كتاب الطهارة 30

كتاب الطهارة 30

الدرس في كتاب الطهارة 30، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة وتهيئة

بدأ بالصلاة على النبي محمد وآله، ثم التهيئة لاستقبال الأسئلة حول أحكام التيمم.

شروط وضوابط التيمم عند تعذر الماء

التيمم يصح عند تعذر استعمال الماء بسبب عدم وجوده أو خشية الضرر، ويشمل التعذر حالات مثل الماء في بئر لا يمكن الوصول إليه أو وجوده في مكان خطِر أو نجس.

تفاصيل فقهية حول التيمم

يتناول آراء الفقهاء في عدد ضربات التيمم، وحكم النية والتسمية ونواقضه، معللًا بأن التيمم بدل عن الوضوء وبالتالي تتطبق عليه أحكام الوضوء.

تتمة الكلام عن ضوابط التيمم

يتناول ضوابط التيمم عند عدم وجود الماء أو تعذر استخدامه، مشيرًا إلى أن التيمم يجوز إذا كان جلب الماء يكلف مالًا أو وقتًا طويلًا.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، آخر موقفنا عليه ضربة واحدة. نعم، أما كون التيمم اليوم، قال رحمه الله تعالى: وأما كون التيمم ضربة واحدة فلأن ذلك هو الثابت في الأحاديث الصحيحة، ولم يثبت ما يخالف ذلك من وجه صحيح. وقد ذهب إلى كون التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين الجمهور، وذهب جماعة من الأئمة والفقهاء إلى أن الواجب ضربتان: ضربة للوجه وضربة لليدين، وذهب ابن المسيد وابن سيرين إلى أن الواجب ثلاث ضربات: ضربة للوجه، وضربة للكفين، وضربة للذراعين. هذه كذلك مسألة من مسائل هذا الباب، وقد شار فيها إلى الخلاف في المتن، والآن يذكر هذا الخلاف، والصواب في هذا هو ما بدأ به هذه الأقوال، كما قال: كونه ضربة واحدة لأنه الثابت في الأحاديث الصحيحة، ولم يثبت ما يخالف ذلك من وجه صحيح. يعني ما جاء لم يأتِ من وجه صحيح. وقد مرت معنا بعض هذه الأحاديث الصحيحة كحديث عمار وغيره. فضربة واحدة يمسح بهذه الضربة الوجه والكفين، وقد علم النبي صلى الله عليه وسلم عمار، قال: «أن تقول بيديك هكذا»، فضرب على الأرض ضربة واحدة، ومسح بكفيه ظاهرهم وباطنهم هكذا، ووجهه. هذه رواية، والرواية الأخرى أنه بدأ بماذا؟ بوجهه ثم يديه. وفي الآية بدأ بماذا؟ بالوجه ثم اليدين. فالأمر واسع، فمن أخذ بظاهر الآية فقدم الوجه على اليدين -أي الكفين إذا أطلق اليد في آية التيمم وفي حديث التيمم فهو المراد به ماذا؟ المراد به الكفان أو الكفين- يقصد الكفين. والسنة وضحت وبينت ذلك، والسنة وضحت وبينت ذلك. فضربة واحدة للوجه وللكفين، ثم هل يقدم الوجه؟ أو يبدأ بالوجه أو يبدأ بالكفين؟ الأمر واسع. إن بدأ بالوجه أو بدأ بالكفين، فمن أهل العلم من قال: يبدأ بالوجه اقتداءً بما في الكتاب وما جاء في السنة، ومنهم من قال: باليدين ثم بالوجه لما ورد في بعض الأحاديث في السنة، ولأنه قد روي في السنة أحاديث هكذا وهكذا، فاختلف أهل العلم والأمر واسع. وقوله: «وذهب جماعة من الأئمة والفقهاء إلى آخره» ذكر الأقوال، وهذه الأقوال مرجوحة على القول الصحيح لأنها تخالف -كما ذكر- الأحاديث الصحيحة الثابتة، ولأنها لم يرد شيء يؤيدها صحيح صريح لا من الكتاب ولا من السنة، فلذلك كانت أقوالًا مرجوحة. والقول الثالث أضعف وهو ثلاث ضربات، وضربة الثالثة تكون للذراعين، لأنه ثبت معنا أنه لم يصح أصلًا تعدي المسح إلى ما بعد الرسغين، بل للكفين فقط. فوصول ذلك للذراعين لم يثبت به شيء صحيح صريح. وأصح شيء ورد بهذا ما هو؟ أصح شيء ورد مر معنا قريبًا. لا نريد بماذا استدلوا الذين قالوا: يمسح الذراعين؟ بماذا استدلوا؟ صحيح، لكن ليس صريح. أحد من القلب نعم. نعم. نعم. أحسن تقييد آية التيمم بآية ماذا؟ الوضوء. وهذا ليس صحيحًا كما مر معنا قريبًا في درس الأصول. وهكذا ترون العلم مترابط، مسائله مترابطة. قال رحمه الله تعالى: وأما كونه ناويًا مسميًا فلما تقدم في الوضوء، لأنه بدل عنه. وأدلة النية شاملة لكل عمل تقدم معنا الكلام على مسائل النية في الوضوء، وهكذا كذلك التسمية. ولذلك أحال رحمه الله واكتفى بهذه الإحالة لما تقدم في الوضوء، لأن التيمم كما تقدم معنا بدل عن ماذا؟ عن الوضوء. فلذلك جعل من أحكامه أحكام بعض أحكام الوضوء. فالنية وقع الخلاف فيها، فالحنفية كما تقدم معنا لا يرون النية، والجمهور يرون النية. ومن الجمهور من يرى أن النية واقعة في الوضوء كما رجح ذلك إمام الحرمين رحمه الله، لأن الوضوء عمل لا يلتبس بغيره. وهكذا كذلك يقال في التيمم، يعني لا يمكن لأحد أن يقبل على التيمم فيفعله بدون نية التيمم. ما يمكن لو تقول الإنسان: تيمم بدون نية التيمم، هل ممكن؟ لا يمكن. بمجرد أنه يقبل على فعل التيمم فإنه يقع عنده نية التيمم، إلا أن بعض أهل العلم أو الفقهاء ذكروا صورًا فيها تكلف، قالوا: أن يكون للتعليم أو يكون غير ذلك. فيقال: بمجرد فعله حقيقة، حتى ولو كان للتعليم هو قد دخل في فعله نية التيمم، ولكن قد يتصور حصوله بغير نية إذا كان هناك ماذا؟ عدم استحضار بسبب زوال العقل. إنسان حصل له مثلًا غيبوبة أو شرب دواء فأفقده الإحساس لما حوله، فهذا يفعل الشيء على وجه ماذا؟ العادة، ولا يستحضر نية في ذلك. لا يستحضر نية في ذلك، فهذا ممكن. نعم، لكن هذا قد زال عقله، فهو لا يصح منه العمل بسبب زوال العقل. وقوله: «مسميًا» كذلك قياسًا على الوضوء، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر به في الوضوء، وقد مر معنا الخلاف، فكذلك يقال في التيمم قياسًا عليه. قال رحمه الله تعالى: وأما كون نواقضه نواقض الوضوء، فلما ذكرنا من البدلية. ومن أثبت للتيمم شيئًا من النواقض لم يثبت في الوضوء لم يقبل منه ذلك إلا بدليل، ولم نجد دليلًا تقوم به الحجة يصلح لذلك. فالواجب الاتصار على نواقض الوضوء. هذا كذلك أمر أو مسألة من مسائل هذه مسألة من مسائل هذا الباب. نواقض التيمم هي نواقض الوضوء. لماذا؟ قال: لماذا ذكرنا من البدلية؟ فأدلة الكتاب والسنة دلت أن التيمم بدل عن الوضوء أو عن الطهارة. وبهذا نعلم ما تقدم وسبقت الإشارة إليه، لأن الصحيح أن التيمم رافع وليس بمبيح. يترتب على هذا مسائل كثيرة. يترتب على هذا مسائل كثيرة. فإذا كان هو بدل ورافع، فإذا حكمه حكم الوضوء، فيثبت هذا إلا مسألة واحدة وهي مسألة وجود الماء. لما ورد التنصيص عليه في السنة، فإنه يضاف في هذا الموضع، ولكن الصحيح أن وجود الماء ليس هو ناقضًا، وإنما هو مانع. هو ماذا؟ مانع يمنع من استفادة التيمم. لماذا؟ لأنه بدل في حال عدم وجود الماء، فإذا وجد الماء لم يصح العمل بالبدلية. هذه فذكره من النواقض ليس بالصحيح، بل هو ماذا؟ هو مانع. ولذلك نجد الفرق بين أن نقول: مانع وناقض في المسائل المترتبة على ذلك. فمن يقول: إنه ناقض يقول: إذا وجد الماء انتقضت الطهارة. يعني معناه إذا كنت متيممًا ولم ينتقض منك هذا التيمم بشيء من نواقض الوضوء، يلزمك ماذا؟ أن تتوضأ. والصحيح أنه لا يلزمك، لأن الطهارة حصلت ولم يقع ناقض من نواقض الوضوء، ولم يقع ناقض من نواقض الوضوء، فالطهارة باقية. الطهارة باقية. ويلزم منه كذلك عند بعضهم -وفي هذا خلاف حتى عندهم- أن من صلى وبقي وقت الصلاة عليه كذلك أن يعيد الصلاة. والصحيح أنه لا يعيد الصلاة. الصحيح أنه لا يعيد الصلاة كما تقدم معنا الإشارة إلى ذلك في مسائل سابقة. فإذن الصحيح أن نواقضه نواقض الوضوء، ليس فيه شيء زائد. قال رحمه الله تعالى: وأما وجود الماء في الوقت بعد الفراغ من الصلاة بالتيمم، وقد صرح النبي صلى الله عليه وسلم لمن لم يعيد الصلاة من الرجلين الذين سألاه بعد أن صلياها بالتيمم ثم وجد الماء، أن الذي لم يعيد أصاب السنة. والحديث معروف، يشير إلى حديث أبي سعيد الخدري، وقد تقدم معنا أن هل العلم اختلف بتصحيحه، والصحيح أنه يرتقي للحسن، وإن كان جاء في أكثر الروايات أنه مرسل. لكن المرسل ليس من شديد الضعف، بل هو مما يصلح للشواهد وماذا؟ والمتابعات. وقد جاءت روايات تؤيد هذا المرسل، فيرتقي بها هذا الحديث المرسل إلى الحسن. يرتقي بها إلى الحسن. والشاهد منه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمن لم يعد: «أصبت ماذا؟ السنة». أصبت السنة. وقال للآخر: «لك الأجر مرتين». فبهذا يعلم أنه لا يلزم إعادة الصلاة. وإشارة المؤلف رحمه الله لهذه المسألة لأجل التنبيه لما تقدم من أنه ليس من نواقض الوضوء، ليس من نواقض التيمم وجود ماذا؟ وجود الماء. بل هو مانع. الصحيح أنه مانع. قال رحمه الله تعالى: والحديث معروف. وأما قوله للذي أعاد: «لك الأجر مرتين»، فلكونه قد كرر العبادة معتقدًا وجوب ذلك، فكان له الأجر الآخر لذلك. وليس المراد ها هنا إلا الإجزاء وسقوط الوجوب. وقد أفاد ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «أصبت السنة»، مع ما في إصابة السنة من الخير والبركة، والتعريض لأن ما عدى ذلك مخالف للسنة كما لا يخفى. وهذا ظاهر، لأنه كونه يقول للذي لم يعِدْ أنه أصاب السنة، هذا فيه دليل على تصغيل ماذا؟ فعله. وأنه هو الأفضل. وأما الذي زاد فهو له الأجر، ولكن لا شك أن أجر السنة أفضل. قال رحمه الله تعالى: وأما القول بأن من أسباب التيمم تعذر استعمال الماء وخوف سبيله ونحو ذلك، فلا يخفى أن هذه داخلة تحت ما ذكرنا من عدم الماء وخشية الضرر من استعماله. فإن من تعذر عليه استعمال الماء فهو عادم للماء، إذ ليس المراد الوجود الذي لا ينفع. يعني موجود، ولكن يتعذر ماذا؟ استعماله. قال: فمن كان يشاهد ماءً في قعر بئر يتعذر عليه الوصول إليه بوجه من الوجوه، فهو عادم. وهكذا فوق السبيل الذي يسلك إلى الماء. وهكذا من كان ينجسه ولا محالة إذا استعمله. وهكذا من كان يحتاجه للشرب، وهو عادم له بالنسبة إلى الوضوء. هذه مجموعة من المسائل في معنى تعذر استعمال الماء. فكل ما كان به معنى تعذر استعمال الماء فهو بمعنى عدم القدرة للطهارة بالماء، فينتقل إذن إلى الطهارة بالتيمم. فهذه أمثلة: يشاهد الماء في قعر بئر، فلا يستطيع الوصول إليه لأنه -مثلًا- ليس عنده حبل يجلب الماء، فيرى الماء ولا يستطيع النزول إليه. ولو حاول النزول عرض حياته ماذا؟ للخطر. وهكذا كذلك في بعض الأسفار قد ترى بعض الماء في بعض الجبال في أماكن خطرة، يجتمع الماء في أماكن خطرة. فأنت ترى الماء بعينك، ولكن الوصول إلى هذا الماء به خطر، ربما تذهب نفسك لأجل الوصول إلى هذا الماء. فإذن ماذا؟ تتيمم. ولا يحتاج أن تخاطر بحياتك. حجة أنك ماذا؟ ترى الماء. أنت ترى الماء، لكن لا تستطيع الوصول إليه، فهو بحكم ماذا؟ في حكم المعدوم. وهكذا كما قال: إذا وجد ما يمنع السبيل -مثلًا- حرب أو طاعون في الطريق أو نحو ذلك. ربما في بعض أيام الحروب يكون الماء موجودًا ما بينك وبين الماء إلا مسافة يسيرة، لكن الناس في اقتتال. وأنت في بيتك لا تستطيع الخروج لوصول إلى هذا الماء. فكونك تبقى في بيتك وتسلم وتتيمم هذا أو لا؟ بل قد يجب. ولك رخصة في مثل هذه الحال. وكذلك ما ذكر رحمه الله: «من كان ينجسه» يعني إذا كان الوصول إلى الماء يكون سببًا لحصول النجاسة -كأن يكون حول الماء نجاسة مثلًا- لا تستطيع الوصول إليها إلا بالمرور بهذه النجاسة، ونحو ذلك من الموانع. ومن الموانع على الصحيح -وهذه المسألة فيها خلاف- إذا كان يحتاجه للشرب. ماء قليل، إما أن يستعمله للشرب فيكفيه فترة أطول، أو يستعمله للشرب والطهارة فيكون فترة أقل. وتحصيل الماء شيء صعب. فهنا هذه رخصة. هذه رخصة. هذا إذا كان يتعذر أو يشق جلب الماء. وما هو الضابط؟ إذا قال الإنسان: ما هو الضابط في معرفة ما فيه رخصة وما ليس فيه رخصة؟ الضابط كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: أنه يتعذر فيه الشراء، فلا يثقل بالديون، ولا يحصل فيه الغبن. يعني إذا كان سيصل إلى الماء لأجرة أعظم من أجرة المثل، فهذا غبن وضرر. أو كان الإنسان فقيرًا والماء لا يوصل إليه إلا بالشراء ومن مكان بعيد، فيثقله بالديون. فهنا يجوز له أن ينتقل إلى ماذا؟ إلى التيمم. لأنه ليس باليسر تحصيل الماء. ولو كان هو يستطيع أن يشتري، لكن سيشتري بما يثقله بالديون. فإذن هذه رخصة. وهذا هو الضابط. فما زاد عن الأجر المعتاد فدخل في معنى الغبن. أو ما كان سببًا للإثقال بالديون فإنه رخصة في عدم الشراء، فينتقل إلى ماذا؟ إلى التيمم. طيب، فإن قال قائل: هو لا يشتري، لكن يحتاج أن يجلبه من مسافة. فهل يجب عليه أن يجلبه أم ينتقل إلى التيمم؟ هذا كذلك محل خلاف. والصحيح أن هذه المسافة تضبط كذلك بما جرى به العرف من أنها مسافة بعيدة أو قريبة. فإذا اختلف العرف، جعل بعض أهل العلم ضابطًا وهو ألا تفوت الصلاة التالية في مسافة لمثل ذلك. يعني إذا كان سيذهب للإتيان بالماء في بعض الصباح، وسيرجع وعنده الماء قبل دخول وقت صلاة الظهر، وهو يستطيع ذلك. يجب عليه أن يجلب ماذا؟ الماء. ولكن يبقى: هل يستطيع الذهاب والإياب لغير كل فجر -مثلًا- في الأيام العادية يستطيع الإنسان بالسيارة أن يذهب ويجلب الماء ويرجع. لكن في أيام القحط أو الحروب قد لا يكون الوقود متوفرًا. يعني كيف سيذهب إلى مسافة ساعة ذهاب وساعة رجوع لجلب الماء؟ وهذا يحتاج منه كلفة للمال لهذا الوقود. فهل مثل هذا رخصة له بأن ينتقل إلى التيمم؟ الجواب: نعم رخصة. لماذا؟ لأنه يكلف عليه مال. أو لا يكلف عليه مال، ولكن يكلف عليه وقت. يحتاج ثلاث ساعات للوصول إلى الماء ويجلب الماء، وثلاث ساعات لجلبه كذلك. هذا فيه مشقة. وخصوصًا إذا كان لا يستطيع يجلب إلا قليلًا من الماء. أما من كان عنده استطاعة -مثلًا- مثل اليوم في غالب الناس في المدن في الحضر، وبعض القرى عندهم البراميل الكبيرة. يستطيع يذهب مرة في الشهر فيجلب ماء كثيرًا يكفي لشهر كامل. فمثل هذا هل يجوز له أن ينتقل إلى التيمم؟ الجواب: لا. لا يجوز له أن ينتقل إلى التيمم، لأنه عنده وسائل يستطيع أن يجلب بها الماء فيكفيه للشرب -سواء للإنسان أو للدواب- وكذلك للطهارة. فإذا لا يجوز الانتقال إلى التيمم والحال مثل هذا. فهذه بعض الضوابط، وهي تقرب الأمر، ولكن يختلف من حال إلى حال، ومن زمان إلى زمان، ومن مكان إلى مكان. والضابط بالجملة هو هذا كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية، وأشار إليه. وما ذكره رحمه الله هي أمثلة، ويدخل في معناها نظائر كثيرة لا تعد ولا تحصى. فوجود الماء إذا لم يكن -إذا لم يمكن استعماله- يدخل في حكم المعدوم. يدخل في حكم المعدوم. ومن باب أولى إذا كان هذا الماء يضر. إذا كان هذا الماء موجودًا، ولكن استعماله قد يضر. فإنه كذلك يدخل في هذا المعنى، كما أشار إليه رحمه الله في قوله: «وخشية الضرر من استعماله». وقد تقدم. قال رحمه الله: وأما ما قيل من أن فوت الصلاة باستعمال الماء وإدراكها بالتيمم سبب من أسباب التيمم، فليس على ذلك دليل. بل الواجب استعمال الماء، وهو إن كان تراخيه عن تأدية الصلاة إلى ذلك الوقت لعذر مسوق للتأخير -كالنوم والسهو ونحوهما- فلم يوجب الله تعالى عليه إلا تأدية الصلاة في ذلك الوقت بالطهور الذي أوجبه الله عليه. وإن كان التراخي لا لعذر إلى وقت لو استعمل الماء فيه لخرج الوقت، فعليه الماء. وقد باء بإثم المعصية. وأما ما قيل من الطلب إلى مقادير محدودة، فليس على ذلك حجة. نيرة إلى مقادير، إلى مفاوز. طيب، نسخة: «مفاوز». ونسخة: «مقادير محدودة». «مفاوز محدودة». طيب، هذه المسألة ختم بها هذا الباب، وفيها معنى ما تقدم مما سبقت الإشارة إليه المسائل السابقة. وهي: هل يجوز استعمال التيمم لخوف فوات وقت الصلاة باستعمال الماء؟ مثلًا كما قلنا: إنسان قام وعليه غسل، ويحتاج تسخين الماء بوقت البرد، ووقت الإشراق قريب، وهو بين أمرين: إما أن يذهب فيسخن ليغتسل فيخرج وقت الصلاة، وإما أن يتيمم فيدرك وقت الصلاة. كما سمعنا في المسائل السابقة: إن من أهل العلم من يرى أن هذه رخصة حتى لا يفوت وقت الصلاة، ووقت الصلاة أعظم. وإلى هذا يذهب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وبعض أهل العلم يرى المحافظة على أصل الطهارة التي أمر الله عز وجل بها هو الواجب. والمسألة -يعني- ليس فيها شيء صحيح صريح يرجح أحد طرفي الخلاف. ولذلك هي من المسائل التي يسع فيها الخلاف. فالأمر واسع. فمن ترجح له هذا في الأدلة والعمومات فله ذلك. أو ترجح الآخر فلا حرج في ذلك. وإن بقيت على الأصل فالأصل أن الإنسان مأمور بماذا؟ بالطهارة. لا يصل الصلاة إلا بالطهارة. فهي شرط بصحة الصلاة. طيب، وإن خرج الوقت؟ نعم، وإن خرج الوقت. وما هو الدليل على ذلك؟ ها من يذكر لنا دليل؟ دليل. ها نعم. لكن هو جاوز الوقت. ما زال الوقت موجود. هنا الخلاف لا في شيء أصرح من هذا. هذا له عذر. صد عمر من العصر. له عذر. لكن ما وقع في يوم الخندق، فإن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه انشغلوا بحفر الخندق ومدافعة العدو حتى كادت الشمس ماذا؟ ماذا أن تغرب؟ وقال عمر: «شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى كادت الشمس أن تغرب». وفي رواية: «حتى غربت الشمس». فهذه الروايات تدل أنهم أدركوا وقت آخر العصر. ومع ذلك ماذا؟ توجهوا للوضوء. فما صلوا العصر إلا بعد المغرب. ما صلوا العصر إلا بعد المغرب. فهذا يدل على أن -والله أعلم- المحافظ على الطهارة مقدم. ولكن كما ترون الروايات فيها اختلاف. ولهذا اختلف أهل العلم في مدلول هذه الروايات. لكن الصحيح الذي يفهم من هذه الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم بقي على الأصل، وهو الطهارة بماذا؟ بالماء. مع أن وقت العصر كان في آخره. وقت العصر كان في آخره. فلم يصلوا العصر إلا بعد المغرب بأي الطهارتين؟ بطهارة الماء. فهذا هو الصحيح. فإذا قام الإنسان في آخر الوقت وهو بين أمرين: إما أن يتيمم فيدرك الوقت، وإما أن يتطهر بالماء فيخرج الوقت. فأيهما يقدم على الصحيح؟ المفسدة الصغرى لدفع المفسدة الكبرى. ما هي المفسدة الكبرى هنا؟ الصلاة بغير طهارة الماء. هذا أكبر من خروج وقت الصلاة. لماذا؟ لأن الطهارة شرط بصحة الصلاة. ما هو الدليل أن هذا أكبر من هذا؟ فعل النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة الخندق. وقوله رحمه الله: وأما ما قيل من الطلب إلى مقادير محدودة فليس على ذلك حجة. نيرة. يشير رحمه الله إلى أن بعضهم جعل مقادير فيما يكون به الرخصة وما لا يكون به الرخصة. والصحيح ليس كذلك. وهو كما قال رحمه الله وتعالى. فلابد من الطهارة بالماء ما دام الماء موجودًا، إلا إذا كان هناك عذر كما تقدم معنا في المسألتين السابقتين. والله تعالى أعلم. طيب، لهذا نكون قد انتهينا -إما شاء الله- إلى آخر ما أراد المؤلف رحمه الله من مسائل هذا الباب إلى هنا. والله تعالى أعلم. صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله. صلى الله وسلم. وننتظر -إن شاء الله- بعض الأسئلة.