التعليق على فصول في الصيام والتراويح والزكاة للعلامة العثيمين 5

التعليق على فصول في الصيام والتراويح والزكاة للعلامة العثيمين 5

الدرس في التعليق على فصول في الصيام والتراويح والزكاة للعلامة العثيمين 5، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أحكام زكاة الفطر ومصارفها

زكاة الفطر فريضة تجب على المسلمين وتخرج من غالب قوت البلد، وتُعطى للمستحقين من الفقراء والمساكين. تُخرج قبل صلاة العيد بيوم أو يومين.

تفاصيل زكاة الفطر وحكمها

زكاة الفطر تُخرج بمقدار صاع من قوت البلد المعتاد، ولا تجزئ من غيره. يجوز إخراجها في العشر الأواخر إذا وجد عذر.

تحذير من البدع والزيارات المبتدعة

يُنبه إلى خطورة زيارة نبي الله هود المزعومة وما فيها من شركيات وبدع، ويجب إزالة مثل هذه الخرافات. هذه الزيارة لا أصل لها وتشبه الحج.

ختام الدرس والدعاء

يُنهي الدرس بالصلاة على النبي وآله وصحبه ويشكر الحضور على استماعهم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الحمد لله، وصلاة وسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه من ولاه. أما بعد، فتتمة لرسالة شيخنا الإمام محمد بن صالح العثيمين رحمه الله، فصول في الصيام والتراويح والزكاة، وبقي لنا فصل واحد في زكاة الفطر نكمله إن شاء الله تعالى. نعم، بسم الله الرحمن الرحيم. قال الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين عليه رحمة الله: الفصل الثامن في زكاة الفطر. زكاة الفطر فريضة فرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الفطر من رمضان. قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: «فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر من رمضان على العبد والحر والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين» متفق عليه. وهي صاع من طعام مما يغتاته الآدميون. قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: «كنا نخرج يوم الفطر في عهد النبي صلى الله عليه وسلم صاعا من طعام، وكان طعامنا الشعير والزبيب والأقط والتمر» رواه البخاري. فلا تجزئ من الدراهم والفرش واللباس وأقوات البهائم والأمتعة وغيرها؛ لأن ذلك خلاف ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» أي مردود عليه. ومقدار الصاع كيلوان وأربعون غراما من البر الجيد، هذا هو مقدار الصاع النبوي الذي قدر به النبي صلى الله عليه وسلم الفطرة. ويجب إخراج الفطرة قبل صلاة العيد، والأفضل إخراجها يوم العيد قبل الصلاة. وتجزئ قبله بيوم أو يومين فقط، ولا تجزئ بعد صلاة العيد؛ لحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين. فمن أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات» رواه أبو داود. وهنا نبه بعض الفضلاء إلى ما بقي من الفصل السابق في ابن السبيل، الصنف الثامن. وابن السبيل كما ذكر الشيخ رحمه الله: المسافر الذي انقطع به السفر، فيعطى من الزكاة ما يصله لبلده. وسمي ابن السبيل؛ لأنه ليس له بيت يأوي إليه، فكأنه صار بيته الطريق. ووضع هذا الوصف للترحم له وإعانته والتصدق عليه. فمثل هذا، ومن كان بمعنى، يعطى من الزكاة ما يعينه ليوصله إلى بلده. وعلى الصحيح من أقوال أهل العلم: أنه يعطى مهما كبرت النفقة، ما دام أن ذلك الوصف صحيح هو الذي يحتاجه