الدرس في شرح الفرائد البهية 1، المقدمة . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
ابتدأ المؤلف نظمه بالبسملة، واستدل العلماء على مشروعية ذلك بالقرآن الكريم وسنة النبي صلى الله عليه وسلم. هناك خلاف حول ابتداء الشعر والنظم بالبسملة.
النظم العلمي لا بأس فيه إذا كان المقصد هو الاستعانة باسم الله والتبرك بذكره. يُبين أهمية الأدب في التعامل مع الله والافتقار إليه.
المقطع يشرح مقدمة النظم التي كتبها الناظم راجيًا عفو ربه العلي، ويبين معنى العلو عند أهل السنة والجماعة. يُظهر أهمية الأدب في التعامل مع الله.
تم اختتام الدرس بسبب انتهاء الوقت مع وعد بالمتابعة في درس لاحق بإذن الله. الدرس تم تعليقه على شرط إتمام الله له في المستقبل.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. نبدأ في هذا اليوم إن شاء الله تعالى في شرح منظومة من منظومات القواعد الفقهية، وهي المنظومة المشهورة بالفرائد البهية لأبي بكر الأهدل. وهذه المنظومة كما سيأتي إن شاء الله هي عبارة عن تلخيص لكتاب الأشباه والنظائر لعبد الرحمن السيوطي. وسيسلك في هذا الشرح شيء من الاختصار يناسب أولاً كوننا نقرأ نظمًا ورجوزة مختصرة، ثم لعل الله عز وجل يسر بالقراءة والتعليق على بعض ما ذكره العلماء من تعليقات على هذا النظم. فهناك شروح شرحت فيه هذه المنظومة، لعل الله عز وجل يسر بالقراءة عليها والتعليق على ما شرحت به هذه المنظومة، خصوصًا وأن بعض هذه الشروح قد انتشرت، ويحتاج طلبة العلم للوقوف على ما فيها من مسائل ومباحث، وكذلك معرفة ما ذكره الشراح مع تلاميذ غيرهم من أهل العلم، خصوصًا أن بعضها فيه شيء من مسائل الاعتقاد التي ذكرت في ثنايا تلك التعليقات والشروح، مما ينبغي لطالب العلم الذي وفق لمنهج أهل السنة والجماعة أن ينتبه لتلك المآخذ التي أخذت على بعض تلك التعليقات في ثنايا تلك الكتب. ابتدأ المؤلف رحمه الله تعالى نظمه بالبسملة، فقال رحمه الله: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾. وهذا مسلك الكثير من أهل العلم في ابتداء ما يكتبون ويؤلفون بالبسملة، اقتداء بكتاب الله، وما صح من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في افتتاح كتبه. وقد تكرر معنى ما استدل به العلماء في هذا الباب، فقد كتب النبي صلى الله عليه وسلم أو أراد أن يكتب في صلح الحديبية ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾، وفيه القصة باعتراض المشركين المشهورة. بل كما قال بعض أهل العلم: هي سنة الأنبياء. واستدلوا بقوله سبحانه: ﴿إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم﴾. على أنه كما قد مر معنا في دروس ماضية، نبه بعض أهل العلم أن هذا في النثر لا في النظم. أما في النظم فقد اختلف في الشعر. أقول: أما في الشعر فقد اختلف أهل العلم في ابتدائه بالبسملة. فقد روي عن جماعة من الأئمة النهي عن ذلك في الشعر. وهل يلحق به النظم؟ قال بعضهم بذلك، وقال بعضهم: بل النظم إذا كان نظمًا علميًا فهو يلحق بالنثر. وإنما علة نهي من نهى عن ذلك في النظم في الشعر لكون الشعر يتضمن من الألفاظ والمعاني ما لا يليق أن يكون معه ذكر البسملة. وكما لا يخفى فالشعر يقع فيه من المبالغة ما هو قريب من الكذب إن لم يكن كذبًا، حتى قال من قال في الشعر: «أصدقه أكذبه»، أو قال: «أعدبه أكذبه». يعني: كل ما كان فيه مبالغة وشيء قريب من الكذب فهو أعدب. وعلى هذا فرق بعض أهل العلم بين النظم والشعر، فقالوا: النظم لما كانت عبارة عن معاني علمية ومباحث شرعية فهي تختلف عن الشعر. ومن اعترض في هذا قال: لأن النظم كذلك قد يلجئ صاحبه لالتزامه بوزن أبيات الشعر، على ما لا يخفى، فهي تجري على بحور هذا الالتزام، قد يضطره إلى قول شيء لا ينطبق على الواقع، فيكون فيه شبه بكذلك الشعر. أو كذلك ما قد يحتاج من ملاحقة الوزن مع قوة المعنى ما يكون فيه شيء من المبالغة فأشبه