الدرس في التعليق على فصول في الصيام والتراويح والزكاة للعلامة العثيمين 3، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يبدأ الدرس بالتعليق على رسالة فصول في الصيام والتراويح والزكاة، حيث يتناول مفسدات الصوم وهي سبعة: الجماع، إنزال المني، الأكل والشرب، ما كان بمعنى الأكل والشرب، إخراج الدم بالحجامة، التقيؤ عمداً، خروج دم الحيض والنفاس. وأوضح شروط مفسدات الصوم وأحكامها.
يتناول المقطع أقسام المفطرات وآراء أهل العلم في الحجامة والتقيؤ عمداً وخروج دم الحيض والنفاس، مشيراً إلى شروط لثبوت الحكم وهي العلم بالحكم والوقت والذكر وعدم الإكراه.
صلاة التراويح سنة نبوية، عدد ركعاتها إحدى عشرة أو ثلاثة عشر ركعة، ويجوز الزيادة، لكن مع الحفاظ على الطمأنينة وعدم الإسراع. يُشترط حضور النساء باحتشام وأمان من الفتنة.
يتناول المقطع أحكام الصيام والصلاة في رمضان، بما في ذلك الاعتكاف، وقيام الليل، والنية في الصيام، وأحكام عيد الفطر وعيد الأضحى، ويجيب على أسئلة تتعلق بصحة الصلاة في حالات معينة.
درس فضيلة شيخنا العلامة أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي حفظه الله في التعليق على رسالة فصول في الصيام والتراويح والزكاة للعلامة الفقيه محمد بن صالح العثيمين رحمه الله. مر معنا في الدرس الماضي ما ذكره شيخنا العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى في كتابه فصول في الصيام والتراويح والزكاة. ومر معنا ثلاثة فصول فيما يتعلق بهذه الأحكام. ونقرأ اليوم إن شاء الله في الفصل الثالث. بسم الله الرحمن الرحيم. الفصل الرابع. قال الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين عليه رحمة الله: الفصل الرابع في مفسدات الصوم وهي المفطرات. مفسدات الصوم سبعة: أحدها الجماع، وإيلاج الذكر في الفرج. فمتى جامع الصائم فسد صومه. ثم إن كان في نهار رمضان والصوم واجباً عليه لزمه الكفارة المغلظة لفحش فعله، وهي عتق رقبة. فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين. فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينة. فإن كان الصوم غير واجب عليه كالمسافر يجامع زوجته وهو صائم فعليه القضاء دون الكفارة. الثاني: إنزال المني بمباشرة أو تقبيل أو ضم أو نحوها. فإن قبل ولم ينزل فلا شيء عليه. الثالث: الأكل والشرب، ووصل الطعام أو الشراب إلى الجوف. سواء كان عن طريق الفم أو عن طريق الأنف. أي كان نوع المطعوم أو المشروب. ولا يجوز للصائم أن يستنشق دخان البخور حيث يصل إلى جوفه؛ لأن الدخان جرم. وأما شم الروائح الطيبة فلا بأس به. الرابع: ما كان بمعنى الأكل والشرب، مثل الإبرة المغذية التي يستغنى بها عن الأكل والشرب. فأما غير المغذية فلا تفطر، سواء كانت عن طريق الوريد أو العضل. الخامس: إخراج الدم بالحجامة. وعلى قياسه إخراجه بالفصد ونحوه مما يؤثر على البدن كتأثير الحجامة. فأما إخراج الدم اليسير للفحص ونحوه فلا يفطر؛ لأنه لا يؤثر على البدن من الضعف تأثير الحجامة. السادس: التقيؤ عمداً، وهو إخراج ما في المعدة من قئ أو شراب. السابع: خروج دم الحيض والنفاس. وهذه المفسدات لا تفطر الصائم إلا بثلاثة شروط: أحدها أن يكون عالما بالحكم وعالما بالوقت. الثاني أن يكون ذاكرا. الثالث أن يكون مختارا. فلو