الدرس في كتاب الطهارة 31، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يبدأ الدرس بتعريف الحيض وأحكامه، ويتناول آراء العلماء في تقدير مدة الحيض والطهر. كما يوضح كيفية التعامل مع الحائض والمستحاضة.
يناقش المقطع مسألة تحديد سن الحيض ومدته، ويشير إلى عدم وجود حد أدنى أو أقصى لسن الحيض أو مدته بسبب اختلاف العادات والعوامل الوراثية.
المقطع يناقش أقسام الدماء التي تأتي المرأة وهي دم الحيض ودم النفاس ودم الاستحاضة، مع شرح كيفية التعامل معها بناءً على العادة والقرائن.
يشير المقطع إلى أحوال الشك المختلفة التي تؤثر على استخدام أصل معين في تحديد الأحكام، ويشير إلى أن هذه الأحوال سيتم تناولها لاحقاً.
بسم الله الرحمن الرحيم موقع دار الحديث بالفيوج يقدم درس فضيلة شيخنا العلامة أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي العدني حفظه الله في شرح كتاب الطهارة من الدرار المضية شرح الدرر البهية للعلامة الشوكان رحمه الله. بسم الله الرحمن الرحيم، وحمد الله رب العالمين، نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، قال المولى رحمه الله تعالى: «باب الحيض». قال: لم يأت في تقدير أقله وأكثره ما تقوم به الحجة، وكذلك الطهر، فذات العادة المتقررة تعمل عليها، وغيرها ترجع إلى القرائن. فدم الحيض يتميز عن غيره، فتكون حائضًا إذا رأت دم الحيض، ومستحاضة إذا رأت غيره، وهي كالطاهر، وتغسل أثر الدم، وتتوضأ لكل صلاة. والحائض لا تصلي ولا تصوم ولا توطئ حتى تغتسل بعد الطهر، وتقضي الصيام. أورد المؤلف رحمه الله هذا الباب بسياق ذكره لأحكام الطهارة. والباب لغة: ما يدخل منه ويخرج، والمراد هنا الدخول والخروج المعنوي، أي هذا مدخل لمعرفة أحكام الحيض. والحيض هو الدم الخارج من المرأة في عادتها بصفاته المعلومة. وللعلماء تعريفات أخرى للحيض، وهذا أقربها وأجمعها. فقولهم: «الدم الخارج من المرأة» لأن هذا الدم لا يخرج إلا من النساء، والمرأة المراد بها من كملت أنوثتها، فلا يخرج من الفتيات. وإذا خرج فليس بدم حيض، وإنما يخرج من البالغة التي قد بلغت سن النساء. وكذلك كونه يخرج في العادة، ليعلم أنه إذا خرج في غير العادة فليس هو دم حيض. وبصفاته، لأنه إذا خرج بغير صفاته، فيعلم أنه ليس بدم حيض. ثم قال رحمه الله: «لم يأت في تقدير أقله وأكثره ما تقوم به الحجة، وكذلك الطهر». هذه أول المسائل التي ذكرها رحمه الله في هذا الباب. قال: ما ورد في تقدير أقل الحيض والطهر وأكثرهما إما موقوف ولا تقوم به الحجة، أو مرفوع ولا يصح، فلا تعويل على ذلك ولا رجوع إليه. بل المعتبر لذات العادة المتقررة هو العادة، وغير المعتادة تعمل بالقرائن المستفادة من الدم. وقد صح في غير حديث اعتبار الشارع للعادة، كحديث «إذا أقبلت الحيضة فاترك الصلاة، فإذا ذهب قدرها فاغسل عنك الدم وصلي»، أخرجه البخاري وغيره من حديث عائشة. وأخرج مسلم وغيره من حديثها نحو ذلك. وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة من حديث أم سلمة أنها استفتت النبي صلى الله عليه وسلم بامرأة تهراق الدم، يعني ينزل منها بكثرة وتدفق غزير، فقال: «لتنظر قدر الليالي والأيام التي كانت تحيضهن وقدرهن من الشهر، فتدع الصلاة». وهو حديث صالح للاحتجاج به. قال رحمه الله: وهو حديث صالح للاحتجاج به، يعني بمجموع طرقه. وكذلك حديث زينب: «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في المستحاضة: تجلس أيام أقرائها»، أخرجه النسائي. قال: والأحاديث في هذا المعنى كثيرة. هذه المسألة الأولى من مسائل هذا الباب، وأشار فيها إلى أنه لا حد لتقدير أقل الحيض والطهر وأكثره. ثم أشار رحمه الله إلى أنه لم يرو شيء صحيح يستدل به ويعول عليه في الرجوع إلى هذا الضابط أو هذه المسألة. بل العبرة في ذلك بالوجود، فالعادة تختلف، والنساء يختلفن، وهذا هو المجرب الذي يشهد به واقع الناس. فالنساء يختلفن من زمان إلى زمان، ومن مكان إلى مكان. فالغالب أن النساء في البلاد الباردة يتأخر حصول الحيض عندهم، وتجد امرأة خمسة عشر سنة ولم تحض بعد. وعلى خلاف ذلك في البلاد الحارة، ربما تبدأ المرأة في الحيض من تسع سنوات. والسبب في هذا هو الحرارة المختلفة. كذلك الطعام يؤثر، فمن الناس من يأكل من الطعام ما يكون سببًا في تعجيل حصول الحيض. وكذلك صحة المرأة، فالمرأة العليلة الضعيفة بالغالب يتأخر ظهور الحيض عندها، والمرأة الصحيحة السليمة يتعجل ظهور الحيض عندها. وهكذا من الأسباب كذلك العوامل الوراثية، فبعض النساء يرثن ذلك عن الأمهات والجدات، أي تعجيل ظهور الحيض في هذه الأسرة. فتجد في بعض الأسر، ولو كانوا في بلد واحدة ويأكلون طعامًا متقاربًا متشابهًا، إلا أنك تجد في بعض الأسر النساء يبلغن سريعًا، وفي بعض الأسر النساء يتأخر بلوغهن. فإذن الصحيح، والله تعالى أعلم، أنه لا حد لأقله ولا لأكثره، أي من جهة السن أولًا، وكذلك من جهة الأيام ثانيًا. فعندنا مسألة أخرى، وهي أن المسألة الأولى من جهة السن، حصول الحيض من متى يبدأ وإلى متى ينتهي؟ قيل: يبدأ من تسع سنوات وينتهي إلى خمسين سنة إلى ستين سنة، واختلفوا إلى أقوال كثيرة في هذه المسألة. والصحيح أنه لا حد لأقله في الابتداء ولا حد لأكثره في الانتهاء، والعبرة بالوجود. كذلك أقله بالنسبة للأيام، فقيل: أقله يوم وليلة، وقيل: أكثره خمسة عشر يومًا بلياليهن. والصحيح أنه لا حد لأقله ولا لأكثره. صحيح أن الغالب أن يكون الأقل يوم وليلة، كما أن الغالب أن المرأة لا تحيض قبل تسع سنوات، هذا الغالب، ولكن لا يعني ذلك أنه مضطرد أو أننا نجعله قاعدة. وهكذا كذلك الغالب أن المرأة بعد الستين لا تحيض، لكن لا نستطيع أن نجعله قاعدة. ومن يذكر لنا دليلًا على ذلك؟ دليل أن المرأة قد تحيض أكثر من السن الخمسين والستين. نعم، فهذا وغيره من الأدلة التي تدل على أنه لا حد للأقل ولا للأكثر على الصحيح، فهو يختلف باختلاف النساء والزمان والمكان وغير ذلك مما سبقت الإشارة إليه. وقوله: «وغير المعتادة تعمل بالقرائن المستفادة من الدم»، يعني أن للمرأة أحوالًا، فالدم مع المرأة ينقسم إلى ثلاثة أحوال: الحالة الأولى هو دم الحيض، والحالة الثانية هو دم النفاس، والحالة الثالثة هو دم الاستحاضة. أما دم الحيض فله صفات دلت عليها الأدلة الشرعية. فصفات هذا الدم بحسب ما ذكر أهل العلم ست صفات: الصفة الأولى أن يكون دم الحيض أحمر يميل إلى السواد. الصفة الثانية أن المرأة تحس بهذا الدم أنه يخرج من الجوف. الصفة الثالثة أن هذا الدم له رائحة تعرفه النساء. الصفة الرابعة يكون دم الحيض غليظًا. الصفة الخامسة أن هذا الدم لا يتخثر سريعًا. الصفة السادسة أن هذا الدم في الغالب يخرج في عادة معروفة عند النساء. أما دم النفاس فهو الدم المصاحب للحمل، سواء أكان خروج الحمل مكتملًا أو كان خروج الحمل ناقصًا. وصفاته في الغالب هي صفات دم الحيض، ولكن قد يختلف على هذا الغالب إذا صار في هذا الحمل شيء من الأذى أو المرض أو الجرح أو غير ذلك. والقسم الثالث من الدماء الذي يأتي للنساء هو المسمى بدم الاستحاضة، وهو الدم الذي يكون بسبب علة، إما عرق يضرب أو مرض أو جرح أو غير ذلك. وغالبًا ما يكون هذا الدم أحمر يميل إلى الانفتاح، وليس إلى السواد. والثاني أنه يخرج من الطرف لا من الجوف. والثالث أنه ليس له رائحة كرائحة دم الحيض. والرابع أنه لا يكون غليظًا كدم الحيض، ولكنه يكون رقيقًا خفيفًا. والخامس أنه يتخثر سريعًا. والسادس أنه يخرج غالبًا في غير أوقات معتادة. وقوله رحمه الله تعالى: «وغير المعتادة تعمل بالقرائن المستفادة من الدم»، يعني أن الأصل أن المرأة تأخذ بالعادة، فإذا لم يكن هناك عادة تأخذ بالقرائن المستفادة من الدم، يعني من وصف الدم. وقد علمنا أن للدم عدة صفات، منها هذه الصفات الست التي مرت معنا. وقوله رحمه الله: «وقد صح بغير حديث اعتبار الشارع للعادة»، يعني هذا دليل على الأخذ بالعادة. ودليل صحيح عائشة الذي أشار إليه: «إذا أقبلت الحيضة فاترك الصلاة، فإذا ذهب قدرها فاغسل عنك الدم وصلي». وحديث أم سلمة في قصة المستحاضة، وكما تقدم معنا نستفيد منه أن المستحاضة لا تدع الصلاة، ولكن تأخذ بالعادة التي كانت تعرفها، وتدع الصلاة على قدر الأيام التي كانت تعرفها. هنا مسألة أخيرة ننتهي بها من هذه المسألة، وهي إذا اختلف معرفة الدم وحصل الشك. فما هو الأصل في الدم عند المرأة؟ هل الأصل أنه دم حيض أم الأصل أنه ليس دم حيض؟ اختلف أهل العلم في هذا. والصحيح الذي رجحه عدد من العلماء ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، أن الأصل في الدم الخارج من المرأة أنه دم حيض. وسيأتي معنا أحوال لهذا الشك، وبمعرفة هذه الأحوال نعرف متى نحتاج إلى استخدام هذا الأصل. والآن انتهى الوقت، نقف لهنا، والله تعالى أعلم.