الشعر. والأمر في هذا واسع، ما دام المقصد هو الاستعانة باسم الله عز وجل والتبرك بذكره، وهو شيء علمي، فلا بأس في هذا إن شاء الله. ومن لم يرَ ذلك فلا حرج في هذه المسألة. ومعنى ﴿باسم الله الرحمن الرحيم﴾ هو الاستعانة والتبرك بذكر الله، بذكر اسم الله عز وجل. فمن افتتح مثل هذا المعنى من معاني العلم يحتاج إلى ذكر البسملة بلا شك، إذ يطلب العون من الله سبحانه وتعالى في هذا العمل الصالح أن يوفقه الله عز وجل فيه وأن ينفع به، وهكذا قارئه، وكذلك شارحه يحتاج إلى هذا المعنى. ثم في بعض النسخ قال: «مقدمة». والمقدمة ما يذكر، وهو مأخوذ من لفظه: ما يتقدم الشيء، ما يذكر توطئة للدخول في المقصود، وفيها شيء من الإضاح لما سيأتي ذكره. قال رحمه الله تعالى: يَقُولُ رَاجٍ فِي رَبِهِ الْعَلِيِ وهو أبو بكر سليل الأهدلي الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَقَّهَنَا وَلِسُلُوكِ شَرْعِهِ نَبَّهَنَا عَلَّمَنَا سُبْحَانَهُ بِالْقَلَمِ فَضْلًا وَمِنَّهُ مَا لَمْ نَعْلَمْ وَخَصَّنَا بِأَفْضَلِ الْأَدْيَانِ وَالسُّنَّةِ الْغَرَاءِ وَالْقُرْآنِ فَكَمْ لَهُ مِنْ نِعْمَةٍ عَلَيْنَا وَمِنَّةٍ أَوْصَلَهَا إِلَيْنَا فَشُكْرٌ دَائِمًا لَهُ عَلَى مَا أَوْلَاهُ لَا نُحْصِي لَهُ إِنْعَامًا شُكْرًا يَكُونُ سَبَبَ الْمَزِيدِ لِعَبْدِهِ مِنْ فَضْلِهِ الْمَمْدُودِ ثُمَّ صَلَاتَهُ مَعَ التَّسْلِيمِ عَلَى النَّبِيِّ الرَّؤُوفِ الرَّحِيمِ مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الْأَطْهَارِ وَصَحْبِهِ الْأَفَاضِلِ الْأَبْرَارِ وَتَابِعِيهِمْ بِالِاسْتِقَامَةِ عَلَى سَبِيلِهِمْ إِلَى الْقِيَامَةِ هذه أول المقدمة، ابتدأها رحمه الله تعالى بذكر ناظم هذا النظم والتعريف بنفسه على وجه الاختصار، يقول: راجٍ عفو ربه العلي. وهذا من أدب العلم أن يقدم الكاتب والناظم افتقاره لربه وخالقه، وهو مع ما فيه من الأدب فيه كذلك تحقيق لمعنى العبودية التي يكون بها الاستعانة على هذا العمل الصالح. فليس شيء يعين العبد إلا الله سبحانه وتعالى، فمنه التوفيق والتسديد. وذكر الرجاء والعفو، وهذا من براعة الاستهلال، فهو يرجو في أموره كلها من الله عز وجل التوفيق. وفي هذا النظم خاصة يحتاج إلى هذا التوفيق. وهكذا كذلك العفو، فهو يرجو من الله عز وجل في أموره كلها العفو، وفي هذا النظم كذلك، وما قد كتبه مما قد يكون فيه شيء من الزلل العفو. وهكذا العبد في أموره كلها بين الخوف والرجاء، وفي عمله الخاص يخص نفسه بذلك. وهذا من براعة استهلال المؤلف رحمه الله، ويدل على ما كان عليه أهل العلم من التعلق بالله عز وجل، وكذلك الافتقار إليه، وحسن التأدب في تحقيق العبودية له رحمهم الله تعالى رحمة واسعة. وهكذا كما نأخذ منهم العلم نأخذ منهم الأدب، الأدب في الألفاظ، وهكذا كذلك في الأعمال التي نعملها فيما بيننا وبين الله سبحانه وتعالى، وما يكون كذلك في طريقنا وسيرنا العلم والعمل. وقوله: «ربه العلي»، العلو علو الذات وعلو القدر وعلو القهر، هذا هو معنى العلو عند أهل السنة والجماعة، كما دلت عليه أدلة الكتاب والسنة. ومناسبة ذكر العلو هنا أن الله عز وجل الذي له معاني العلو جميعًا هو الذي يلتجأ إليه وهو الذي يفتقر إليه، فيكون في ذلك ذكر محامد الرب سبحانه وتعالى والافتقار إليه، بالتقصير الذي يكون بإذن الله سببًا لتحقيق الرجاء والتجاوز مما يخاف منه، فيكون العفو. وبه ننتبه لما ذكره بعض الشراح من قصر معنى العلو على علو القدر أو القهر، فإذا قال: «العلي»، قال: «العلي في قدره» أو قال: «العلي في قهره». وهذا على مذهب المعطلة من الأشاعرة والكلابية والماتريدية ومن سلك مسلكهم ومن تبعهم من المتفقه في حصر العلو في هذين المعنيين، مع التحاشي ومجانبة ذكر العلو والذات. ولله عز وجل معاني العلو جميعًا. طيب، نقف إلى هنا لانتهاء الوقت، ونذكر الباقي إن شاء الله في درس لاحق، والله أعلم.