ليوصله إلى بلده. فمثلا بعض طلبة العلم تنقطع بهم النفقة، فيحتاج الرجوع إلى بلده. أو بعض الحجاج تنقطع بهم النفقة، فيحتاج الرجوع إلى بلده. وقد تكلف بعض التذاكر المبالغ الطائلة بألاف الدولارات. فأمثال هؤلاء يعانون من الزكاة، فينفق عليهم من الزكاة ما يوصلهم إلى بلدهم، ليس أكثر. اللهم إلا إن كان أهل للزكاة من صنف آخر، فالصحيح من أقوال أهل العلم: أنه يجوز أن يعطى الإنسان من أكثر من صنف في شخص واحد إذا اجتمعت فيه الأوصاف. فالحكم يدور مع العلة وجودا وعدما. مثلا إنسان فقير، عليه دين، ومسجون أسرته ليس عنده ما ينفق عليها، فيعطى باعتبار أنه من المساكين له ولأسرته ما يحتاجه من لباس وأكل وشرب ليكفيه سنة. وعليه دين، فيعطى لسداد دينه من الزكاة ما يسدد به الدين. وعنده مشكلة ثالثة في سبب هذا السجن، يحتاج أن يحل هذه المشكلة بفك رقبته، لحل هذا الإشكال. مثل أن يكون مثلا قتل خطأ أو نحو ذلك، فيعان كذلك لإعتاق الرقبة. فإذا اجتمعت الأسباب، فلا بأس أن يعطى الإنسان من أكثر من سبب إذا كان يستحق ذلك وكان الوصف موجودا. وذكر الشيخ رحمه الله هنا: أنه لا يجوز من الزكاة بناء المساجد وشق الطرق ونحو ذلك. وهذا ملحظ مهم يجب أن ننتبه له. بل هذا يجب أن ينفق عليها من أصل المال. إن الله طيب لا يقبل إلا طيبة. وذلك لثلاث حكم: الحكمة الأولى حتى يتعلم الناس إخراج المال الطيب دون الزكاة. الزكاة شيء يخرج على وجه الوجوب من المال، فأين الصدقة والتنافس في أبواب الخير والبر؟ فالنفس إذا لم تعود على ذلك بقي فيها شيء من الشح. ولكن من محاسن هذا الدين أنه يربي أهله على التنافس في أبواب الخيرات وأنواع المبرات بما هو زائد عن باب الزكاة الواجبة. والأمر الثاني حتى لا يزاحم مثل هذه الأعمال التي تأخذ الأموال الطائلة مال الزكاة، وفيه من هم أحوج. فالفقراء والمساكين أشد حاجة من أن تأخذ من أموال الزكاة لبناء المساجد. لو قيل أن المساجد تبنى من الزكاة، ما بقي للفقراء والمساكين شيء؛ لأن الناس سيبخلون وسيجعلون كل المال في المساجد. إذن ماذا سيبقى للفقراء والمساكين وأهل الأصناف الأخرى؟ فلأجل لا تحصل هذه المزاحمة، لم يجز في الإسلام كما نص غير واحد من أهل العلم. وهذه من الحكمة الأخرى. والحكمة الثالثة أن يكون مال الله طيب خالص، كما جاء في الحديث: «إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا» ليس فيه أوساخ الناس. فإذا كان آل البيت لا تحل لهم الصدقة، فكيف بما كان لله؟ فكيف إذا ما كان لله؟ بل ما كان لله ينبغي أن يكون إلا الطيب. وهذا من الحكمة. وقاس العلماء عليه، قياسا أوليا ولله المثل الأعلى: أن الضيف حين تكرمه، ما تكرمه من ماذا؟ من الزكاة؟ وإنما تكرمه من أصل المال، من المال الطيب. وآل البيت أولى بالإكرام. آل البيت أولى بالإكرام، فلا يعطون من الزكاة. فمن أراد أن يكرم النبي صلى الله عليه وسلم وآل بيته، فلا يعكرمهم من الزكاة، وإنما يعطيهم من أصل المال. فكيف ما كان لله؟ فهو من باب أولى أن يعطى من أصل المال. وتنبيه أخير، نبه الشيخ: أن هذه الأصناف لا تحل لمن كان يستطيع الاكتساب. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا حظ فيها لغني، ولا لقوي مكتسب». فإذا جاء من هو غني، وعنده محل اكتساب، ينبه أن هذا لا يحل له الزكاة. مثلك لا تحل لك الزكاة. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في المسألة: أنها لا تحل إلا لثلاثة. وذكر منها: من تحمل حمالة. قد يتحمل الحمالة الغني، فإذا تحمل الحمالة الغني، يعطى لأجل الحمالة، لا لشخصه. مثل الذي يصلح بين قبيلتين، فيحتاج لهذا الإصلاح أن يأخذ من المال. وهل يجوز من الزكاة؟ الصحيح أنه يجوز. كذلك من الزكاة أن يعطى هذا المال لإصلاح ذات البين. وهكذا لو رأى إنسان قوي يستطيع العمل، فإنه ينبه أن هذا زكاة لا تحل له الزكاة لقوي مكتسب. كما صح أن النبي صلى الله عليه وسلم سأله رجلان عليهما أثر القوة، فنظر فيهما، ثم قال: «إن هذا المال لا يحل لقوي مكتسب» أو كما قال عليه الصلاة والسلام. فهذه تنبيهات تدل عليها كلمات الشيخ رحمه الله تعالى. أما زكاة الفطر، فكما ذكر شيخنا رحمه الله: فريضة فرضها الله، طهرة للصائم فيما يكون من صيامه من تقصير. كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم. فصدقة الفطر تجبر نقص وتقصير الصائم في صيامه. فهي بمثابة صلاة الراتبة مع الفريضة. الفريضة إذا حصل فيها نقص، يجبر هذه الفريضة النافلة. كما جاء في الحديث الصحيح: أن أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة الصلاة. ثم يقال: إذا حصل فيها تقصير، هل له من نافلة؟ يعني تجبر وتكمل هذه الفريضة. فإن كان له نافلة، جبرت فريضته. وكذلك الصيام يجبر بشيئين: يجبر بصدقة الفطر، وبصيام الست بعده. بصيام الست بعده. فهذا يجبر ما يكون من تقصير في الصيام. ولهذا صح عن النبي عليه الصلاة والسلام: أنها طهرة للصائم. فتجبر ما يكون من نقص. وهي على العبد والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين. وهل كذلك للحمل في بطن أمه؟ في هذا خلاف. وصح عن عثمان وغيره: أنه يخرج عن الحمل، شكرا لله عز وجل. وكذلك إكمالا للأجر والصدقة، فلا بأس إذا أخرج عن الحمل، اقتداء بفعل الصحابة، وفتوى الصحابة رضي الله عنهم أرضاهم. وأما مما تخرج، كما جاء في حديث أبي سعيد: يخرج من الطعام الذي وغالب قوت البلد. ذكر في الحديث: الشعير والزبيب والأقط والتمر. وجاء في رواية: الحب. وجاء في رواية: الطعام. وجاء في رواية: وطعامنا يومئذ. فذكر هذه. قال العلماء جمعا بين هذه الروايات: أن مفهوم هذه الأحاديث أن يخرج من غالب قوت البلد بحسبه. فمثلا ما كان الرز في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، لكن في زماننا أغلب قوت الناس الرز، فيجوز أن يخرج من الرز. ما كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم المكرونة، والمكرونة اليوم من القوت المعتاد، فيجوز أن يخرج كذلك من المكرونة. وهكذا قل في نظائر كثيرة هي قوت البلد في بعض البلاد. مثل ما يسمى عند الإخوة في الصومال وأفريقيا الكشيشة. معروفة. وهكذا كذلك الكسكس عند أهل المغرب، وهي بمعنى الكشيشة، طحين الذرة، طحين الذرة الصفراء. فهذا من قوت البلد المعتاد في بعض البلاد. وفي بعض البلاد يأكلون الأعشاب، يأكلون الأعشاب يجعلونها قوتا. فهذا كذلك. وفي بعض البلاد الخضار المجففة قوت عندهم معتاد. فبحسب البلد القوت المعتاد يخرج. هذا هو الصحيح من أقوال أهل العلم في ذلك. وما مقدار ما يخرج؟ مقداره كما جاء في الحديث: صاع. والصاع النبوي وزن، فوجد ما يقارب كيلوان وأربعين جراما، أو كيلوان ونصف بالاحتياط. كيلوان ونصف. بعضهم قال أكثر من أربعين جراما. فإذا احتطت وأخرجت كيلوان ونصف، يعني كيلوان وخمسمائة جرام، فأنت قد بالغت في الاحتياط، فلا بأس في ذلك. فتخرج ما يعادل ذلك. فمثلا إذا أردت أن تخرج الأرز، تخرج رز للشخص الواحد كيلوان ونصف. إذن الكيس اللي فيه خمسة كيلو لشخصين. وهكذا قل فيما زاد. وإذا كان المكرونة الأكياس، فعندنا التي نصف كيلو خمسمائة جرام تقريبا، فتخرج خمسة أكياس عن واحد. خمسة أكياس من خمسمائة جرام عن واحد. وهكذا تفعل كما قدر العلماء. والله تعالى أعلم. ووقت الإخراج كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: قبل صلاة العيد. فمن أخرجها قبل الصلاة، فهي صدقة مقبولة. ومن أخرجها بعد الصلاة، فهي صدقة من الصدقات، ولا تعتبر من صدقة الفطر المقبولة. ويجوز أن تتقدم بيوم ويومين، كما ثبت عن ابن عمر في عهد عمر رضي الله عنه: كان يأمر الناس أن يجمعوها، فتجمع في المسجد قبل يوم العيد، قبل يوم العيد بيوم أو يومين. حتى يتسنى للناس أن يجمعوها، ثم يوزعوها قبل الصلاة. وإذا كان الناس كثير والعدد كثير، فلا بأس أن تخرج في العشر الأواخر، لكن لا توزع إلا قبل الصلاة. لا توزع إلا قبل الصلاة. مثلا بعض الناس في القرى ما عنده أحد يعطيه، فيذهب إلى الحاضرة في العشر الأواخر ليتقضى، فيخرج معه زكاة الفطر، ويضعها في المكان المخصص لقبول هذه الزكوات. ويقوم القائمون على هذا بإخراجها في وقتها الصحيح، فلا بأس في ذلك. ولكن الأفضل والأحوط أن تخرج قبل الصلاة بيوم أو يومين، لا أكثر. وخروجها يكون قبل الصلاة، هذا أفضل وأكمل. والحكمة من ذلك: أن تدخل الفرحة على الفقراء والمساكين من جهتين: من جهة العيد، ومن جهة إغنائهم يوم العيد، إغنائهم يوم العيد بالطعام الذي يتيسر. وكما ذكر الشيخ: على الصحيح، لا يجز إخراجها من غير القوت المعتاد. لا مال ولا لباس ولا غير ذلك. حتى ولو كان هذا اللباس أغلى، حتى ولو كان المال أنفع؛ لأن هذا المقصود منه جنسه، وليس ثمنيته. فالزكوات عبادة نتعبد لله عز وجل بها. وكل عبادة ينبغي أن نمتثل فيها المقصود الشرعي. المقصود الشرعي في هذا الموضع: أن هذه الزكاة تجبر ما يكون من تقصير في الطعام. مثلا إنسان أكل قبل الوقت، أو كذلك استعجل في الفطر، هذا حصل خطأ في ماذا؟ في طعام. جبره يكون طعام. جبره يكون طعام. فالجبر من جنسه. فلذلك جعل الشرع الإخراج من غالب قوت الناس. حتى قال بعض أهل العلم: الأفضل أن كل إنسان يخرج من نفس قوته. كما قال الله عز وجل: «من أوسط ما تطعمون أهليكم». فإن كان يأكل البر أو الشعير، فيخرج البر والشعير. إن كان يأكل الرز، يخرج الرز. إن كان يأكل غيره، يأكل غيره. وهل يستحب إخراج الإدام معه؟ لا يستحب إخراج الإدام معه؛ لأنه لم يصح، ولم يأمر به النبي صلى الله عليه وسلم مع وجود سببه، ولم يكن كذلك في فتاوى الصحابة ولا التابعين. بل حفظه، وأنفع للفقراء أن يكون من قوت البلد الجاف، من قوت البلد الجاف الذي يمكن حفظه جافا. ولهذا دخل التمر والزبيب، وما كان بمعناه من الأمور الجافة. مثل ماذا؟ مثل التين، التين والمشمش في بعض البلاد قوت، يجوز أن يكون في مقام التمر والزبيب والشعير والحب والطعام. كل أنواع الحبوب يدخل فيها الرز، يدخل فيها الذرة، كما قلنا الكسكس والكشيشة، وما كان بمعناها من أنواع الحبوب. وهكذا قل. كل شيء بمثله. الشرع لا يجمع بين مفترق كما لا يفرق بين مجتمع. كذلك نبه الشيخ رحمه الله: أنه لو حصل سبب للتأخير معذر، فيجوز إخراجها بعد الصلاة لهذا السبب. مثلا نسي أن يخرجها قبل الصلاة، وضعها في السيارة يريد أن يخرجها قبل الصلاة. ومع تأخره لصلاة العيد، نزل مع أولاده مهرولا يريد أن يدرك الصلاة، صلى. وأثناء الصلاة تذكر زكاة الفطر في السيارة، ماذا يصنع؟ هل يبقيها أو يخرجها؟ يخرجها بعد الصلاة ولا حرج. ربنا لا تأخذنا إن نسينا وأخطأنا. جاء في حديث ابن عباس في صحيح مسلم: قال الله عز وجل: «قد فعلت». وهكذا كذلك لو أعطاها لإنسان، فوكله. فنسي الموكل، فجاء فقال: هل أخرجت زكاة الفطر؟ قال: سامحني نسيت. فماذا يصنع؟ هل يتركها؟ يأخذها ويخرجها. من نام عن صلاة أو نسيها، فوقتها إذا ذكرها. والشرع لا يجمع بين مفترق كما لا يفرق بين مجتمع. أو حصل له عذر مكره. إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا إليه. يمشي بالطريق يريد أن يذهب إلى صلاة العيد، وفي مصلى العيد سيعطي صدقة الفطر للفقراء هناك. لكن دخل في زحام شديد، أو صار حادث قدر الله عليه شيء، فتأخر عن الصلاة وعن الذهاب. هل هذا برضاه؟ ليس برضاه، أكرها على ذلك. فماذا يصنع بالزكاة؟ هل يمنعها؟ يتركها؟ لا يخرجها. متى ما تيسر له لوجود هذا الإكراه، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه». ونظائر هذا كثير. يوجد إمام مسجد، تأتيه الزكاة في رمضان. واتفقوا على إعطاء الإمام ولجنة المسجد من خمسين ألف، ومن يعمل في المسجد ثلاثين ألفا، ومن يأتي المسجد بعشر ألاف. هل هذا الإنفاق صحيح؟ مع أنهم كلهم من المساكين المحتاجين. الواجب هو الإعطاء بحسب الحاجة، لا بحسب القرب. ليس تخص العطية لمن هو قريب منك. أنت موكل بأن تعطي هذا المال وتوزعه لمن يستحقه، فتبدأ بالأولى في حاله وفاقته وحاجته، وليس الأقرب منك. فلذلك إذا كان الإمام غني، ويوجد في المصلين فقير، يبدأ بالفقراء، ولا بالإمام. يبدأ بالفقراء. لكن إذا كان الإمام فقير، ويوجد مثله فقراء، فيعطى الإمام مثل غيره. يعطى الإمام مثل غيره. يبقى هنا السؤال: إذا كان الإمام متفرغ، ولا يمكن أن يتفرغ إلا بإعطائه ما يكفيه لسنة. فهل يجوز أن يعطى بما يكفيه، ثم الزائد يوزع على المحتاجين؟ يقال: إن لم يوجد من هو أولى منه، فهو يقدم. وإن وجد من هو أولى منه، فتكون الأولوية لمن هو أولى. والله تعالى أعلم. وهذا سائل يقول: يروّج في هذه الأيام الزيارة زيارة نبي الله هود، لقرب وقتها. فهل من نصيحة؟ تكررت النصائح مكتوبة ومسموعة في هذه الزيارة. نسأل الله أن يهدينا ومن ضل من المسلمين. هذه الزيارة المزعومة ليس لها أصل، وهي من البدع والمحدثات والضلالات. بل من الاجتماعات المحرمة المليئة بالمخالفات الشرعية. ففيها الكثير من الشركيات والوثنيات والخرافات والخزعبلات، وأكل أموال الناس بالباطل. والاختلاط المحرم، والمضاهاة لحج بيت الله الحرام، فيجعلونها كالحج. يبدأون في يوم السابع أو السادس من شهر شعبان، ثم يجعلون لها يوما كيوم التروية، يذهبون عند النهر الذي يسمى بنهر هود، ويذهبون فيشربون كما يشرب من زمزم. ثم عندهم وقفة مثل وقفة يوم عرفة، في يوم التاسع كما يقفون كما يقف الحجاج في يوم عرفة. وعندهم صلاة عند مقام كالصلاة عند مقام إبراهيم، وعندهم طواف كالطواف بالبيت، وعندهم صلاة ركعتين مثل ركعتين المقام، وعندهم كذلك رمي مثل رمي الجمار، وعندهم عيد يعيدون به كما يعيد أهل الحج يوم العاشر. بعد أن يكملوا هذه، يخرجون للعيد بالمزامير والطبل وغير ذلك، وتكون من المنكرات الشيء العظيم. وكل هذا مما يزينه شياطين الجن والإنس بإعادة هذه الوثنيات والخرافات. إضافة إلى ما يهدفون إليه من الاتجار بأسماء الأولياء. كما يقول عندنا العامة: القبقبة للولي، والفائدة للقيوم. فالذبائح والقداح كلها لمن؟ لهؤلاء السدنة. النذور والأوقاف والرؤوس والطعام والشراب وغير ذلك، يذهب لهؤلاء السدنة، فيأكلون أموال الناس بالباطل بإسم كرامة الأولياء وحب الأنبياء، وكله كذب ودجل وأكل أموال للناس بالباطل. وتلك الأسواق والتجارات التي تقوم على ظهر زيارة نبي الله هود، وليس لنبي الله هود قبر ولا شيء. نص شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أنه على الصحيح من أقوال أهل العلم، لا يعرف قبر نبي، حاشى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. وليس أحد من الأنبياء يعلم له قبر إلا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فقط، الذي يعلم مكان قبره. وأما سائر الأنبياء فليس كذلك. ولذلك من الكذب على نبي الله هود: أنه يزعم له قبر في اليمن في أكثر من موضع، ويزعم له قبر في العراق، وفي سوريا، وفي مواضع كثيرة. وكلها تسمى قبر نبي الله هود. بل هذا القبر الذي يزعم ويزار إليه، إذا نظرت عليه نظرت إليه، علمت الكذب والدجل الذي فيه. عبارة عن حجارة مرصوصة في جبل، الرأس منكس في أسفل الجبل، والرجلين في أعلى الجبل. وطول إنسان من العمالقة، ليس إنسانا، إنما بناء طويل جدا، مبني على سفح الجبل. حتى إذا رأيت البناء، ما تجد أثر الحفر، ولا تجد أثر أن هنا قبر. وإنما هكذا صخرات، عليها بعض البناء على نفس الجبل. ثم يدعون أنه قبر نبي الله هود. أدنى عاقل بأدنى نظرة سيعرف أن هذا كذب ودجل وأكل أموال الناس بالباطل. فضلا عن هذه المخالفات والمنكرات التي تحصل. هدانا الله عز وجل وإياهم إلى سواء السبيل. ونسأل الله عز وجل أن يعين ولاة الأمر والمسؤولين لإزاحة مثل هذه الخرافات وهذه الخزعبلات التي لا تليق بشعب عرف بالإيمان والحكمة. أين الحكمة من أناس يردون هذا العصر إلى العصر الجاهلي؟ كأننا في سنة صفر، ليس كأننا في سنة ألفين وأربع وعشرين، أو ألف واربعمائة وخمسة واربعين. نحن الآن بعد الإسلام بأكثر من ألف واربعمائة وخمسة واربعين عام على الإسلام والتوحيد والسنة. وهؤلاء يردون إلى عهد الخرافة والوثنيات، كأننا في عصر الجاهلية. مما ترى من تلك الخرافات والتعلق بتلك الوثنيات، تستغرب أين عقول هؤلاء؟ هذا يرمي بالخيط في طرف القبة، يا فلان هب لي الولد. يذهبون أول شيء إلى عينات، ثم يمرون بتريب قبل عينات، ثم عينات، ثم يذهبون إلى ما يسمى بزيارة هود. وفي أثناء الطريق من أصناف الخرافة والوثنية والشركية وغير ذلك، الأعمال الشركية وغير ذلك، ما يندى له الجبين. ووالله مثل هذا عيب في حق الإنسان، فضلا عن مسلم، فضلا عن من عرف طريق الإيمان والتوحيد والسنة. الذي ينظر إلى هؤلاء يقول: إيش هؤلاء؟ ما هذا الجهل؟ وما هذه الخرافة التي يعيشونها؟ نسأل الله عز وجل أن يهدينا وإياهم إلى سواء السبيل، وأن يجعلنا هداة مهتدين. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. جزاكم الله خيرا.