شرح الفرائد البهية  54

شرح الفرائد البهية 54

الدرس في شرح الفرائد البهية 54، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

الخلاف الفقهي حول الحوالة والإبراء

يناقش المقطع الأول قاعدتين فقهيتين مختلف فيهما، الأولى حول الحوالة وهل هي بيع أو استيفاء، والثانية حول الإبراء وهل هو إسقاط أو تمليك. يوضح المقطع الخلاف بين العلماء في هاتين المسألتين وتفاصيلهما.

تفاصيل الإبراء والإقالة في الفقه الشافعي

يتطرق المقطع الثاني إلى التفريق بين قول إمام المذهب والمذهب نفسه، ويشرح قاعدة الإبراء التي قد تكون إسقاطًا أو تمليكًا حسب السياق. كما يوضح مسألة الإقالة وهل هي فسخ أو بيع.

مسألة الطلاق الرجعي وقطعه للنكاح

يناقش المقطع الثالث مسألة الطلاق الرجعي وهل يقطع النكاح أم لا، مع توضيح القولين المختلفين في ذلك والترجيح بينهما. كما يطرح قولا ثالثا بالتوقف في المسألة.

حكم التسبيح بالمسبحة وهدي النبي

يتناول المقطع الرابع حكم التسبيح بالمسبحة، مشيرًا إلى عدم وجود دليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستعمل مسبحة للتسبيح. يشدد على أن خير الهدي هديه، ويمكن التسبيح بأصابع اليد كما ورد في الحديث النبوي.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أشهدوا أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: القاعدة السابعة: الحوالة، هل هي بيع أو استيفاء؟ قال: وهل تعد يا فتى الحوالة بيعًا أو استيفاء خلاف قاله، واختلف الترجيح في الفروع كما حكاه صاحب المجموع. هذه كذلك قاعدة أخرى من القواعد المختلف فيها، وسبب ذلك الفروع الكثيرة التي تدخل في معنى هذه القاعدة، واختلاف أهل العلم من الشافعية وغيرهم فيها. وينبغي أن نعلم أن الحوالة شيء والبيع شيء آخر، وقد يحصل بينهما شيء من العموم والخصوص. أصل الحوالة: حديث بهريرة في الصحيحين، في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ومن أحيل بحقه على مليء فليحتل». وفي فروع وصف الحوالة، ذكر العلماء أحوالاً يفهم منها أن في بعض صورها قد تكون بيعًا، وفي بعض الصور قد لا تكون بيعًا. فإن كان فيه معنى الإحسان، فهي حوالة محضة، فيها معنى الاستيفاء للدين. وإن كان فيها ثمن مبيع ونحوه، فقد يكون بمعنى البيع، وقد يكون بمعنى الاستيفاء. مثلاً، لو أن رجلاً جاء عند من عليه الدين، وهو له هذا الدين، قال: يا فلان، قد جاء الأجل لي عندك عشرة آلاف، أريد عشرة آلاف. فنظر فإذا بأحد أقربائه أو زملائه، فقال: يا فلان، عندك عشرة آلاف؟ قال: نعم، ممكن تسدد لهذا عشرة آلاف. قال: طيب، أبشر. فقال له: اذهب مع فلان، سيعطيك. فهذه حوالة. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ومن حال على مليء فليحتل» أو «من حيل على مليء فليحتل». فهنا استيفاء للدين، ليس ببيع، فيترتب على هذا مسائل. وفي صورة أخرى نفس هذه المسألة، قال رجل لآخر من بجانبه: يا فلان، عندك مال الآن تدفع لي ما بعت لك من تمر عندي، لكن ما عندي كل القيمة، كم عندك؟ عندك عشرة آلاف؟ قال: عندي عشرة آلاف، هو له أكثر من عشرة آلاف، عندك عشرة آلاف؟ قال: نعم، عندي عشرة آلاف. فقال: أعطي هذا الرجل. فأعطاه عشرة آلاف. فهذه صفة أخرى، فيها بيع واستيفاء، لأنه مال بمال. فمثلاً، لو أن رجلاً جاء عند من عليه الدين، وهو له هذا الدين، قال: يا فلان، قد جاء الأجل لي عندك عشرة آلاف، أريد عشرة آلاف. فنظر فإذا بأحد أقربائه أو زملائه، فقال: يا فلان، عندك عشرة آلاف؟ قال: نعم، ممكن تسدد لهذا عشرة آلاف. قال: طيب، أبشر. فقال له: اذهب مع فلان، سيعطيك عسلاً بعشرة آلاف. فيقول للرجل: تريد هذا؟ قال: إذا هو قيمته أريد، ولا أريد ديني يتأخر. الآن الحوالة صارت ماذا؟ بيعًا، لأنه له عشرة آلاف وأخذ بالعشرة آلاف عسلاً. فإذن يختلف، وهكذا قل في مسائل كثيرة ذكروها، تحتاج لتفصيل. فإن غلب معنى الدين واستيفاءه، فهو يعامل معاملة استيفاء الدين. وإن كان فيه معنى البيع، فيعامل معاملة البيع. وبه نعرف أنه ليس هناك قاعدة مضطردة تضبط فروع المسائل التي تدخل في هذه القاعدة. وهذا هو قوله رحمه الله: «وهل تعد يا فتى الحوالة بيعًا أو استيفاء خلاف قاله»، يعني قاله صاحب الأصل، يريد صاحب الأشباه والنظائر، وهو السيوطي رحمه الله. قال: «واختلف الترجيح في الفروع كما حكاه صاحب المجموع»، يعني النووي رحمه الله. وهو يريد بهذا أن فروع مسائل هذه القاعدة كثيرة اختلفوا فيها. قال رحمه الله تعالى: القاعدة الثامنة: الإبراء، هل هو إسقاط أو تمليك؟ قال رحمه الله: ثم هل الإبراء إسقاط جعل أو هو تمليك خلاف قد نقل قولين، والترجيح غير مؤتلف فيما لها من الفروع قد وصف. هذه قاعدة أخرى من القواعد المختلف فيها، وهي في مسألة الإبراء. فهل الإبراء إسقاط أو تمليك؟ فكما قال وأشار، أن منهم من جعله إسقاط، ومنهم من جعله تمليك، فهو خلاف منقول. وقد نقله صاحب الأصل، ونقل قبله على قولين، سواء عن الإمام الشافعي أو في مذهب الشافعية، على ما سبقت الإشارة إليه. أحيانًا يكون قولًا صحيحًا منقولًا عن إمام المذهب، وأحيانًا يحصل شيء من التجوز، فما اشتهر من المذهب، فيكون هو قول المذهب، لا قول إمام المذهب. ولهذا يقال: هناك فرق بين أن تقول: هذا قول الشافعية، وأن تقول: هذا قول الشافعي. والشافعية شيء والشافعي شيء آخر. وقول هو الترجيح غير مؤتلف، يعني غير متفق، ما يمكن أن يرجح لكثرة الخلاف في ذلك، فيما لها من الفروع قد وصف، يعني ذكرت ف، فروع كما تقدم، لا يمكن ضبطها على معنى واحد في هذه القاعدة. ولهذا كان الصحيح كذلك في فروع هذه القاعدة التفصيل. ومن تأمل هذه القاعدة، وجدها تنقسم مسائلها وفروعها إلى قسمين: قسم منها يتعلق بحق معلوم، وقسم منها يتعلق بحق مجهول غائب. فما كان في المجهول الغائب، فهو تمليك. وما كان في المعلوم الحاضر، فهو إسقاط. مثاله: لو أنك قلت في دين عند إنسان: أبرئك من الدين الذي عليك. هذا إسقاط أو تمليك؟ إسقاط. دين معلوم، دين معلوم، فأبرأه منه، يعني أسقط. وإذا قال لشريك له، وكان لهم مال يعملان فيه، فضاع هذا المال، وتعبا في البحث عنه، وهما شركاء في هذا المال، فيئس أحدهما وذهب، فقال: ما حال مالك؟ قال: أبرئك فيه، يعني أسقطه أو أملكك؟ أملكك، لأنه الآن غائب مجهول، غائب مجهول، فيترتب على هذا أحكام التمليك. ويختلف الإسقاط عن التمليك، وهكذا قل في مسائل كثيرة، ينظر إلى اللفظ والسياق والوصف الذي به يعرف أنه من باب الإبراء الذي هو إسقاط، أو من باب الإبراء الذي هو تمليك. وقد ذكر في التعليق مجموعة من المسائل، تبعًا لما ذكر في الأصل، وفي بعض الشروح والمطولات. وإذا تأملتها، فهي تدور حول هذا التفصيل. قال رحمه الله تعالى: القاعدة التاسعة: الإقالة، هل هي فسخ أو بيع؟ قال رحمه الله تعالى: وهل يكون فسخ الإقالة في الحكم أو بيع خلاف، قال: والخلف قولان، وفي الفروع يختلف الترجيح للمسموع. وهذه مسألة أخرى من المسائل، هذه القواعد التي اختلف فيها، وهي تتعلق بالإقالة. وهل الإقالة فسخ أو بيع؟ وهذه كذلك مما اختلف فيها، لإختلاف فروع المسائل التي تدخل تحتها عند الشافعية وعند غيرهم. أصل هذه المسألة: حديث بهريرة عند ابن ماجة وابن حبان وغيرهما، بإسناد صحيح: «من أقال مسلمًا في عثرته، وفي رواية ابن حبان: من أقال مسلمًا في بيعته، أقال الله عثرته يوم القيامة». ومن تأمل مسائل الإقالة وفروعها، وجد أن بعض مسائلها تكون بيعًا، وبعض مسائلها تكون فسخًا. فما وجد فيه وصف البيع، فهو بيع. وما وجد فيه وصف الفسخ، فهو فسخ. وبهذا التفصيل تنضبط فروع هذه القاعدة، ولا يمكن أن نجعل القاعدة تطرد في أحد الفرعين. لا يمكن أن تكون كل مسائل الإقالة فسخًا، ولا يمكن أن تكون كل مسائل الإقالة بيعًا، بل بعضها بيع، وبعضها فسخ. فإن قال قائل: ما هو الأصل؟ هل البيع أو الفسخ؟ الجواب: الأصل الفسخ، فهذا هو معناه في اللغة والشرع والعرف. لكن قد يحتف به ما يدل أنها من البيع، فإذا وجد فيها ما يدل على ذلك، فهي من البيع. فمثلاً، لو أن إنسانًا اشترى شيئًا، ثم ندم في شرائه، فأراد أن يرده، فقال: يا فلان، اشتريت منك هذا، وأنا الآن ندمت على الشراء، وجدت أني أحتاج للمال في شيء آخر، فهل ترده لي وترد لي مالي؟ فقال: لا، بس أرد لك مالك، فرد له المال. فهذا على الأصل فسخ. فسخ البيع، فيرد له نفس المال، ويأخذ البضاعة. إنسان آخر جاء، فحصل معه نفس الوصف، لكنه حصل عيب لهذا المبيع عنده، بسبب أو آخر، فجاء قال: يا فلان، أنا ندمت، وأريد أحتاج إلى المال، وأريدك أن تقيلني في عثرتي، أقلني في عثرتي، ورد لي هذا الذي اشتريت منك، ولكن أنا أصدقك القول، حصل فيه عيب. فهنا ينظر إلى العيب، فيقول: لا، بس أنا أوقي لك في ذلك، لكن لابد أن يكون هناك فرق. فإذن سأشتريه منك بكذا وكذا، أنت اشتريت مني بكذا، لكن اليوم هو ليس كالوصف الذي أخذته مني، فسأخذ منك بأقل. هذا فسخ وبيع، بيع. في الأول فسخ، وفي الثاني بيع، فيختلف الحكم. فإذا صار بيعًا، فإن كان من الأصناف الربوية، فلابد أن تتوفر فيه شروط التعامل بالربوي، من التساوي فيما يجب فيه التساوي، مع التقابض، أو من التقابض مع عدم التساوي، مما لا يجب فيه التساوي. قال رحمه الله تعالى: القاعدة العاشرة: الصداق المعين في يد الزوج قبل القبض، مضمون ضمان عقد أو ضمان يد. قال رحمه الله تعالى: ثم معين الصداق في يدي الزوج قبل القبض، مهما يعقد، هل هو مضمون ضمان عقد في يده، أو بل ضمان أيدي قولان، والترجيح لم يأتلف فيما لها من الفروع قد قفي. وهذه قاعدة أخرى من القواعد المختلف فيها، وهي كذلك لأجل اختلاف فروع مسائلها، لم يطرد القول فيها بأحد طرفيها. الصداق المهر والمعين، أي المذكور بعينه وعدده، في يد الزوج، يعني لم يسلمه للزوجة، هل هذا من ضمان العقد أو ضمان اليد؟ الأصل في هذا الباب: أنه من ضمان العقد، لأن ضمان العقد هو ما يكون في الأنكحة والإيجارة وما أشبهها، وضمان اليد ما يكون في الغصب والخيانة وما أشبه ذلك. فالضمان ضمانان: ضمان عقد، وضمان يد. فضمان العقد هو الذي يكون في النكاح، وفي الإيجارة وما أشبه ذلك. وضمان اليد ما يكون من معنى الغصب والخيانة وأشباهها. وكما نرى أنه يترتب بهذا أحكامًا فيما إذا كان ضمان عقد، وأحكامًا فيما إذا كان ضمان اليد. فإن كان ضمان عقد، فالمضمون لا يملك مستحقه إلا بقبض الضامن. بخلاف المضمون ضمان اليد. قال رحمه الله تعالى: قال الفصل الثالث، القاعدة الحادية عشرة: الطلاق الرجعي، هل يقطع النكاح أو لا؟ قال: وبعد هذا فالطلاق الرجعي، هل يقطع النكاح كل القطع أو لا؟ على القولين، والترجيح لا يطلق في الفروع فيما نقلا، وربما جزم بالأول في أشياء، وبالثاني كذلك، فاعرف. وجاء قول ثالث لم يختلف في أصلها، يقول بالتوقف. وعبروا بغير ذي العبارة عن هذه أيضًا بلا نكارة. وهل هي الرجعة تحسب ابتداء نكح أو استدامة خلف بداء؟ وهذه مسألة أخرى من مسائل القواعد المختلف فيها، وتحت هذه القاعدة المختلف فيها مسائل الطلاق الرجعي، هل يقطع النكاح أو لا يقطع النكاح؟ وقد اختلف في ذلك بناء على فروع المسائل التي تذكر في هذه القاعدة. قال رحمه الله: «وبعد هذا فالطلاق الرجعي»، الطلاق طلاقان: طلاق بائن، تبين المرأة من زوجها، وطلاق رجعي، يمكن أن ترجع المرأة لزوجها. قال: «هل يقطع النكاح كل القطع أو لا»، يعني أو لا يقطع النكاح، على القولين. والترجيح لا يطلق في الفروع فيما نقل، يعني هناك قولان مشهوران، ولا يمكن الترجيح في ذلك، لأن فروع المسائل ليست واحدة. قال: «وربما جزم بالأول في أشياء، وبالثاني كذلك، فاعرف»، يعني ربما نستطيع أن نجزم في مسائل بأن الطلاق الرجعي قطع للنكاح. مثال ذلك: إذا انتهت العدة، فهنا انتهى النكاح، فلا تحل المرأة للرجل، تصير أجنبية. قال: «وجاء قول ثالث لم يختلف في أصلها، يقول بالتوقف». يعني قول ثالث فيه التوقف في ذلك، يعني مدام هناك عدة ولم تنتهي العدة. وهذا القول الثالث بهذا الإطلاق شاذ، لكن في تفاصيل معينة قد يصح. قال: «وهل هي الرجعة تحسب ابتداء نكح أو استدامة خلف بداء؟» وهي هذه القاعدة التي سبقت الإشارة إليها. قال رحمه الله تعالى: القاعدة الثانية عشرة... إلى هنا انتهى الوقت. يقول: ماذا تقولون لمن يصل صلاته كلها في البيت بدون عذر شرعي؟ ينصح، ربما يكون له عذر، أنت ما تدري، أحسن الظن بأخيك، ولا مانع أن تنصحه فيما بينك وبينه. ولا يؤمن وحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، ولا نعين الشيطان على إخواننا، بل نحاول أن نعينهم على أن يخرجوا من خطوات الشيطان. فانظر ما هو السبب وأعنه على أداء هذه الطاعة مع المسلمين في المساجد. قال الله عز وجل: «وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين». قال ابن كثير: استدل غير واحد من أهل العلم بهذه الآية على وجوب صلاة الجماعة. وفي حديث بهريرة في الصحيحين: «هممت أن آمر رجلاً فيصلي فيصلي بالناس وأتخلف إلى أقوام تخلفون عن هذه الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم». ولا حديث في هذا الباب كثيرة. يقول: هل ثبت عن نبي هريرة رضي الله عنه أنه يسبح بحبل له معصوب أو نحو ذلك؟ لا أعرف أنه صح عن نبي هريرة. حتى ما روي عن بعض الصحابيات قالوا: لم يصح. ولو صح لكان اجتهادًا منهن وأخطأنا فيه. فخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، ولم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستعمل شيئًا للتسبيح. فنعقد التسبيح بأيماننا، فإن أصابعنا مستنطقات يوم القيامة كما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام.