التعليق على فصول في الصيام والتراويح والزكاة للعلامة العثيمين 4

التعليق على فصول في الصيام والتراويح والزكاة للعلامة العثيمين 4

الدرس في التعليق على فصول في الصيام والتراويح والزكاة للعلامة العثيمين 4، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في أحكام الزكاة وفوائدها

الزكاة ركن من أركان الإسلام وتجب في أموال مخصوصة، ولها فوائد دينية وخلقية واجتماعية متعددة. تقرب العبد من ربه وتطهر أخلاقه وتدفع حاجة الفقراء.

بيان الأموال التي تجب فيها الزكاة

تجب الزكاة في أربعة أصناف من الأموال لكل منها تفاصيل ونصاب وحول محدد. تشمل هذه الأصناف الذهب والفضة وعروض التجارة والزروع والثمار وبهيمة الأنعام.

أهل الزكاة ومصارفها

يتم شرح أهل الزكاة الثمانية المذكورين في القرآن الكريم ومستحقيها وشروط إعطائهم الزكاة. كما يبين الحكمة من إيجاب الزكاة وبناء مجتمع صالح متكامل.

تفصيل مصارف الزكاة وشرحها

يتم تفصيل بعض مصارف الزكاة مثل الرقاب والغارمين وفي سبيل الله. يشمل اعتاق الرقاب شراء الرقيق وتحرير الأسرى، وإعانة الفقراء للحج من سبيل الله.

التفريغ النصي الكامل

درس فضيلة شيخنا العلامة أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي حفظه الله في التعليق على رسالة فصول في الصيام والتراويح والزكاة للعلامة الفقيه محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى. بسم الله الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فما زلنا في هذه الرسالة، شيخنا العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله، رسالة مختصرة في فصول في الصيام والتراويح والزكاة. وقد مضى معنا أحكام الصيام والتراويح، واليوم إن شاء الله نشرع في شيء من أحكام الزكاة وفوائدها. قال الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين -عليه رحمة الله-: الفصل الثالث في الزكاة وفوائدها. الزكاة فريضة من فرائض الإسلام، وهي أحد أركانه وأهمها بعد الشهادتين شهادتين والصلاة. وقد دل على وجوبها كتاب الله تعالى، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وإجماع المسلمين. فمن أنكر وجوبها فهو كافر مرتد على الإسلام، يستتاب، فإن تاب وإلا قتل. ومن بخل بها أو انتقص منها شيئًا فهو من الظالمين المستحقين لعقوبة الله تعالى. قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [آل عمران: 180]. وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من آتاه الله مالًا فلم يؤدِّ زكاته مُثِّلَ له يوم القيامة شجاعًا أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة، ثم يأخذ بلهزمتيه -يعني شدقيه- يقول: أنا مالك، أنا كنزك». والشجاع: ذكر الحية، والأقرع: الذي تمعط فروة رأسه لكثرة سمه. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة: 34، 35]. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صُفِّحَتْ له صفائح من نار، فأُحْمِيَ عليها في نار جهنم، فيُكْوَى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بَرَدَتْ أُعِيدَتْ له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يُقْضَى بين العباد». وللزكاة فوائد دينية وخلقية واجتماعية كثيرة، نذكر منها ما يأتي: من فوائدها الدينية أنها قيام بركن من أركان الإسلام الذي عليه مدار سعادة العبد في دنياه وآخراه. أنها تقرب العبد إلى ربه، وتزكي إيمانه. وفي ذلك شأن جميع الطاعات، ما يترتب على أدائها من الأجر العظيم. قال الله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: 276]، وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [الروم: 39]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب -ولا يقبل الله إلا الطيب- فإن الله يأخذها بيمينه، ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فَلُوَّه حتى تكون مثل الجبل». متفق عليه. أن الله يمحو بها الخطايا، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار». والمراد بالصدقة هنا: الزكاة وصدقة التطوع جميعًا. ومن فوائدها الخلقية أنها تلحق المزكي برقاب الكرماء ذوي السماحة والسخاء. أن الزكاة تستوجب اتصاف المزكي بالرحمة والعطف على إخوانه المعدمين. والراحمون يرحمهم الله. أنه من المشاهد أن بذل النفع المالي والبدني للمسلمين يشرح الصدر ويسر النفس ويوجب أن يكون الإنسان محبوبًا مكرمًا بحسب ما يبذل من النفع لإخوانه. أن في الزكاة تطهيرًا لأخلاق باذلها من البخل والشح، كما قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: 103]. ومن فوائدها الاجتماعية أنها دفع لحاجة الفقراء الذين هم السواد الأعظم في غالب البلاد. أن في الزكاة تقوية للمسلمين ورفعًا من شأنهم. ولذلك كان أحد جهاد الزكاة: الجهاد في سبيل الله، كما سنذكره إن شاء الله تعالى. أن فيها إزالة للأحقاد والضغائن التي تكون في صدور الفقراء والمعوزين. فإن الفقراء إذا رأوا تمنع الأغنياء بالأموال وعدم انتفاعهم بشيء منها لا بقليل ولا بكثير، فربما يحملون عداوة وحقدًا على الأغنياء حيث لم يراعوا لهم حقوقًا ولم يدفعوا لهم حاجة. فإذا صرف الأغنياء لهم شيئًا من أموالهم على رأس كل حول زالت هذه الأمور وحصلت المودة والوئام. أن فيها تنمية للأموال وتكثير لبركتها، كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما نقصت صدقة من مال». أي: إن نقصت صدقة المال عددًا فإنها لن تنقصه بركة وزيادة في المستقبل، بل يخلف الله بدلها ويبارك له في ماله. أن فيها توسعة ومصلحة للأموال. فإن الأموال إذا صرف منها شيء اتسعت دائرتها وانتفع بها كثير من الناس، بخلاف إذا كانت دولة بين الأغنياء، لا يحصل الفقراء على شيء منها. فـ«هذه الفوائد كلها في الزكاة تدل على أن الزكاة أمر ضروري لإصلاح الفرد والمجتمع». وسبحان الله العليم الحكيم. والزكاة تجب في أموال مخصوصة، منها: الذهب والفضة، بشرط بلوغ النصاب. وهو في الذهب: أحد عشر جنيهًا سعوديًا وثلاثة أسباع جنيه. وفي الفضة: ستة وخمسون ريالًا سعوديًا من الفضة، أو ما يعادله من الأوراق النقدية. والواجب فيها ربع العشر. ولا فرق بين أن يكون الذهب والفضة: نقودًا لم تبرأ، أو حليًا. وعلى هذا فتجب الزكاة في حلي المرأة من الذهب والفضة إذا بلغ نصابًا، ولو كانت تلبسه أو تعيره، لعموم الأدلة الموجبة لزكاة الذهب والفضة بدون تفصيل. ولأنه وردت أحاديث خاصة تدل على وجوب الزكاة في الحلي، وإن كان يلبس. مثل ما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- أن امرأة نُتِتْ إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وفي يد ابنتها مسكتان من ذهب، فقال: «أتعطين زكاة هذا؟» قالت: لا. قال: «أيسرك أن