شرح الفرائد البهية  38

شرح الفرائد البهية 38

الدرس في شرح الفرائد البهية 38، تابع : القاعدة الثامنة عشرة:لا ينسب لساكت قول. القاعدة التاسعة عشرة:ما كان أكثر فعلا كان أكثر فضلا. ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

استثناءات من قاعدة عدم نسبة قول للساكت وتطبيقاتها

يتناول هذا الفصل استثناءات من القاعدة الفقهية التي تنص على عدم نسبة قول للساكت، مع توضيح الحالات التي قد يترتب عليها حكم أو مسؤولية نتيجة السكوت. كما يتناول أمثلة عملية على هذه الاستثناءات مثل ضمان المملوك ومسألة الرواية في علم الحديث.

قاعدة ما كان أكثر فعلًا كان أكثر فضلًا وتقييدها بالشرع

يشرح هذا الفصل قاعدة فقهية مفادها أن الأجر يزداد بزيادة العمل، مستندًا إلى حديث 'الأجر على قدر النصب'. كما يوضح أن هذه القاعدة مقيدة بما دل عليه الشرع، مشيرًا إلى أهمية التقييد بالسنة والدليل في الحكم.

تطبيق قاعدة الأجر على قدر المشقة في العبادات وضوابطها

يناقش هذا الفصل تفاصيل تطبيق قاعدة الأجر على قدر المشقة في العبادات، ويفرق بين العبادات المشروعة التي تزيد فيها المشقة وبالتالي يزداد الأجر، وبين التكلف في العبادات غير المشروعة بحثًا عن الأجر.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. مر معنا في الدرس الماضي ما ذكره المؤلف رحمه الله في القاعدة على أنه لا ينسب لساكت قول، وأخذنا مجموعة من الأبيات، وذكر في ختام تلك الأبيات بعض الاستثناءات التي تستثنى من القاعدة. وبقيت بعض الأبيات تتم في هذا المعنى، وهذه الاستثناءات قال رحمه الله تعالى: وَلَوْ رَأَى مَمْلُوكَهُ يَتْلِفُ مَاءً لِغَيْرِهِ يُضْمَنُ بِالصَّمْتِ فَهْمَا وَحَيْثُمَا يَسْكُتُ مُحْرِمٌ عَلَى حَلْقِ حَلَالٍ فَفِدَاهُ قُلْ وَحَيْثُ بَاعَ بَالِغًا وَقَدْ سَكَتَ عَنْ اعْتِرَافٍ صَحَّ فِيمَا قَدْ ثَبَتَ وَلَوْ قَرَى بِحَضْرَةِ الشَّيْخِ وَقَدْ سَكَتَ فَهُوَ مِثْلُ نُطْقِهِ يُعَدُ وَبَعْضُهُمْ لِغَيْرِ هَذِهِ ذَكَرَ أَيْضًا وَلَكِنْ لَيْسَ يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ قُلْتُ وَفِيهَا بَعْضُهُمْ قَدْ صَنَّفَا مُصَنَّفًا فِيهِ أَجَادَ وَوَفَى يشير رحمه الله تعالى بهذه الأبيات إلى ما يلحق بالاستثناءات أنه لا ينسب لقائل لساكت قول أو فعل. يقول: «وَلَوْ رَأَى مَمْلُوكَهُ يَتْلِفُ مَاءً لِغَيْرِهِ يُضْمَنُ بِالصَّمْتِ فَهْمَا» معناه إذا كان إنسان يرى مملوكه وهو من تحت يده بملك اليمين يتلف شيئًا والسيد يراه، فسكوته يلزمه به الضمان. والصحيح في هذا المثال أنه يلزمه الضمان سواء نظر فسكت أو نظر فصرخ؛ لأن ضمان المتلفات من أحكام الوضع. فالولد الصغير إذا أتلف ولا يستطيع سداد ما أتلف، من الذي يضمن؟ الأب، فكذلك بالنسبة للمملوك السيد. فإذا ليس الاستثناء لأجل القاعدة واضح؛ إنما لكونه من خطاب الوضع، وإن أردنا أنه مما خرج بالجملة فنعم. وقوله: «وَحَيْثُمَا يَسْكُتُ مُحْرِمٌ عَلَى حَلْقِ حَلَالٍ فَفِدَاهُ قُلْ» يعني لو سكت المحرم على حلقه فيحصل بذلك وقوع في محظور، فتلزمه الفدية؛ لأن الواجب عليه أن يمنع. فما دام لم يمنع فهو يتحمل هذه الفدية، بخلاف ما إذا كان نائما أو كان مكرها فإنه يُعذر بذلك، وهذا صحيح. وقوله: «وَحَيْثُ بَاعَ بَالِغًا وَقَدْ سَكَتَ عَنْ اعْتِرَافٍ صَحَّ فِيمَا قَدْ ثَبَتَ» يعني إذا باع شخص عبدًا بالغًا وقد سكت العبد عن الاعتراف بأنه للسيد، صح البيع. لكن مع ذلك هل يمضي؟ لا؛ نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع ما لا يملك. لو فرض أنه سكت هل يضيع حق السيد؟ قد يكون بين هذا العبد وسيده مشكلة يريد أن يعذبه ويدخل عليه الضرر. وقد قال عليه الصلاة والسلام: «لا ضرر ولا ضرار»، فليس هذا مما يثبت به حكم. فإذا باع شخص عبدًا بالغًا وقد سكت العبد عن الاعتراف بأنه للسيد صح البيع، وهذا كما قلنا إذا كان على وجه يعارض الشرع فلا يجوز ولا يصح؛ فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع ما لا يملك. وقوله: «وَلَوْ قَرَى بِحَضْرَةِ الشَّيْخِ وَقَدْ سَكَتَ فَهُوَ مِثْلُ نُطْقِهِ يُعَدُ» يعني أن القراءة على الشيخ مع سكوت الشيخ مثل أن يقرأ الشيخ على الطالب. وإن أراد من جهتي حصول الرواية عن هذا الشيخ فنعم؛ فصور التحمل عند المحدثين وكما هو معلوم في علم مصطلح الحديث لا تنحصر بقراءة الشيخ على الطالب. بل قد تكون بقراءة الطالب على الشيخ أو بسماع الطالب من قراءة طالب آخر أو بالكتابة أو المناولة، بل والوجادة وغير ذلك من صور الرواية. فإن أراد الرواية عن الشيخ فنعم، أما من جهة صيغة أخبرنا فهذا فيها خلاف كما هو معروف في كتب المصطلح. فهل حدثنا وأخبرنا شيء واحد؟ وهل أخبرنا لقراءة الشيخ وقراءة الطالب واحد؟ في هذا خلاف. فإن من أهل الحديث من يفرق فيفرق بالألفاظ بين لفظ ما إذا قرأ الشيخ ولفظ إذا قرأ الطالب، فهذا الذي أشار إليه في خلاف. أما من جهة ثبوت الرواية عن الشيخ نعم تثبت بغض النظر عن صيغة الرواية وصيغة التحمل نعم. قال: «وَبَعْضُهُمْ لِغَيْرِ هَذِهِ ذَكَرَ أَيْضًا وَلَكِنْ لَيْسَ يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ» يعني وبعضهم ذكر صورًا أخرى وأشار بالتعليق لبعض هذه الصور ويقول أنها ليست تخلو عن نظر. والصحيح أنها لا تنحصر بما ذكر من الاستثناءات، بل الأمر أوسع من ذلك؛ لأن الشرع لا يجمع بين مفترق ولا يفرق بين مجتمع. فالضابط فيه كما تقدم أكثر من معنى، فإذا عارض السكوت الشرع أو الحقوق أو نحو ذلك فإنه صحيح يكون أحيانًا يمضي عليه الحكم. فلا ينسب لساكت قول أو فعل، لكن في مواضع قد ينسب بحسب ما استثني إما بالدليل أو ما يترتب على ذلك من الحقوق كما مر معنا في أحكام الوضع أو غيره من الأمور الأخرى. ومن الأمثلة التي ذكروها بيع الشفعة، فإذا باع الشفيع ما حضرت من له حق الشفعة ولم يعترض، فسكوته منزل منزلة ماذا؟ الرضا. سكوته مع حضوره منزل منزلة الرضا، ومثله لو بُيِّن للمشتري العيب فسكت ولم يفسخ وأمضى البيع، فيكون بعد البيان ماذا؟ راضيًا بالعيب. مثلاً تقول: أريد هذه الدراجة، الدراجة تقول له: الدراجة مستعملة ليست جديدة، لا يغرك شكلها، هي مستعملة، فسكت وقال: خذ، أعطاك المال فأعطيت إياه. فإذا رجع وقال: الدراجة مستعملة، قد قلت لك الدراجة مستعملة، لكني ما قلت نعم، لكنك دفعت المال، دفع المال مع عدم الجواب يعتبر قرينة كما تقدم تدل على أن السكوت رضا بهذا العيب. وهكذا نظائر وهذا كثيرة. ثم قال: «قُلْتُ وَفِيهَا بَعْضُهُمْ قَدْ صَنَّفَا مُصَنَّفًا فِيهِ أَجَادَ وَوَفَى» وأكثر الشراح قالوا: لم يقفوا على هذا المصنف المنفرد، فلعله مصنف خاص صغير في هذا المبحث بالسكوت، أو أنه أراد شيء ضمني. أما ضمني فقد ذكرت هذه القاعدة في كتب كثيرة، والله تعالى أعلم. قال رحمه الله تعالى: القاعدة التاسعة عشرة: «مَا كَانَ أَكْثَرَ فِعْلًا كَانَ أَكْثَرَ فَضْلًا». قال: اعلم بأني كنت قد نظمت لهذه فيما مضى فقلت: قاعدة مَا كَانَ أَرْبَى فِعْلًا فَإِنَّهُ يَكُونُ أَزْكَى فَضْلًا. وأصلها من الحديث المنتخب عن النبي: «الأجر على قدر النصب»، وأخرج عن ذاك بضع عشر فهاك منظومة كالدر. وذلك القصر على الإتمام يفضل في الثلاثة الأيام، ثم الضحى ثمان ركعات أبر، وإن يكن أكثرها ثنتي عشر. والوتر مهما بثلاث يفعل، فإنها مما يزيد أفضل، لكن على قول ضعيف نقل عن البسيط والإمام ذي العلاء. طيب هذه الأبيات جعلها رحمه الله تعالى في هذه القاعدة التاسعة عشرة من القواعد التي جعلها القواعد الكلية الجزئية، وهي أشبه ما تكون بقواعد ليست فيها معنى الكلية التي تندرج فيها أشياء كثيرة. حسبها تكون قاعدة أو قاعدة صغرى، ومعنى هذه القاعدة أولًا: ألفاظ القاعدة جاء: «مَا كَانَ أَكْثَرَ فِعْلًا كَانَ أَكْثَرَ فَضْلًا». وعبر كذلك عنه بتعبير آخر قريب منه وحوله يدور، فيقولون: هل العبر بالكم أم النوع؟ هذه قاعدة أخرى وهي قريبة من هذه وليست مثلها. ومما هو مثلها يقولون كذلك: «الأجر على قدر النصب» أو «على قدر المشقة»، وهكذا يعبرون بقاعدة قريبة من هذا المعنى. إذا تقابل عملان أحدهما ذو شرف في نفسه وهو واحد، والآخر متعدد من جنسه، فأيهما يقدم بدون تخيير؟ وبعضهم يقول: يقدم ذو الشرف في نفسه ولو واحدًا على المتعدد من جنسه ولو كثر. وهكذا عبارات سيأتي إن شاء الله الكلام عليها في ثنايا هذه القاعدة. أما معنى القاعدة فهي لفظ هذه القاعدة التي ذكرها: «مَا كَانَ أَكْثَرَ فِعْلًا كَانَ أَكْثَرَ فَضْلًا» يعني أن الفضل يزداد بزيادة ماذا؟ الفعل، فالكثرة تدل على الفضل. وسيأتي الكلام على ذلك. قوله: «اعلم بأني كنت قد نظمت لهذه فيما مضى فقلت: قاعدة مَا كَانَ أَرْبَى فِعْلًا فَإِنَّهُ يَكُونُ أَزْكَى فَضْلًا» يريد أن يقول أنه كان قد نظم نظمًا ذكر فيه هذه القاعدة، والله أعلم أين هذا النظم إن لم يكن هذا الذي بين أيدينا. فلعله ذكرها في ضمن نظم آخر، وقد يكون أراد أنه نظم هذا قبل أن يذكر الأبيات التي قبل ووقع في أيدي بعض طلابه فصار مما هو معلوم. ولهذا يقول: «كنت قد نظمت» يعني بما قد بلغ بعضكم. وهذه القاعدة التي أشار إليها هي نفس القاعدة: «مَا كَانَ أَكْثَرَ فِعْلًا كَانَ أَكْثَرَ فَضْلًا» وعبر عنه هنا: «مَا كَانَ أَرْبَى فِعْلًا» أي أكثر، فإنه يكون أزكى فضلًا. ثم قال: «وَأَصْلُهَا مِنْ الْحَدِيثِ الْمُنْتَخَبِ عَنْ النَّبِيِّ الْأَجْرُ عَلَى قَدْرِ النَّصَبِ» يشير إلى حديث عائشة الذي رواه الإمام مسلم في قصة حجة الوداع. لما أرادت أن تأتي بعمرة بعد الحج وأخبرها النبي صلى الله عليه وسلم أن أجرها على قدر نصبها، إنما أجرك على قدر نصبك. فقالت: يرجع الناس يا رسول الله بحج وعمرة وأرجع بحج بدون عمرة؛ لأنها لأجل حيضها، لما حاضت أدخلت عمرتها في الحج. فلما أبت أمر أخاها عبد الرحمن يعمرها من التنعيم، الشاهد قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أجرك على قدر نصبك» دل على معنى هذه القاعدة أنه إذا زاد العمل زاد الأجر. لكن هل هذا مطلق أم مقيد بما دل عليه الشرع؟ الجواب: مقيد بما دل عليه الشرع. فليس كل عمل يشرع أن تزيد فيه حتى تزداد أجرًا، وإنما بما أذن به الشرع. فمثلًا صلاة الوتر تجوز ثلاثًا وخمسًا وسبعًا وتسعًا وواحدة عشر، فإذا زدت زاد الأجر، هذا مما دل عليه الحديث وهو لا ينافي ما في هذه القاعدة بل مطرد معها. لكن لو أراد أن يزيد زيادة أكثر في بعض النوافل التي ورد فيها مثلًا حصر؛ لأن في صلاة الليل مسألة فيها خلاف. ما زاد عن إحدى عشر هل ينافي الأفضل؟ في هذا خلاف بين أهل العلم؛ لأنه صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: «صلاة الليل مثنى مثنى». فقوله: «مثنى مثنى» فهم منه بعض العلماء أنه يجوز أن تصلي ما شئت، وبعض أهل العلم قالوا: وإن كان يجوز لكن الأفضل الاقتصار على إحدى عشر أو ثلاث عشر. وهو أكثر ما صلى النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث عائشة وحديث ابن عباس وغيرهم من الصحابة. لكن مثلًا الراتبة راتبة الظهر يجوز أن تصلي ركعتين ويجوز أن تصلي أربعًا، وهل يشرع أن تصلي ستًا أو أكثر؟ الجواب: لا. فلماذا لا نطبق القاعدة: «الأجر على قدر المشقة» لأنه بما لا يخالف الشرع؟ هذا أمر تقيد به هذه القاعدة. أمر آخر: فرق بين أن نقول: «الأجر على قدر المشقة» إذا ابتلي الإنسان بالمشقة، وبين من يبحث عن المشقة ليحصل الأجر. فليست القاعدة المشقة تطلب لأجل الأجر، وهذا الفهم الخاطئ فهمه بعض المتصوفة فيعذبون أنفسهم يظنون أن تعذيب أنفسهم يزيد لهم في الأجر، وهذا خطأ. إنما قال النبي صلى الله عليه وسلم لها: «أجرك على قدر نصبك» يعني إذا ابتليت في الحج وأديت ما أديت فكان فيه مشقة فهو زيادة لك في الأجر؛ لأنه فعلت شيء مأذون مشروع. أما أن