احتجم وهو يظن أن الحجامة لا تفطر فصومه صحيح؛ لأنه جاهل بالحكم. وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾، وقال تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾، فقال الله: «قد فعلت». وفي الصحيحين عن عدي بن حاتم رضي الله عنه أنه جعل عقالين أسود وأبيض تحت وسادته، فجعل يأكل وينظر إليهما. فلما تبين أحدهما من الآخر أمسك عن الأكل؛ يظن أن ذلك معنى قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾. ثم أخبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال له صلى الله عليه وسلم: «إنما ذلك بياض النهار وسواد الليل». ولم يأمر بالإعادة. ولو ظن أن الفجر لم يطلع أو أن الشمس قد غربت ثم تبين خلاف ظنه فصومه صحيح؛ لأنه جاهل بالوقت. وفي صحيح البخاري عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: «أفطرنا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم في يوم غيم ثم طلعت الشمس». ولو كان القضاء واجباً لبينه صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله أكمل به الدين. ولو بينه صلى الله عليه وسلم لنقله الصحابة؛ لأنهم أكثر بحفظ الدين. فلما لم ينقله الصحابة علمنا أنه ليس بواجب؛ لأنه مما توفر الدواعي على نقله لأهميته، فلا يمكن إغفاله. ولو أكل ناسياً أنه صائم لم يفطر؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه؛ فإنما أطعمه الله وسقاه» متفق عليه. ولو أكل أو تمضمض فتهرب الماء إلى بطنه، أو قطر في عينه فتهرب القطرة إلى جوفه، أو احتلم فأنزل منياً فصومه صحيح في ذلك كله؛ لأنه بغير اختياره. ولا يفطر الصائم بالسواك؛ بل هو سنة له ولغيره في كل وقت، في أول النهار وآخره. ويجوز للصائم أن يفعل ما يخفف عنه شدة الحر والعطش، كالتبرد بالماء ونحوه. فإن النبي صلى الله عليه وسلم «كان يصب الماء على رأسه وهو صائم من العطش». و«بل ابن عمر رضي الله عنهما ثوباً فألقاه على نفسه وهو صائم». جعل شيخنا رحمه الله تعالى هذا الفصل في الكلام على مفسدات الصوم، وقد قسمها رحمه الله تعالى إلى خمسة أقسام في سبعة أنواع. ومفسدات الصوم: القسم الأول: ما يوجب الكفارة المغلظة، وهو الجماع عامداً. فمن جامع عامداً فإنه تجب عليه الكفارة المغلظة من القضاء، وصيام شهرين متتابعين. فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً كما صحت بذلك الأحاديث. وقبل ذلك عتق رقبة، لكن اليوم لا توجد رقاب. كما في حديث أبي هريرة في الصحيحين في قصة الرجل الذي جاء مع أهله في نهار رمضان، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «هلكت يا رسول الله». وفي رواية: «احترقت». فقال: «ما أهلكك؟» قال: «جامعت أهلي في نهار رمضان». فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم أن يعتق رقبة، فقال: «والله يا رسول الله لا أملك إلا رقبتي». يعني أنه إنسان فقير ما عنده شيء. فأمره أن يصوم شهرين متتابعين، فقال: «يا رسول الله هل وقعت فيما ووقعت إلا من الصيام؟» يعني: كيف يصبر على صيام شهرين متتابعين؟ فأمره أن يطعم ستين مسكيناً، فقال: «والله ما بين لا بتيها لبيت أفطر من أهل بيتي». أو كما قال للنبي عليه الصلاة والسلام. فجاء رجل بعذق فيه تمر، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يطعمه. فعندها قال: «والله ما بين لا بتيها -يعني طرفي المدينة- أهل بيت أفطر من أهل بيتي». فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: «اطعموا أهلكم» الحديث. فالشاهد أن الكفارة المغلظة بهذا التفصيل لمن جامع أهله في نهار رمضان عامداً. والجماع: هو إيلاج الذكر في الفرج. أما إذا حصلت مباشرة من دون إيلاج -أي من دون تغييب الحشفة- فإنه لا يكون هذا الحكم المغلظ، وإنما يكون الحكم الذي سيأتي بعده. كما أنه إذا وقع على وجه الخطأ أو النسيان، فإنه عفو. نعم ممكن أن يقع الخطأ والنسيان، وقت النوم خصوصاً في أول يوم من رمضان؛ فإن من الناس من ينسى أنه في رمضان خصوصاً في وقت النوم. فإذا وقع والله أعلم بما في القلب وأعلم بالنيات فإنه عفو؛ كما أنه يعفى عن الأكل والشرب على الصحيح ناسياً. فكذلك يعفى عن هذا إذا كان ناسياً. وإذا كان لم يقع إيلاج، ولكن حصل إنزال بعمد، فهنا يكون الحكم الثاني. والقسم الثاني: وهو القضاء فقط، يقضي يوماً مكانه مع التوبة من هذه المعصية؛ لأنه عصى الله عز وجل بتعمد فطره. والدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة في الصحيح: «يضع طعام وشراب وشهوته من أجلي». والشهوة: منها الإنزال. وأما القسم الثالث: فهو الأكل والشرب، فالأكل والشرب وكل ما يدخل في معناه إذا تعمد ذلك فإنه يأثم وعليه القضاء، بخلاف ما إذا أخطأ أو نسي أو أكره؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» حديث صحيح رواه في السنن وغيرهم بسند حسن. وذكر الشيخ أنه سواء دخل من الفم أو من الأنف أو من غيره، وسواء كان سائلاً مشروباً أو مأكولاً أو رائحة دخان. وسواء كان الدخان من الأنف كالبخور واستنشاقه، أو الدخان كالسجائر بكل أنواعها، ومنها السجائر الإلكترونية؛ كذلك تدخل في هذا الحكم؛ فهي من المفطرات. أما الروائح التي ليس لها جرم وتشم عن بعد فلا بأس؛ كالطيب أو دخان الطبخ عن بعد، فهذا لا يضر. لكن لا ينبغي أن يتساهل فيقترب فيدخل الرائحة إلى جوفه؛ مثل الرائحة الفواحة لا يجعل الإنسان أنفه في رائحة الفواحة التي تخرج البخار مع الريح الطيبة، وهكذا كذلك بخار الطبخ. وما كان بمعنى الأكل والشرب. وأما القسم الرابع: ذكره شيخنا هنا ما كان بمعنى الأكل والشرب، كالإبر المغذية التي تقوم مقام الأكل والشرب. وهي تدخل في القسم الثالث؛ لأنها بمعنى الطعام والشراب. وأما القسم الخامس: فهو ما أفطر بالحجامة. وقد اختلف أهل العلم في الحجامة، والراجح من أقوال أهل العلم أن الحجامة إذا أضرت بالصائم فإنه يفطر؛ لأجل الضرر. أو إذا دخل إلى جوف الحاجم إذا كان يمص بالقرن أو نحوه فإنه يفطر؛ لأجل ما دخل. وحديث «أفطر الحاجم والمحجوم» فيه خلاف. ومن صححه حمله على القول الراجح أنه مظنة الفطر وليس أنه يفطر؛ بدليل حديث ابن عباس في البخاري وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو صائم وهو محرم. فدل هذا الحديث على أن الحجامة على القول الصحيح إذا كانت لا تضر بالصائم أنها لا تفطر. لكن إذا كانت تضر فإنه يفطر؛ مثلها مثل غيرها مما يضر. وأما السادس الذي هو الخامس، ويدخل هذا بعضهم يدخله فيما قبله: التقيؤ عمداً. وفيه خلاف، فيكون هذا القسم فيما اختلف فيه. فالصحيح من أقوال أهل العلم أن حديث أبي هريرة الوارد في هذا لم يصح. فيما تعمد القيء أنه يفطر. ومن ذراه القيء ليس عليه شيء. ولكن الصحيح أنه يكره. وإذا دخل بسبب تعمده هذا فإنه يفطر؛ دخل شيء من القيء إلى جوفه. أو إذا تعب وخشي على نفسه الضرر فإنه يفطر؛ لأجل الضرر. وليس هناك شيء صحيح صريح يدل أنه يفطر بذلك إلا في أحد صورتين: الصورة الأولى: يدخل شيء منه إلى الجوف. أو يضر به فيضعف. وأما السابع الذي هو الخامس: فخروج دم الحيض والنفاس؛ فالحائض والنفساء لا تصوم كما جاء في حديث عائشة وغيرها في الصحيح. ومن حديث أبي سعيد؛ لأن هذا مانع من موانع الصلاة والصيام، وجود مانع من موانع الصيام وهو دم الحيض أو النفاس. ثم ذكر الشيخ ورحمه الله شروط لثبوت هذا الحكم، وهي ثلاثة: أن يكون عالما بالحكم والوقت، أن يكون ذاكرا -يعني ليس ناسياً- أن يكون مختاراً -يعني ليس مجبراً ومكرها-. وهذه الثلاثة ذكرت في الحديث المتقدم: حديث ابن عباس وغيره، «جامعنا» من حديث علي: «إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه». وفي رواية: «وضع» وهو حديث حسن بمجموع طرقه. واستدل على ذلك بعمومات الأدلة: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال الله عز وجل: «قد فعلت». كما في صحيح مسلم، الحديث ابن عباس وغيره. وكذلك بقوله: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾. وبحديثين في قضيتين مختلفتين: عدي بن حاتم أخطأ حين فهم فهماً خاطئاً في مسألة الخيط الأبيض من الأسود، فبين له النبي صلى الله عليه وسلم أنه الخيط الأبيض من الأسود هو الصبح والليل، وليس الخيط المعتاد. ولهذا نزل بعد ذلك قوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾. فلم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالإعادة؛ مع أنه قعد يأكل حتى رأى الفرق بين الخيطين -يعني قد ظهر الصبح بسبب الجهل والخطأ- فالجهل والخطأ عذر. وكذلك في حديث أسماء بنت أبي بكر: «أفطروا قبل غروب الشمس؛ لأنه كان يوم غيم». فأخطأوا؛ إلا أنه يستثنى من هذه الثلاث -أو من الأول والثاني- إذا لم يكن هناك تفريط. ومن الثالث -ومن الثالث- إذا لم يكن الإكراه ملجئاً -يعني مثلاً إذا هُدد تهديداً وقال: «أنا مكره» فأفطر- فهل يكون معذوراً؟ لا، بخلاف ما إذا أكره فكسر وأكل فإنه يكون معذوراً. وكذلك الأول: فرق بين من يخطئ وقد بذل الوسع، وبين من يتعمد الخطأ. إنسان قام من النوم قريب الفجر، يشعر بعطش ما يريد ينظر الساعة، على طول إلى الثلاجة يفتح الثلاجة يأكل ويشرب كل شيء، ثم ينظر إلى الساعة، ثم يسأل: «يا شيخ قمت من النوم وفتحت الثلاجة وأكلت، بعدين تبين لي أن الفجر قد طلع» هل هذا السؤال صحيح؟ ليس صحيح؛ فيه تدليس؛ لأنه يستطيع أن ينظر إلى الساعة. لكن تعمد أن لا ينظر إلى الساعة إلا بعد أن يأكل ويشرب، هذا مفرط أم لا؟ غير مفرط؟ مفرط. بخلاف من قام ونسي أمر الساعة، وظن أن الوقت لم يدخل، أو الجوال في بعض البلدان إذا سافرت يبقى على التوقيت القديم، فنظر إلى الساعة ظن أن الوقت باقي فأكل، ثم تبين أن هذه المدينة هل أذان يؤذن قبل مدينته؟ وهنا معذور. نظر إلى الساعة بدل الجهد، نظر يريد يسمع أذان ما في أذان، فهذا معذور. فالأمر يختلف. وباقي ما ذكره رحمه الله واضح. ومن ذلك أن بعض المباحات من التبريد ونحوه قد ثبت مرفوعاً وموقوفاً، فلا حرج فيه. قال الشيخ عليه رحمة الله: الفصل الخامس في التراويح. التراويح: قيام الليل جماعة في رمضان. ووقتها من بعد العشاء إلى طلوع الفجر. وقد رغب النبي صلى الله عليه وسلم في قيام رمضان؛ حيث قال: «من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه». وفي صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قام ذات ليلة في المسجد، فصلى بصلاته ناس، ثم صلى من القابلة فكثر الناس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة والرابعة فلم يخرج إليهم. فلما أصبح قال: «قد رأيتم وصنعتم؛ فلم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفرض عليكم». وذلك في رمضان. والسنة أن يختصر على إحدى عشرة ركعة؛ يسلم من كل ركعتين؛ لأن عائشة رضي الله عنها سئلت: كيف كانت صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان؟ فقالت: «ما كان يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة». و«بات» عليه. وفي الموطأ عن محمد بن يوسف -وثقه ثابت- عن السائب بن يزيد، ومصحابي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمر أبي بن كعب وتميماً الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة. وإن زاد على إحدى عشرة ركعة فلا حرج؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن قيام الليل، فقال: «مثنى مثنى؛ فإذا خشي أحدهم الصبح صلى ركعة واحدة تؤتر له ما قد صلى». أخرجه في الصحيحين. لكن المحافظة على العدد الذي جاءت به السنة، مع التأني والتطويل الذي لا يشق على الناس أفضل وأكمل. وأما ما يفعله بعض الناس من الإسراع المفرط فإنه خلاف المشروع. فإن أدى إلى الإخلال بواجب أو ركن كان مبطلاً للصلاة. وكثير من الأئمة لا يتأنى في صلاة التراويح، وهذا خطأ منهم؛ فإن الإمام لا يصلي نفسه فقط، وإنما يصلي لنفسه ولغيره؛ فهو كالولي يجب عليه فعل الأصلح. وقد ذكر أهل العلم أنه يكره للإمام أن يسرع سرعة تمنع المأمومين فعل ما يجب. وينبغي للناس أن يحرصوا لإقامة هذه التراويح، وأن لا يضيعوها بالذهاب من مسجد إلى مسجد؛ فإنما قاموا مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة. وإن نام بعد على فراشه. ولا بأس بحضور النساء صلاة التراويح، ولا بأس بحضور النساء صلاة التراويح إلى أمن الفتنة؛ بشرط أن يخرجن محتشمات غير متبرجات بزينة ولا متطيبات. جعل شيخنا رحمه الله تعالى هذا الفصل -وهو خاتمة الفصول المتعلقة بشهر رمضان- في صلاة التراويح. وصلاة التراويح سميت كذلك؛ لأن الصلاة كانت طويلة فيتروح الناس فيها. قيل: يتروحون بالجلوس بين كل ركعتين أو بين كل أربع. وقيل: يتروحون من طول القيام بتبديل الاتكاء على الأرجل تارة على الرجل اليمنى وتارة على الرجل اليسرى. وكله صحيح وكله فعل ووقع. ولا يزال يقع مثل ذلك. وأصل صلاة التراويح هي صلاة الليل؛ إلا أنها في رمضان أوكد وتشرع جماعة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم هو من سنها أول الأمر، فصل بهم ثلاثة ليال في زمانه عليه الصلاة والسلام في رمضان، ثم كره أن تفرض عليهم لما رآهم اجتمعوا فترك الصلاة؛ خشية أن تفرض عليهم. فلما مات النبي صلى الله عليه وسلم صار الناس يصلونها جماعات متفرقة. لما كان من فعلهم ذلك مع النبي صلى الله عليه وسلم في زمن أبي بكر. ولما كان زمن أبي بكر وخلافته ليست طويلة؛ فهي أقل من