يسورك الله بهما سوارين من نار؟» فألقتهما، وقالت: «هما لله ورسوله». أخرجه الثلاثة، وإسناده قوي. ولأنه أحوط، وما كان أحوط فهو أولى. ومن الأموال التي تجب فيها الزكاة: عروض التجارة، وهي كل ما أعد للتجارة من عقار وسيارات ومواشي وأقمشة وغير ذلك من أصناف المال. والواجب فيها ربع العشر، فيقومها على رأس الحول بما تساوي، ويخرج ربع عشرها، سواء كان أقل من ما اشتراه به أم أكثر أم مساويًا. فأما ما أعده لحياته أو تأجيره من العقار والسيارات والمعدات ونحوها، فلا زكاة فيه، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة». لكن تجب في الأجرة إذا تم حولها. وفي حلي الذهب والفضة لما سبق. هذه مجموعة من المسائل والفوائد في الزكاة. والزكاة لغة مأخوذة من التطهير، وفي اصطلاح أهل العلم: التعبد لله عز وجل بإخراج نسبة مخصوصة من أموال معلومة. وعرفت بتعبيرات أخرى. والأصناف التي تجب فيها الزكاة من الأموال أربعة: الذهب والفضة، وما كان بمعناهما مما فيه معنى الثمنية، كالعملات الورقية المعاصرة. سواء أكانت محسوسة أو معنوية على الصحيح، إن وجدت -كالعملات الإلكترونية المعاصرة إن وجد منها شيء فيه معنى الثمنية-. والقسم الثاني: عروض التجارة، كل ما عُرض للتجارة، فإن فيه معنى الثمنية، فتجب فيه الزكاة. وزكاته زكاة الذهب والفضة، يخرج منها ربع العشر. وللزكاة نصاب وحول، ونصاب الذهب: عشرون دينارًا، وهو ما يعادل خمسة وثمانين جرامًا من الذهب، يخرج إذا بلغ النصاب وحال عليه الحول ربع العشر. ونصاب الفضة: مئتا درهم، وهو ما يعادل خمسمائة وخمسة وتسعين جرامًا من الفضة، يخرج منها كذلك ربع العشر. والعبرة بالوزن وحولان الحول. وهكذا العملات الورقية بأصنافها وأنواعها إذا بلغت النصاب. والصحيح أن نصاب العملات الورقية نصاب الذهب، وليس نصاب الفضة. وفي هذا خلاف بين أهل العلم. ولأن غطاء العملات الورقية كان ذهبًا، وكذلك لأن أصل الأصل في أموال الناس: الحرمة. كان الأحوط والأولى أن يلحق بالذهب، ولا يلحق بالفضة. أما قول من قال من أهل العلم والفضل: أنه يلحق بالفضة؛ لأنه أحظى للفقراء والمساكين، فهذا -والله أعلم- وجه ضعيف؛ لأن النظر إلى حظوة المساكين ليست بأولى من النظر في حرمة مال الأغنياء. والأصل: تقديم المحظور على المبيح. ولأن الأصل في الأموال: الحرمة، فلا نقتحمها إلا بدليل. وليس هناك شيء صريح على الإلحاق بالفضة دون الذهب. فلهذين السببين وغيرهما كان الصحيح من أقوال أهل العلم: إلحاق نصاب العملات الورقية وما يلحق بها من العملات الإلكترونية والأسهم ونحوها بهذا النصاب، وهو نصاب الذهب. وهكذا كذلك زكاة الزروع والثمار على الصحيح في أصناف معدودة، وما يلحق بها. وتفاصيله: بكتب الفقه والحديث وحصاده. وزكاته عند حصاده، يخرج بحسب السقي وعدمه، على تفاصيل معروفة معلومة في كتب الفقه والحديث. وإنما نحن في كتاب مختصر. وقد ذكر الشيخ -رحمه الله- عددًا من الفوائد الاجتماعية والخلقية، وهكذا كذلك الدينية في فرضية هذه الزكاة. فالله عز وجل غني عن أموالنا، وعن خروج المال منها. ولكن فرض ذلك لحكمة من هذه الحكم، ما ذكر في هذه الفوائد من حصول المواساة بين الأغنياء والفقراء، حتى لا يكون المال دولة بين الأغنياء. ومعنى دولة: يعني محصورًا، كما هو حال الكفار. فإن أموالهم بسبب منع الزكاة والصدقة: دولة محصورة فقط بين الأغنياء. أما في الإسلام فالمال يدور من الأغنياء إلى الفقراء: بالصدقة وبالزكاة وبالأوقاف وبغيرها من أبواب الخير والبر الذي شرعه الإسلام. فلذلك حصل من التكافل الاجتماعي والتوازن في النفقات ما عانى على تخفيف مشكلة الفقر. وهذا من محاسن هذا الدين، ومن مواضع جماله وكماله التي كانت سببًا في دخول الكثير من غير المسلمين في دين الإسلام. وهكذا كذلك غيرها من محاسن ومواضع جماله وكمال هذا الدين. وكذلك لأن فيه طهرة للمال ولصاحب المال، وسبب لبركته وزيادته، كما قال الله عز وجل: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: 276]، أي: يربيها ويكثرها ويبارك فيها. ولأنه كذلك ينتفع به صاحبه يوم القيامة. فالمرء في ظل صدقته يوم القيامة. والمال حقيقة ما أنفقه الإنسان، لا ما حفظه في الدنيا. جاء في الصحيح من حديث عائشة -رضي الله عنها- أن النبي صلى الله عليه وسلم تصدق بشاة إلا الكتف، فقال لعائشة -رضي الله عنها-: «بقيت كتفها». قالت: بقيت كتفها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «بل بقيت كلها إلا كتفها». فإن ما أنفق المرء بقي، وما أبقى فني. أو كما قال -عليه الصلاة والسلام-. فبين النبي صلى الله عليه وسلم -وقد أنفق كل الشاة إلا الكتف- وفي هذا تعليم وإرشاد لهذه الأمة أن يكثر الإنسان من الصدقة. فالمرء في ظل صدقته يوم القيامة. فأرشد النبي صلى الله عليه وسلم أن ما أنفقه الإنسان هو الذي يبقى، وما ادخره وانتفع به هو الذي يفنى. فليقدم الذي يبقى على الذي يفنى. وهكذا كذلك من المسائل التي أشار إليها -رحمه الله- أن ما وجب فيه الزكاة هو في الأموال المُعدَّة المقومة. وأما ما ينتفع به الإنسان لنفسه أو لأهله، فليس فيه الزكاة، ولو كان قد بلغ النصاب في ثمنه. فمن كان عنده عقار للسكن، ولو كان بأضعاف أضعاف نصاب الزكاة، لكنه للانتفاع الخاص، فليس فيه الزكاة. وهكذا كذلك ما اتخذه للإيجار، فإنه ليس فيه الزكاة. وإنما الزكاة في المال الذي يخرج من هذا المؤجر إذا بلغ النصاب وحال عليه الحول. وهكذا ما ينتفع به من مركوب، فإنه كذلك ليس فيه الزكاة: سيارة أو طيارة أو سفينة أو أيا كانت، حتى ولو بلغت أثمانها الأموال الطائلة. فإنها ما دامت للانتفاع، فليس فيها صدقة -يعني زكاة- لقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما جاء في صحيح مسلم وغيره: «ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة». أي: فيما ينتفع به، فليس عليه صدقة. بخلاف إذا كان للاتجار، فإن فيه زكاة عروض التجارة. أو كان من بهيمة الأنعام. وهذا الصنف الرابع مما تجب فيه الزكاة. ففيه زكاة بهيمة الأنعام. وبهيمة الأنعام: الغنم بفرعيها: المعز والضأن، والبقر بفروعها: الجاموس والبقر وغيرها، والإبل كذلك. كل هذه فيها الزكاة بأنصبة معروفة، وكذلك قيود وشروط ذكرت في كتب الفقه والحديث على وجه التفصيل، ليس مجال ذكرها وتفصيلها في مثل هذا المقام. وخلاصة الأمر أن الواجب على المسلم أن يحرص على أن يخرج الزكاة؛ ليحفظ نفسه وماله، وكذلك لينال الأجر والثواب. ونبه الشيخ -وهنا- على شيء مهم، وهو زكاة الحلي. وأن الصحيح في حلي المرأة أن فيه الزكاة، ولو كان ملبوسًا أو كان معارًا. لما صح من الحديث المشار إليه في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده في قصة المرأة وابنتها، كان عندها مسكتان غليظتان، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أتعطين أو تؤدين زكاة هذا؟» قالت: لا. قال: «أيسرك أو في رواية: تحبين أن يسورك الله بهما بسوارين من نار؟» فقالت: هما لله ورسوله. أي: تصدقت بهما. فدل على أن الملبوس إذا بلغ النصاب وحال عليه الحول، ففيه الزكاة. قال الشيخ -عليه رحمة الله-: الفصل السابع في أهل الزكاة. أهل الزكاة هم الجهات التي تصرف إليها الزكاة، وقد تولى الله تعالى بيانهم بنفسه، فقال: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: 60]. فهؤلاء ثمانية أصناف: الأول: الفقراء، وهم الذين لا يجدون من كفايتهم إلا شيئًا قليلًا دون النصف. فإذا كان الإنسان لا يجد ما ينفق على نفسه وعائلته نصف سنة، فهو فقير، فيعطى ما يكفيه وعائلته سنة. الثاني: المساكين، وهم الذين يجدون من كفايتهم النصف فأكثر، ولكن لا يجدون ما يكفيهم سنة كاملة، فيكمل لهم نفقة السنة. وإذا كان الرجل ليس عنده نقود، ولكن عنده موارد أخرى من حرفة أو راتب أو استغلال يقوم بكفايته، فإنه لا يعطى من الزكاة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب». الثالث: العاملون عليها، الذين يوكلهم الحاكم العام للدولة بجبايتها من أهلها وتصريفها إلى مستحقيها وحفظها ونحو ذلك من الولاية عليها، فيعطون من الزكاة بقدر أعمالهم، وإن كانوا أغنياء. الرابع: المؤلفة قلوبهم، وهم رؤساء العشائر الذين ليس في إيمانهم قوة، فيعطون من الزكاة ليقوى إيمانهم، فيكونوا دعاة للإسلام، وقدماء صالحين. وإذا كان الإنسان ضعيفًا في الإسلام، ولكن ليس من الرؤساء المطاعين، بل هو من عامة الناس، فهل يعطى من الزكاة ليقوى إيمانه؟ يرى بعض العلماء أنه يعطى؛ لأن مصلحة الدين أعظم من مصلحة البدن. وها هو إذا كان فقيرًا يعطى لغذاء بدنه، فغذاء قلبه بالإيمان أشد وأعظم نفعًا. ويرى بعض العلماء أنه لا يعطى؛ لأن المصلحة من قوة إيمانه مصلحة فردية خاصة به. الخامس: الرقاب، ويدخل فيها شراء الرقيق من الزكاة واعتاقه، ومعاونة المكاتبين، وفك الأسرى من المسلمين. السادس: الغارمون، وهم المدينون إذا لم يكن لهم ما يمكن أن يوفوا منه ديونهم، فهؤلاء يعطون ما يوفون به ديونهم، قليلة كانت أو كثيرة، وإن كانوا أغنياء من جهة القوت. فإذا قدر أن هناك رجلًا له مورد يكفي لقوته وقوت عائلته، إلا أن عليه دينًا لا يستطيع وفاءه، فإنه يعطى من الزكاة ما يوفي به دينه. ولا يجوز أن يسقط الدين عن مدينه الفقير، وينويه من الزكاة. واختلف العلماء فيما إذا كان المدين والدًا أو ولدًا، فهل يعطى من الزكاة لوفاء دينه؟ والصحيح: الوجوب، ويجوز لصاحب الزكاة أن يذهب إلى صاحب الحق ويعطيه حقه، وإن لم يعلم المدين بذلك، إذا كان صاحب الزكاة يعرف أن المدين لا يستطيع الوفاء. السابع: في سبيل الله، وهو الجهاد في سبيل الله، فيعطى المجاهدون من الزكاة ما يكفيهم لجهادهم، وتشترى من الزكاة آلات للجهاد في سبيل الله. ومن سبيل الله: العلم الشرعي، فيعطى طالب العلم الشرعي ما يتمكن به من طلب العلم: من الكتب وغيرها، إلا أن يكون له مال يمكنه من تحصيل ذلك به. الثامن: ابن السبيل، وهو المسافر الذي قطع به السفر، فيعطى من الزكاة ما يوصله لبلده. فهؤلاء هم أهل الزكاة الذين ذكرهم الله تعالى في كتابه، وأخبر بأن ذلك فريضة منه، صادرة عن علم وحكمة. والله عليم حكيم. ولا يجز صرفها في غيرها، كبناء المساجد وإصلاح الطرق؛ لأن الله ذكر مستحقيها على سبيل الحصر، والحصر يفيد نفي الحكم عن غير المحصور فيه. وإذا تأملنا هذه الجهات عرفنا أن منهم من يحتاج إلى الزكاة نفسه، ومنهم من يحتاج المسلمون إليه. وبهذا نعرف مدى الحكمة في إيجاب الزكاة، وأن الحكمة منه: بناء مجتمع صالح متكامل متكافئ بقدر الإمكان. وإن الإسلام لم يهمل الأموال، ولا المصالح التي يمكن أن تبنى على المال، ولم يترك للنفوس الجشعة الشحيحة الحرية في شحها وهواها. بل هو أعظم موجه للخير، ومصلح للأمم. والحمد لله رب العالمين. جعل شيخنا -رحمه الله- هذا الفصل في ذكر أهل الزكاة. وأهل الزكاة هم الأصناف الذين تصرف لهم الزكاة، ويدخل في هذه الأصناف من كان بمعنى هؤلاء. وهم ثمانية أصناف، جاء ذكرهم في الآية في سورة التوبة: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: 60]. الفقراء هم الذين لا يجدون كفايتهم في يومهم وليلتهم. والمسكين الذي لا يجد ما يكفيه في سنته. وكذلك يلحق بهؤلاء من باب أولى المعدمين من ليس عنده شيء. فكل هؤلاء يستحقون الزكاة على تفاوت حاجتهم واستحقاقهم. ويعطون من الزكاة ما يكفيهم لسنة كاملة. هكذا شرع الإسلام أن يعطى هؤلاء من الزكاة. وليس يوزع من الزكاة ما يسد اللقمة واللقمتين. وإنما يعطون ما يكفيهم فيغنيهم عن السؤال. وينبغي أن يتتبع من المساكين والفقراء من يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف، وليس من يسأل الناس أعطوه ومنعوه. وإنما يتتبع أمثال هؤلاء أهل التعفف الذين هم أولى بمثل هذه الزكوات والصدقات. وهكذا كذلك العاملون على هذه الزكاة، سواء أكان هذا العامل فقيرًا أو غنيًا؛ لأنه يأخذ أجرة عمله. وأجرة عمله تعطى من مال الزكاة ما دام يعمل في مصلحة الزكاة. سواء أكان هذا العامل كاتبًا أو محاسبًا أو مديرًا أو جامِعًا أو سائقًا، أيا من كان. كل من كان يعمل في مصلحة الزكاة في جمعها أو صرفها أو حفظها أو حسابها أو غير ذلك، فإنهم يعطون من الزكاة. وهذا لأجل أن تقوم هذه المصلحة: مصلحة الزكاة. والدخل الخاص بالصدقة بنفسها، فلا تكون عبئًا على أي جهة من الجهات. بل تقوم بنفسها. وهذا من محاسن هذا الدين في الترتيب الإداري ومحاربة الفساد المالي. وهذا موضع من مواضع كثيرة من محاسن هذا الدين ومواضع كماله وجماله. وهكذا كذلك الرابع: المؤلفة قلوبهم، الذين يؤلفون على هذا الدين. وهم ثلاثة أقسام: قسم منهم يؤلفون لدفع شرهم؛ حتى لا يعتدي هؤلاء على المسلمين، سواء في بلاد الإسلام أو من كان من المسلمين في بلاده هو -أي هذا الكافر- فيؤلف؛ حتى يفسح المجال لأهل الإسلام، فلا يظلمهم أحد ولا يبغي عليهم أحد. فلو كان هناك ملك أو دولة كافرة تعطى من المال من باب المساعدات الإنسانية والمشاريع الخدمية في بلادهم من قبل بلاد الإسلام؛ لأجل أن تكون لهذه البلدة المسلمة حظوة عند ذلك البلد الكافر، وتكون لهم كلمة ويكون لهم نفوذ بأن يقيموا المصالح للمسلمين في بلاد الكافرين ممن لا يستطيع أن يرحل إلى بلاد الإسلام -كالمستضعفين والقلة في بلاد الكفار- كان هذا كذلك من التأليف. ويدخل في هذا المعنى: فقد نص العلماء أن من المؤلفة من يعطى لدفع شره: كرؤوس القبائل ورؤوس الكفار ونحوهم ممن ليسوا بمسلمين. والقسم الثاني: من يرجى إسلامه، فيعطى ترغيبًا لدخوله في الإسلام. وسواء أكان هذا للزعماء والوجهاء أو كان للأفراد على القول الصحيح. وقد أشار الشيخ إلى الخلاف، ولكن الصحيح أن الحكم يدور مع علته: وجودًا وعدمًا. فما نرجوه للوجهاء نرجو مثله لهؤلاء الضعفاء. بل ربما بعض الضعفاء يكون دخوله منفعته أعظم من منفعة أولئك الوجهاء. بعض الناس يسلم فيكون بعد إسلامه سببًا في إسلام المئات، بل ربما الآلاف؛ بما يكون من جده واجتهاده بعد أن يعرف محاسن هذا الدين العظيم. فيندفع بقوة ونشاط لدعوة غيره إلى الإسلام. والصنف الثالث من أصناف المؤلفة: ما يوضع في الأموال العامة؛ لأجل الدعوة إلى هذا الدين والتأليف عليه في بلاد الكفار: من المكتبات العامة والصدقات الجارية والمنافع الإنسانية التي تكون بأيدي المسلمين -كالمستشفيات ومواضع الخدمات-. فهذا كذلك -على الصحيح- يدخل في باب التأليف؛ لأن الكفار يتأثرون بمثل هذا تأثرًا عظيمًا. فإذا عالجت لهم مريضًا أو ساعدت فقيرًا، فإنهم يجلون ويحفظون هذا الإحسان. فيكون سببًا في إسلام الكثير. والخامس: الرقاب، ويدخل فيها شراء الرقيق ومن كان بمعنى هؤلاء ممن تعتق رقابهم وتفك كذلك ديونهم -كالأسرى والمسجون الذي سجن بسبب دينه على الصحيح-. فهؤلاء تفك رقابهم بسداد ديونهم وفك أسرهم، إن كان مأسورًا أو كان عليه دية كذلك على الصحيح. يلحق بهؤلاء. ومن هؤلاء من يحتاجون إلى اعتاق من أهل التجارة الذين دخلوا في تجارة البشر في زماننا المعاصر. فإن الكثير منهم ينتظرون من يعتقهم. فيوجد من الفقراء من يتاجر فيهم بعض هؤلاء الظلمة والوحوش البشرية التي تتاجر بمعظم الضعفاء من النساء والأطفال. يشترونهم من البلاد الفقيرة، لكن بغير اسم الشراء: تارة باسم التبني تحت المسميات الشخصية أو المؤسسات الخيرية. ثم يؤخذون ويكون ذلك سببًا في كفرهم واستغلالهم في تجارة البشر. بعضهم ربما تسرق منه أعضاؤه ويتجر به. وبعضهم ربما يرمى في الحانات وأماكن الفساد، فيستخدمون النساء والأطفال في الفساد والشر. فأمثال هؤلاء واعتاقهم وإخراجهم من تلك الدوامة من أموال الزكاة يعد كذلك داخلًا في اعتاق الرقاب. والسادس: الغارمون، ويدخل فيهم كل أصحاب الديون ممن يصح فيهم أنهم أصحاب الديون بجميع أصنافهم. والسابع: في سبيل الله. وقد ذكر الشيخ -رحمه الله- أنه يتناول قسمين: ما كان بالسيف السنان، أو كان بالحجة والبرهان -وهو العلم-. فإن العلم الشرعي من الجهات في سبيل الله. وينضاف إلى ذلك قسم ثالث: وهو الحج في سبيل الله. فقد سماه النبي صلى الله عليه وسلم أنه سبيل الله في تلك المرأة التي اشترى لها زوجها ناقة، فأرادت أن تحج به، وأراد أن يجاهد به، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يحج معها. فقال: «يا رسول الله، قد جعلته في سبيل الله». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «والحج من سبيل الله». فإعانة من لا يستطيع الحج يعتبر من سبيل الله. يجوز أن يعطى من لم يحج حجة الإسلام من كان فقيرًا من الزكاة. فيكون ذلك من سبيل الله بنص حديث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهكذا يلحق بهؤلاء من كان بمعنى هؤلاء. فإن الشرع لا يجمع بين مُفرَّق كما لا يفرق بين مجتمع. وهذا من محاسن هذا الدين وموضع جماله وكماله. إلى هنا والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. وإن شاء الله الفصل الأخير نكمله بعد الصلاة.