يعذب المسلم نفسه ويتكلف عبادات لم يأذن بها الله ولم يشرعها أو يجوع نفسه فهذا ليس فيه أجر بل فيه إثم؛ لأنه خلاف سنة النبي صلى الله عليه وسلم. فإن بغينا أن ننتبه لهذا فرق بين المعنيين: فرق بين من يؤدي الشيء على الوجه المشروع فيلقى مشقة فيزداد أجره، وبين إنسان يخرج عن المأذون والمشروع ويبحث عن المشقة ليزداد أجره فهذا لا يزداد أجره بل يأثم. وقوله رحمه الله: «وَأَخْرِجْ عَنْ ذَاكَ بِضْعَ عَشْرَ فَهَاكَ مُنَظُومَةً كَالدَرِ» يعني أخرج بضعة عشر مسألة، والصحيح أنها أكثر من ذلك. وبضعة عشر يعني من إحدى عشر إلى تسع عشر؛ لأن البضع هو من الواحد إلى التسجيل. ثم بدأ بالمسألة الأولى فقال: «وَذَلِكَ الْقَصْرُ عَلَى الْإِتْمَامِ يُفَضَلُ فِي الثَلَاثَةِ الْأَيَّامِ» يعني عندنا صلاة الإتمام أربع، وصلاة القصر ركعتين. ففي السفر يقول: يفضل أن تقصر ولا تتم؛ لأن السنة في السفر القصر، إذن هذا مخالف للقاعدة. ولو تأملنا ما هو السبب؟ خلاف الشرع والسنة، سواء قلنا أن القصر في السفر مستحب أو واجب، والصحيح أنه واجب؛ لقول عائشة رضي الله عنها: «أول ما فردت صلاة ركعتين ركعتين، فزيدت في الحضر وأوقرت في السفر». ولهذا قال من قال من السلف ومن بعدهم من العلماء: «ولا إمة والمحققون من أهل العلم: الزيادة في السفر كالنقص في الحضر، الزيادة في السفر كالنقص في الحضر». فكما لا يجوز النقص في الحضر، لا يجوز على الصحيح الزيادة في السفر. وأما قوله: «يُفَضَلُ فِي الثَلَاثَةِ الْأَيَّامِ» يريد أن يخرج من الخلاف، وأشار في التعليق إلى أن الخلاف أوسع من هذا؛ لأنهم اختلفوا: كم حد السفر؟ يوم، يومين، ثلاثة، أكثر فأكثر، فأكثر. أهل العلم قالوا: أقل السفر ثلاثة أيام فما كان أقل من ثلاثة أيام ليس بسفر. لكن أشار في التعليق إلى أن الحنفية لهم رأي، وذلك أن ثلاثة مراحل عندهم يعد سفرًا. والصحيح في هذا أن كل ما يسمى عرفًا سفرًا فهو ماذا؟ فهو سفر، لا يحد بوقت ولا بمسافة على الصحيح. لكن عند الاختلاف فنرجع إلى أقل ما ورد في الشرع أنه سفر، وورد من جهة المسافة أربعة برد، وهو ما يعادل خمسة وثمانين كيلو تقريبًا. يعني كيلو متر على ما تقدم في دروس سابقة في معرفة هذه المسافة كيف عرفوها؟ فالشاهد من هذا: كل ما يسمى سفرًا فإنه يترخص فيه، وهو الأفضل من الإتمام. وكيف عرفنا هذا بالدليل؟ وهكذا. وقوله: «ثُمَّ الضُحَى ثَمَانِي رَكَعَاتٍ أَبَرُ وَإِنْ يَكُنْ أَكْثَرُهَا ثِنْتَيْ عَشْرَةَ» يعني الضحى أكثر ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم ثمان ركعات، فهو الأفضل. وإن كان بعض أهل العلم قال: يجوز أن تزيد إلى ثني عشر ركعة، لماذا؟ أفضل الأقل؛ لأنه أكثر ما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام. والتقييد بالسنة أفضل، إذن هو كذلك فيه معنى ما تقدم: العبرة بالدليل. طيب نقف إلى هنا ونكمل إن شاء الله بدرس اللاحق، والله تعالى أعلم.