ثلاث سنوات، قدر سنتين ونصف تقريباً. ثم حصلت حروب الردة، فانشغل الناس. ففي عهد عمر رضي الله عنه استمروا على ذلك، فرآهم عمر ورأى أن يجمعهم على إمام واحد، فاجتمعوا، فقال قولته المشهورة: «نعمة البدعة هذه». أي: مراده البدعة اللغوية، ليست البدعة الشرعية -أي ما بدأوه-. وإلا فأصل الصلاة صلاها النبي صلى الله عليه وسلم. وهي صلاة الليل. فاجتمعوا كما ذكر الشيخ رحمه الله هنا؛ جمعهم على خيار الصحابة يصلون بالناس ويتناوبون: أبي وتميم، وجمع من خيار الصحابة. أمرهم أن يصلوا على الصحيح إحدى عشرة ركعة. ولم يثبت أنه أمرهم عشرين ركعة أو ثلاثة وعشرين ركعة؛ لم يصح على القول الصحيح من أقوال أهل العلم. بل جاء في حديث عائشة في الصحيحين: «ما زاد رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة». وفي حديث ابن عباس أنه صلى ثلاثة عشر ركعة؛ لكن له سبب؛ وهو أنه قام من النوم فصلى ركعتين خفيفتين، ثم شرع في إحدى عشرة ركعة. وفي حديث أبي هريرة الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فيمن قام من نومه أن يصلي ركعتين خفيفتين قبل أن يشرع في صلاة الليل». فإذن: يستحب لمن قام من النوم أن يصلي ركعتين خفيفتين؛ لماذا؟ حتى تنعقد العقدة الثالثة التي يعقدها الشيطان. فعند ذلك يدخل إلى صلاة الليل وهو نشيط. فهو نشيط. فيجوز صلاة الليل أن تصلي إحدى عشرة ركعة أو ثلاثة عشر ركعة. والأمر في هذا واسع. بل إذا زاد عن إحدى عشرة أو ثلاثة عشر هل جائز؟ الصحيح أنه جائز؛ لكنه خلاف الأفضل والأكمل. الأفضل والأكمل: قليل فيه خشوع وتدبر، وكذلك طمأنينة. ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يزيد على إحدى عشرة ركعة أو ثلاثة عشر ركعة. وهذا الذي فعله الصحابة رضي الله عنهم أرضاهم. فمن زاد لا بأس؛ ولكنه خلاف الأفضل؛ بشرط أن لا يخرج عن أصل الاطمئنان الذي يؤدي فيه الواجب. ثم ذكر الشيخ رحمه الله بعض الأخطاء التي يقع فيها بعض المصلين، وهذا كثير وللأسف في بعض مساجد عوام الناس؛ أنهم يعجلون بالصلاة ويخلون بأركان هذه الصلاة؛ حتى إن أحدنا إذا صلى معهم ما يستطيع يقرأ الفاتحة خلفهم، ولا يستطيع يسبح تسبيحة تجري وراءه، ولا تدرك وتسمع القراءة. «الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر» سلام عليكم رحمة الله سلام عليكم، واللي بعدها والركعة اللي بعدها على طول. وهذا لا شك أنه منافي للمقصود من هذه الصلاة؛ المقصود من هذه الصلاة حصول التدبر والخشوع والطمأنينة ودخول التقوى وغير ذلك من المعاني التي لا يحصل بها هذه العجلة. وكذلك من باب أولى أن تضاف لها بعض البدع والأمور الأخرى؛ وهذا خطأ وأعظم من هذا ما يفعله بعض أهل المذاهب؛ يصلي ويشرب الماء داخل الصلاة، موجود تظن هذا غير موجود، هذا موجود وخصوصاً في رمضان تجدهم على هذا الحال؛ وهذا خطأ فاحش. فالصلاة لا يصلح فيها شيء من أمر الناس، ومنه الأكل والشرب. ثم ذكر الشيخ رحمه الله تعالى أمراً آخر؛ وهو أن يحرص على الصلاة في المساجد؛ لأن الصلاة في المسجد أعون للإنسان أن يكون متما لها إلى آخرها. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن «من صلى مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة كاملة». ولهذا قال من قال من أهل العلم: إذا خير الإنسان بين أن يصلي مع الإمام حتى ينصرف فيداوم على ذلك، أو يصلي في بيته ويداوم على ذلك؛ قال أهل العلم: صلاته مع الإمام أفضل؛ لأنه يكتب له قيام ليلة كاملة. فإذا كان في بيته صلاة جماعة أخرى، وفي آخر الليل فصلاة آخر الليل أفضل من صلاة أول ليل؛ كما جاء في صحيح مسلم عن عمر رضي الله عنه قال: «والذين ينامون عنها خير من الذين يحضرونها». من الذين ينامون عنها الذين يصلون في آخر الليل. وكان أبي وتميم يصلون في أول الليل؛ يصلون في أول الليل. يعني: معناها الذين يؤخرون الصلاة إلى آخر الليل أفضل من الذين يصلون في أول الليل. وأشار الشيخ أخيراً إلى مسألة كذلك مهمة؛ وهي أن صلاة النساء وحضورهن في صلاة التراويح مشروع؛ وقد قال عليه الصلاة والسلام: «لا تمنع إماء الله مساجد الله؛ ولكن بشرط أن تأمن الفتنة». ولا يكون تبرج ولا سفور ولا غير ذلك؛ كما ذكر الشيخ رحمه الله تعالى من شروط حضور النساء. وأخيراً: يشرع في آخر رمضان الاعتكاف بوصفه المعروف العشر الأواخر. والاعتكاف فعله النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله عنهم. والغرض منها التفرغ للعشر الأواخر التي هي أفضل هذه الأيام في رمضان؛ ولأن ليلة القدر فيها كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم. وجاء في حديث عائشة بالصحيح: «إذا دخل العشر شد مئزره وترك أهله» ومعناه أنه تفرغ لعبادة الله سبحانه وتعالى. يقول: عندنا في العشر الأواخر من رمضان يصلون التراويح من أول الليل أربع ركعات، ثم يعودون فيكملوا الباقي آخر الليل؛ فهل فعلهم جائز؟ الفعل جائز؛ لكن خلاف الأفضل. الأفضل والأكمل أن يصلوا صلاة كاملة؛ لماذا؟ لأن الذي صلى في أول الليل ربما لا يستطيع أن يصلي في آخر الليل، والذي صلى في آخر الليل ربما لا يستطيع أن يصلي في أول الليل؛ إذن هم لا صلوا كامل في أول الليل ولا صلوا كامل في آخر الليل. فإذن ما هو الحل؟ الحل إما أن يصلوا صلاة واحدة في أول الليل أو في آخر الليل، أو يصلوا بصلاتين: صلاة في أول الليل وصلاة في آخر الليل؛ بشرط أن يكون الوتر واحد إما في أول الليل أو آخر الليل. والأفضل في آخر الليل يكون الوتر. فمن أحب أن يصلي في أول الليل صلى في أول الليل؛ أصحاب الأعمال والذي يثقل عليه آخر الليل يصلي أول الليل. والذين عندهم نشاط ويريدون الأجر الأكثر والأفضل يصلون في آخر الليل. وعلى هذا قول عمر رضي الله عنه: «والذين ينامون عنها خير من الذين يصلونها -أو يحضرونها-» لماذا؟ لأنهم يأخرون لآخر الليل. وهذا سائل يقول: لمن يريد أن يداوم على إحدى عشرة ركعة في صلاة الليل في رمضان وغير رمضان، ولكن يستمر فترة ثم ينقطع؛ فيصلي ثلاثة ركعات؛ ما هي الأسباب التي تعين على أن يصلي إحدى عشرة ركعة في رمضان وغير رمضان؟ الأسباب كثيرة؛ من أهمها التبكير في النوم؛ من أهمها أن يحرص على أن يجعل وقت صلاته مراجعة للقرآن؛ يراجع حفظه في صلاة الليل؛ إذا حرص على هذا فإنه سيعينه ذلك على قيام الليل؛ كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم بل في قول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ نصه ﴿وَاتْلُ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ أين هذا؟ صلاة الليل. ولهذا قال أهل العلم: أهل القرآن مأمورون بصلاة الليل؛ لأنه أعون لهم لمراجعة القرآن. فأفضل وقت تراجع فيه القرآن صلاة الليل. وأفضل شيء يساعدك على قيام الليل مراجعة القرآن؛ فمراجعة القرآن يعينك على صلاة الليل، وصلاة الليل يعينك على مراجعة القرآن؛ فاحرص على هذين الأمرين؛ فبإذن الله تعالى ستجد العون واللذة والاستمرار؛ أعاننا الله وإياكم على ذلك في صلاة الليل. يقول: هل العين له مدخل إلى الجوف؟ نعم العين له مدخل إلى الجوف؛ ولكن ليس كل الناس يكون كذلك؛ بعض الناس يكون كذلك وبعض الناس ليس كذلك؛ ثم بعض السوائل تدخل وبعضها لا تدخل؛ فمن الناس حتى الكحل يجده في فمه إذا اكتحل بعد ساعات أو دقائق يجد في لسانه الكحل؛ ينفذ الكحل من العين إلى الفم أو إلى الأنف؛ والناس ليسوا سواء في هذا. المهم من كان كذلك فيدخل في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «بالغ في المضمضة والاستنشاق إلا أن تكون صائما» يعني: يكره المبالغة في المضمضة والاستنشاق لمن للصائم؛ وهذا الإنسان مثله يصير؛ وضع شيء في العين مثل المبالغة في المضمضة والاستنشاق؛ واضح؛ فيكره لمن كان هذا حاله أن يجعل شيء في عينه حتى لا يصل إلى جوفه. يقول: ما حكم النية في رمضان؟ هل تكفي نية واحدة لرمضان؟ نعم؛ الصحيح أن النية الواحدة تكفي لرمضان كاملاً؛ وليس من شرط صيام أيام رمضان أن تتلفظ بالنية في كل ليلة كما يفعل بعض الناس؛ الإمام يلقن المأمومين كل ليلة بنية صيام رمضان؛ هذا خطأ وليس من السنة؛ والنية محلها القلب؛ والتلفظ بالنية نقص في الدين والعقل؛ كما قال الإمام الشافعي رحمه الله؛ معناه ونقله شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله؛ فيكفي نية واحدة؛ وهذا يسري عن اختلاف المطالع؛ هل هذا في رمضان وذي الحجة وغيرها؟ الصحيح أن المطالع تختلف في الأشهر كلها؛ لكن عيد الفطر ليس كعيد ذي الحجة؛ عيد الفطر لرمضان؛ ومطالع رمضان تختلف؛ وعيد ذي الحجة للحج؛ والحج عندنا واحد؛ ما عندنا حج في كل بلاد؛ عندنا حج أين؟ وين الحج عند أهل الإسلام في مكة؛ ما عندنا حج إلا في مكة؛ فإذن: الصحيح من أقوال أهل العلم أن عيد أهل الإسلام عيد واحد في ذي الحجة؛ ولهذا هناك تسمية عند العوام أصلها صحيح بالشرع؛ يسمون العيد الفطر عيد إيش الصغير؟ وعيد الأضحى العيد الكبير؛ لماذا؟ لأن عيد الفطر عيد كل بلد بحسب مطلعهم؛ أما عيد الأضحى فعيد كل المسلمين في العالم؛ فهو كبير يشمل كل المسلمين في العالم؛ وهذا هو الصحيح من أقوال أهل العلم في مسألة عيد الفطر وعيد الأضحى؛ عيد الفطر بحسب المطالع كل بلد يرى الهلال لوحده؛ وأما عيد الأضحى فهو للمسلمين جميعاً في كل العالم؛ عيدهم واحد؛ ما أحد ينظر إلى المطالع مثل رمضان؛ ويخطئ الناس حين يقيسون عيد الأضحى على عيد الفطر؛ وهذا القياس مضاد للنص؛ هذا القياس مضاد للنص؛ فالنص والذي كان عليه الصحابة أنهم يجتمعون في عيد الأضحى؛ ولكن في رمضان ينظرون إلى المطالع؛ كما في حديث ابن عباس وغيره؛ أما في عيد الأضحى فلا؛ عيدهم واحد؛ فننتبه لهذا. يقول: رجل في الصلاة دخلت في أنفه حشرة فارتبك وهو بالتشهد الأخير؛ فسلم تسليمة واحدة إلى الشمال، ثم بعد السلام سجد سجدة سهو؛ هل تصح صلاته؟ تصح صلاته؛ ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ نعم؛ هذا يدخل في الذي قرأناه قبل قليل. يقول: من أفطر متعمداً في رمضان؛ هل يقضي؟ الصحيح من أقوال أهل العلم أن