلاتين في طرفي النهار، وأخرى صلاتين كذلك في طرفي الليل، ولهذا كانت وسطا. وقد اختلف أهل العلم في الصلاة الوسطى اختلافا كثيرا، وهذا الحديث في هذه الرواية يفسر هذه الصلاة أنها صلاة العصر. قال رحمه الله تعالى: المعنى الإجمالي: شغل المشركون النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالمرابطة وحراسة المدينة وأنفسهم عن صلاة العصر حتى غابت الشمس، فلم يصلوها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلا بعد الغروب، فدعا عليهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يملأ أجوافهم وقبورهم نارا، جزاء ما آذوه وصحبه وشغلوهم عن صلاة العصر التي هي أفضل الصلوات. اختلف العلماء في المراد بالصلاة الوسطى التي حث الله على المحافظة عليها بقوله: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ على أقوال كثيرة، ذكرها الشوكاني على سبعة عشر قولا -يعني في تفسيره- وهكذا كذلك في نيل الأوطار، قال: وذكر أدلتهم. وليس بنا حاجة إلى ذكر شيء من ذلك خشية الإطالة وقلة الفائدة المطلوبة. والذي تدل عليه الأحاديث الصحيحة الصريحة، وإليه ذهب جمهور السلف والخلف: أن المراد بها صلاة العصر. وما عدا هذا القول فهو ضعيف الدلالة، ساقط الحجة. ولأنه وردت في صلاة العصر فضائل لم يرد في غيرها، ففيها تجتمع ملائكة الليل والنهار، وفيها كذلك من الفضائل ما جعل النبي صلى الله عليه وسلم فيها زيادة الأجر، وكذلك أنها ثقيلة على المنافقين. قال: ما يؤخذ من الحديث: أولا: أن المراد بالصلاة الوسطى صلاة العصر، لما جاء في الصحيحين عن علي قال: «كنا نراها الفجر»، أتسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم الأحزاب: «شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر». وقال ابن الأثير: سميت الصلاة الوسطى لأنها أفضل الصلوات وأعظمها أجرا، ولذلك قصدت بالمحافظة عليها، لأن الله أمر بها بأمر خاص بعد الأمر العام، يدل على زيادة الاعتناء بها: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾. ثانيا: جواز تأخير الصلاة عن وقتها لعدم التمكن من أدائها. ولعل هذا قبل أن تشرع صلاة الخوف، فإنهم أمروا بعد ذلك بالصلاة رجالا أو ركبانا. قال القاضي عياض: أخرها قصدا، وصلاة الخوف ناسخة لهذا. وقيل: إنه عليه الصلاة والسلام نسيها ومن معه لكثرة اشتغالهم بحفر الخندق والحراسة، فسهوا عنها، فما تذكروها إلا في آخر وقتها قبل أن تغرب الشمس. واستدل به العلماء على أن المحافظة على وقت الصلاة ليس هو بأعظم من المحافظة على الطهارة وشرط الصلاة، لأن بعض أهل العلم رأى أن من خاف أن يفوته وقت الصلاة وعليه طهارة، فله أن يصلي بالتيمم خشية خروج وقت الصلاة. لكن هذا الحديث يدل على عكس ذلك، لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أدركوا آخر وقت صلاة العصر، قال: «حتى حمرت الشمس أو اصفرت» -يعني في آخر وقتها- ومع ذلك توضأوا حتى غابت الشمس، وصلوها بعد وقت المغرب -يعني بعد دخول وقت المغرب- بعد ما غربت الشمس. ثالثا: أن من ذهل عن الصلاة في وقتها يصليها إذا ذكرها، ذهل يعني أخذه الذهول، وهو السرحان والغفلة. قد ينشغل الإنسان بعمل إنهام: كتطبيب مريض، أو إطفاء حريق، أو كذلك إنقاذ غريق، أو دفع هدم، أو غير ذلك من الأعمال التي تأخذ القلب والفكر والذهن، فربما ينشغل عن الصلاة، فإذا انشغل عن الصلاة ونسيها، فوقتها إذا ذكرها ولو خرج وقتها. من نام عن صلاة أو نسيها، فوقتها إذا ذكرها، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. رابعا: جواز الدعاء على الظالم بقدر ظلمه، لأنه قصاص. ومعنى قصاص: يعني جزاء معتدل من الظلم، فليس الدعاء عليه باعتداء، لأنه هو المعتدي. وهل الظالم ولو كان مسلما؟ الجواب: نعم، ولو كان مسلما. فقد قال النبي عليه الصلاة والسلام لمعاذ وهو يذهب لقوم كفار: «واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينه وبين الله حجاب». فخاف معاذ رضي الله عنه من دعوة المظلوم ولو كان كافرا، فكيف بمظلوم مسلم يدعو على مسلم؟ فهي من باب أولى. خامسا: قال العلماء: فيه دليل على عدم رواية الحديث بالمعنى، بل لابد من النص الوارد. فإن ابن مسعود تردد بين قوله: «ملأ الله» أو «حش الله»، ولم يقتصر على أحد اللفظين مع اتحادهما في المعنى. وهذا من حرصهم رضي الله عنهم وأمانتهم ودقتهم في نقل العلم، رضي الله تعالى عنهم أرضاهم. سادسا: في الحديث كذلك من المسائل ما يجب على المسلم أن يعتني به من أمر تعلم أحكام الصلاة والفقه في الدين، فإنه يحتاج لذلك أشد الحاجة في مواضع الشدة، فصلاة الخوف، وهكذا كذلك ما ينوب الإنسان في أمور حياته يحتاج منها أن يعرف شيئا من أحكامها، والاطلاع على مثل هذه المسائل تعرفه بدقائق وتفاصيل ما كان يعرفها، ولا طرأت على ذهنه. بينما قد تمر به في بعض أحوال حياته مواقف يحتاج إلى أن يكون عنده علم فيها، فالتفقه في الدين مهم في معرفة ما يحتاجه في حياته من الأحكام الشرعية. وفي الحديث كذلك جواز الصلاة في وقت الكراهة الشديدة إذا حصل النسيان أو الذهول عن الصلاة، وهو ما سبق الإشارة إليه وقت الاضطرار. لا يجوز في وقت الاختيار تأخير الصلاة إلى وقت حمرار الشمس أو اصفرارها في صلاة العصر -يعني وقت الكراهة الشديدة- لكن يجوز عند الاضطرار، ومن الاضطرار مثل هذه الحالة. وفيه كذلك المحافظة على ترتيب الصلوات، لأنه ثبت في هذا الحديث في حديث أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بعد المغرب العصر أولا، ثم صلى المغرب. وفي رواية لحديث أبي سعيد أنه صلى الظهر ثم العصر ثم المغرب -يعني أنه فاتتهم الظهر والعصر- وهكذا كذلك المغرب صلوها بعد الظهر والعصر، فمن فاتته صلوات فعليه أن يبدأ بها مرتبة بحسب أولويتها، هذا هو فعل النبي عليه الصلاة والسلام، وتدل عليه عموم الأدلة من الكتاب والسنة. هل يجوز تأخير صلاة الجماعة عن وقتها بسبب عمل بأمر المسؤول بعد تنبيه عن وقت الصلاة؟ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. إذا كان يريد مسؤول العمل -يعني الوظيفة- فالواجب على المسلم أن يحافظ على صلاة الجماعة إذا كانت الجماعة موجودة بجانبه. وإذا كان العمل بعيدا من المسجد، فليجعلوا لهم في عملهم مصلى يصلون جماعة، ويجعلون لأنفسهم وقتا يتهيأ الجميع ليصلوا في هذا المكان، فعند ذلك تكون المحافظة على الجماعة جماعة أهل العمل، لأنه لا مسجد قريب بجانبهم، فصلاة الجماعة واجبة. إن كان المسلم في حافلة والسائق يرفض أن يقف لصلاة الفجر، ولم يكن على وضوء، فكيف يصنع؟ إن استطاع أن يوقفه وينزل ويصلي فعل. فإن لم يستطع أو خشي إن نزل يمشي عليه وليس عنده نفقة، أو خاف على نفسه وخشي فوات الفجر، فليصلي على الحافلة ولو بغير طهارة، يصلي على الحافلة ولو بغير طهارة، هذا هو الصحيح، والله تعالى أعلم. ولو قاعدا كذلك، إذا ما استطاع صلى قائما، صلى قاعدا. ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَلَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾.