الدرس في التعليق على فصول في الصيام والتراويح والزكاة للعلامة العثيمين 2، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
درس الشيخ عبد الله بن عمر بن مرعي في التعليق على رسالة فصول في الصيام، مبينا أن الصيام عبادة تقرب العبد إلى ربه وأنه سبب للتقوى وضبط النفس. كما ذكر أن الصيام يحقق العديد من الفوائد الصحية والروحية.
يتناول المقطع أحكام صيام المريض والمسافر، حيث قسم المريض إلى قسمين وترخيص الله للمسافر في الفطر أثناء السفر. كما يوضح أحكام الصيام للمريض الذي يرجو الشفاء والذي لا يرجو الشفاء.
لا يجوز الفطر في رمضان بسبب الأعمال الشاقة إلا إذا كان العمل يؤدي إلى ضرر حقيقي. يجب على العمال البحث عن حلول أخرى مثل تأجيل العمل أو القيام به ليلا.
درس فضيلة شيخنا العلامة أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي حفظه الله في التعليق على رسالة فصول في الصيام والتراويح والزكاة للعلامة الفقيه محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى. بسم الله، الحمد لله، صلاة السلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، من ولاه. أما بعد، فبين أيدينا رسالة شيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمه الله: فصول في الصيام والتراويح والزكاة. ونواصل إن شاء الله القراءة فيه بما يتيسر. بسم الله، بسم الله الرحمن الرحيم، قال الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين، عليه رحمة الله: الفصل الثاني في حكم الصيام وفوائده. من أسماء الله تعالى: الحكيم، والحكيم من اتصف بالحكمة. والحكمة إتقان أمور، ووضعها في مواضعها. ومقتضى هذا الاسم من أسماء الله تعالى أن كل ما خلقه الله تعالى أو شرعه، فهو لحكمة بالغة، علمها من علمها، وجهلها من جهلها. وللصيام الذي شرعه الله وفرضه على عباده حكم عظيمة، وفوائد جمة. فمن حكم الصيام أنه عبادة يتقرب بها العبد إلى ربه بترك محبوباته، المجبور على محبتها، من طعام وشراب ونكاح، لينال بذلك رضا ربه، والفوز بدار كرامته. فيتبين بذلك إيثاره لمحبوبات ربه على محبوبات نفسه، وللدار الآخرة على الدنيا. ومن حكم الصيام أنه السبب للتقوى، إذا قام الصائم بواجب صيامه. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. فالصائم مأمور بتقوى الله عَبْزِ وَجَلْ، وهي امتثال أمره، واجتناب نهيه. وذلك هو المقصود الأعظم بالصيام. وليس المقصود تعذيب الصائم بترك الأكل والشرب والنكاح. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ وَالْجَهْلَ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» رواه البخاري. قول الزور: كل محرم من الكذب والغيبة والشتم وغيرها من الأعمال المحرمة. والعمل بالزور: العمل بكل فعل محرم، من العدوان على الناس بخيانة وغش وضرب الأبدان وأخذ الأموال ونحوها. ويدخل فيه الاستماع إلى ما يحرم الاستماع إليه، من الأغاني المحرمة والمعازف، وهي آلات اللهو. والجهل والسفه: هو مجانبة الرشد في القول والعمل. فإذا تحلى الصائم بمقتضى هذه الآية والحديث، كان الصيام تربية لنفسه، وتهذيبًا لأخلاقه، وسلامة سننه. ولم يخرج شهر رمضان إلا وقد تأثر تأثرًا بالغًا، يظهر في نفسه وأخلاقه وسننه. ومن حكم الصيام أن الغني يعرف قدر نعمة الله عليه بالغنى، حيث إن الله تعالى قد يسر له الحصول على ما يشتهي من طعام وشراب ونكاح، مما أباح الله شرعًا، ويسر له قدرًا فيشكر ربه على هذه النعمة، ويذكر أخاه الفقير الذي لا يتيسر له الحصول على ذلك، فيجود عليه بالصدقة والإحسان. ومن حكم الصيام التمرن على ضبط النفس والسيطرة عليها، حتى يتمكن من قيادتها لما فيه خيرها وسعادتها في الدنيا والآخرة. ويبتعد عن أن يكون إنسانًا بهيميًّا لا يتمكن من منع نفسه عن لذتها وشهواتها لما فيه مصلحتها. ومن حكم الصيام ما يحصل من الفوائد الصحية الناتجة عن ثقل الطعام، وإراحة الجهاز الهضمي فترة معينة، وترسب بعض الفضلات والرطوبات الضارة بالجسم، وغير ذلك. هذه مجموعة من الحكم في هذا الفصل من حكم وفوائد الصيام. فقد ذكر الشيخ رحمه الله أهم هذه الحكم. وقد أوصل بعض أهل العلم الحكم إلى أكثر من مئة حكمة. فحكم وفوائد الصيام كثيرة جدًّا، ولكن هذا المذكور من أهم هذه الحكم وأهم فوائدها. وقد دلت الأدلة من الكتاب والسنة على ذلك. أعظم حكمة: تقوى الله، كما قال الله عز وجل: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. فالله سبحانه غني عن جوعنا وعطشنا وتعبنا ونصبنا، ولكن المقصود هو أن يصل التقوى إلى قلوبنا وجوارحنا. ولذلك يجد الصائم حال صيامه من الإقبال على الطاعة والرغبة في الخير ما لا يجد في غير وقت الصيام. وهذا من حكمة الله سبحانه وتعالى. ومن هذه الحكم أن الله عز وجل جعل شهر رمضان موسما من مواسم الخيرات والاستزادة من الطاعات والتنافس في القربات. والنفس تثقل مع الأكل والشرب، وبالصيام يجد الإنسان خفة. هذه الخفة حسية بترك الطعام والشراب، ومعنوية بتحقق التقوى والقرب من الله. وهذان السببان يساعدان على استغلال الفرصة في هذا الموسم العظيم من مواسم الخيرات والتنافس في الطاعات والقربات. ولذلك تجد الإنسان في رمضان ينشط على الطاعات ما لا يستطيع أن ينشط على مثلها في غير رمضان. وهذا مجرب يجربه ويدركه العام فضلا عن طالب العلم. لو سألت أكثر الناس: ما هو الشهر الذي تذكر نفسك أكثر ما تكون فيه من الطاعات والقربات؟ لو دار ودار سيرجع إلى شهر ماذا؟ رمضان. إن جئت إلى القيام، إن جئت إلى الصيام، إن جئت إلى الصدقة، إن جئت إلى قراءة القرآن، إن جئت إلى لزوم بيت الرحمن، فأي طاعة من الطاعات ستجد أن أكثر الناس يجتهدون فيها متى؟ في شهر رمضان. وهذا من حكمة الله عز وجل في جعل الصيام مصاحبًا لهذا الموسم من مواسم الخيرات. ولهذا النظائر؛ لأجل أن نعرف عظيم حكمة الله عز وجل في تشريعاته. شرع الله عز وجل في العشر من ذي الحجة أنواعًا من الطاعات؛ لماذا؟ لأن العشر من ذي الحجة كذلك موسم آخر من مواسم الخيرات والتنافس في الطاعات، حتى قال -كما في حديث ابن عباس-: «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ». فلذلك يشرع فيها أنواع الطاعات والقربات؛ حتى يجتهد ويجتهد الإنسان في إعمارها. وأشد من ذلك العشر الأواخر من رمضان؛ فلذلك شرعت عبادات زائدة فيها؛ لماذا؟ لأجل أن تستغل هذه العشر أكثر. فشرع فيها الاعتكاف، وشرع فيها زيادة قيام الليل. فقيام الليل في العشر الأواخر أكثر من الأيام في أول الليل، كما ثبت من حديث عائشة، وعدد من الصحابة رضي الله عنهم. كما قالت عائشة: «إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ وَأَيْقَظَ لَيْلَهُ وَأَحْيَا أَهْلَهُ» يعني: معناه زاد اجتهاده عليه الصلاة والسلام في هذه العشر. هذا قليل من كثير مما يحصله الإنسان في هذا الشهر، شهر الصيام. وهذا من حكم الصيام. كذلك ما ذكر من أنه سبب يعين على ترك الذنوب والمعاصي؛ لأن الشهوة تقلل، والرغبة في الشر تضعف، والجسد يضعف، والنفس الأمارة بالسوء تضعف. ومن لم يكن كذلك لم يستفد من صيامه وقيامه. ولهذا جاء في الحديث: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ وَالْجَهْلَ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ». وهكذا جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام: «أَنَّ مَنْ سَابَّهُ أَحَدٌ فَلْيَقُلْ إِنِّي صَائِمٌ» يذكر نفسه، ويذكر غيره بالصيام؛ حتى لا يخدش هذا الصيام. فالصوم -كما جاء في حديث ابن مسعود- له وجاء، يعني: حماية ووقاية، حماية ووقاية. فينبغي أن ينتبه لهذه الحكمة: أن الصيام وقاية وحماية. ولذلك يشرع الصيام في غير رمضان لهذه الحكمة، وخصوصًا مع الشاب. يا معشر الشباب: «مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ». وجاء معنى: وقاية وحماية. وهذا من حكم الصيام. وهكذا ما ذكر من الحكم الأخرى: الحسية والمعنوية. ومن هذه ما أشار إليه من ضبط النفس. ففي الصيام يتعود الإنسان ضبط نفسه. بينما ربما يكون في غير رمضان غير متصور. كثير من الناس ممن لم يتعود الصيام يستعظم ويستفظع الصيام جدًّا، خصوصًا من يكون حديث عهد بإسلام، من الكفار، ما تعود الصيام في حياته أبدًا. كبرى وهو لم يتعود على الصيام. فإذا قيل له: تصوم، يفكر أخماسًا في أسداس: كيف سيصوم؟ وكيف يستطيع؟ خصوصًا إذا كان من بلاد باردة، وجاء إلى بلاد حارة. لكن إذا جاءت النية، ودخل الإيمان، ووقع في القلب، يترك ذلك لله عز وجل. فيروض ويهذب نفسه، فينتصر على نفسه الضعيفة. فإذا انتصر، أزال هذا الأمر الذي كان هولًا كبيرًا في نفسه. وعند ذلك يكون -كما قال الشيخ رحمه الله- قد سيطر على نفسه، ولم يعش الحياة البهيمية. وهذا فيما يتعلق بالطعام والشراب والشهوة. فإذا كان هذا في المباح، فكيف بالحرام؟ الذي استطاع أن يمسك نفسه في المباح، زوجته بجانبه تركها لله سبحانه وتعالى. فكيف بالحرام؟ إذن من باب أولى أنه سيكون قوي الإيمان، أن يقع في الحرام. ولذلك الكافر الذي تعود على الحرام يستغرب -كما قال بعض هؤلاء الكفار-: أتعجب منكم أيها المسلمون، كيف تصبرون على هذه العطشة؟ يتعجب؛ لماذا؟ لأنه تعود فعل الحرام، واستسهله، فاستصعب الوقوف. لكن الذي تعود الطاعة، وعظم الرب سبحانه وتعالى، فهو ليس بهيميًّا. عنده من قوة الإيمان، وترويض النفس ما يستطيع أن يضبط نفسه عند حدود الله. والصيام أحد المواضع التي تهذب هذه النفس، وتكسر شهواتها. وأخيرًا: الفوائد الصحية. وذكر الشيخ بعض هذه الفوائد، وذكر العلماء فوائد صحية كثيرة جدًّا فيما يتعلق بحكم الصيام. والمقصود ليس هو الاستيعاب، وإنما الإشارات بمثل هذه الإشارات. قال الشيخ عليه رحمة الله: الفصل الثالث في حكم صيام المريض والمسافر. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾. والمريض على قسمين: أحدهما: من كان مرضه لازمًا مستمرًّا لا يرجى زواله، كالسرطان. فلا يلزمه الصوم؛ لأنه ليس له حال يرجى فيها أن يقدر عليه. ولكن يطعم عن صيام كل يوم مسكينًا. إما بأن يجمع مساكين بعدد الأيام، فيعشيهم أو يغديهم، كما كان أنس المالك رضي الله عنه يفعله حين كبر. وإما بأن يفرق طعامًا على مساكين بعدد الأيام، لكل مسكين ربع صاع نبوي، أي: ما يزن نصف كيلو وعشرة جرامات من البر الجيد. ويحسن أن يجعل معه ما يأذنه من لحم أو دهن. وبث ذلك الكبير العاجز عن الصوم؛ فيطعم عن كل يوم مسكينًا. الثاني: من كان مرضه طارئًا غير ميؤوس من زواله، كالحمى وشبهها. وله ثلاث حالات: الحال الأولى: أن لا يشق عليه الصوم، ولا يضره. فيجب عليه الصوم؛ لأنه لا عذر له. والحال الثانية: أن يشق عليه الصوم، ولا يضره. فيكره له الصوم؛ لما فيه من العدول عن رخصة الله تعالى، مع الإشقاق على نفسه. والحال الثالثة: أن يضره الصوم. فيحرم عليه أن يصوم؛ لما فيه من جلب الضرر على نفسه. وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾. وقال: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾. وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» أخرجه ابن ماجه والحاكم. قال النووي: وله طرق تقوي بعضها بعضًا. ويعرف ضرر الصوم على المريض: إما بإحساسه بالضرر بنفسه، وإما بخبر طبيب موثوق به. ومتى أفطر المريض في هذا القسم، فإنه يقضي عدد الأيام التي أفطرها إذا عوفي. فإن مات قبل معافاته، سقط عنه القضاء؛ سقط عنه القضاء؛ سقط عنه القضاء؛ لأن المريض فارضه أن يصوم عدة من أيام أخر، ولم يدركها. والمسافر على قسمين: أحدهما: من يقصد بسفره التحيل على الفطر. فلا يجوز له الفطر؛ لأن التحيل على فرائض الله لا يسقطها. الثاني: من لا يقصد ذلك. فله ثلاث حالات: الحال الأولى: أن يشق عليه الصوم مشقة شديدة. فيحرم عليه أن يصوم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان في غزوة الفتح صائمًا، فبلغه أن الناس قد شق عليهم الصيام، وأنهم ينظرون فيما فعل. فدعا بقدح ماء بعد العصر، فشربه. والناس ينظرون. فقيل له: إن بعض الناس قد صاموا. فقال: «أُولَئِكَ الْعُصَاةُ أُولَئِكَ الْعُصَاةُ» رواه مسلم. الحال الثانية: أن يشق عليه الصوم مشقة غير شديدة. فيكره له الصوم؛ لما فيه من العدول عن رخصة الله تعالى، مع الإشقاق على نفسه. الحال الثالثة: أن لا يشق عليه الصوم. فيفعل الأيسر عليه من الصوم والفطر؛ لقول الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾. والإرادة هنا بمعنى المحبة. فإن تساويا، فالصوم أفضل؛ لأنه فعل النبي صلى الله عليه وسلم. كما في صحيح مسلم: «أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَمَضَانَ فِي حَرٍّ شَدِيدٍ حَتَّى إِنْ كَانَ أَحَدُنَا لَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ وَمَا فِينَا صَائِمٌ إِلَّا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ». والمسافر على سفر من حين يخرج من بلده، حتى يرجع إليها. ولو أقام في البلد الذي سافر إليها مدة، فهو على سفر، ما دام على نية أنه لن يقيم فيها بعد انتهاء غرضه الذي سافر إليها من أجله. فيترخص برخص السفر، ولو طالت مدة إقامته؛ لأنه لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم تحديد مدة ينقطع بها السفر. والأصل بقاء السفر، وثبوت أحكامه؛ حتى يقوم دليل على انقطاعه وانتفاء أحكامه. ولا فرق في السفر الذي يترخص فيه بين السفر الطويل كحج أو عمرة أو زيارة قريب أو تجارة ونحوه، وبين السفر المستمر كسفر أصحاب السيارات الأجرة -التاكسي- أو أهلها من السيارات الكبيرة. فإنهم متى خرجوا من بلدهم، فهم مسافرون. يجوز لهم ما يجوز من المسافرين الآخرين: من الفطر في رمضان، وقصر الصلاة الرباعية إلى ركعتين، والجمع عند الحاجة إليه بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء. والفطر أفضل لهم من الصيام إذا كان أيسر لهم. ويقضونه في أيام الشتاء؛ لأن أصحاب هذه السيارات لهم بلد ينتمون إليها. فمتى كانوا في بلدهم، فهم مقيمون لهم ما للمقيمين، وعليهم ما عليهم. ومتى سافروا، فهم مسافرون لهم ما للمسافرين، وعليهم ما على المسافرين. هذا فصل في أحكام الصيام. ومن أهم أحكام الصيام ما يتعلق بأحكام المريض والمسافر. فأما المريض، فقسمهما -أو قسم المرضى- رحمه الله إلى قسمين: من مرضهم مزمن. فهؤلاء يقضون عن كل يوم مسكينًا إن كانوا يستطيعون. إذا كان هناك أمل للقضاء. أما إذا كان غلب على الظن أنه لن يجد العافية، فهذا يطعم عن كل يوم مسكينًا. مثلا: إنسان أصيب بالسرطان، وبدأ يتعالج، وأمله للأطباء بالشفاء. فهل الأفضل في حقه الإطعام، أو الأفضل في حقه انتظار حتى يشفى؟ الجواب: إذا كان يرجو الشفاء، فينتظر حتى يشفى؛ لقول الله عز وجل: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. هذا هو الأصل. وإذا استيقن أنه لن يشفى، سيبقى على هذا طوال حياته. فهنا ينتقل إلى الثاني: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾. يعني: يطعم عن كل يوم مسكينًا. مثل الكبير في السن، يأس من أن يستطيع القضاء. وهكذا كذلك صاحب المرض المزمن، كالسرطان المزمن، أو الأمراض المزمنة، أمراض كبار السن، كالقلب والفشل الكلوي ونحوه من الأمراض المزمنة التي تلازم بعض الناس. فمثل هؤلاء يطعم عن كل يوم مسكينًا. وما حد هذا الإطعام؟ قال الشيخ رحمه الله: ربع صاع نبوي، أي: ما يزن نصف كيلو وعشر جرامات من البر الجيد. نصف كيلو وعشر جرامات من البر الجيد. ويحسن أن يجعل معه ما يأدمه من لحم أو دهن. هكذا قال الفقهاء. وقال بعض أهل العلم من الفقهاء: قديمًا وحديثًا، يطعم ما يطعم من غالب طعامه. يعني: مثلا إذا كان يأكل قرابة خمسة عشر ريالًا، أو مثلا ما يعادله من عملتنا. صرف العشرة كم؟ ربع ألف مثلا، أو أقل على ألفين. فيجعل ذلك لقول الله عز وجل في كفارة اليمين: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾. قال العلماء: هذه قاعدة. من استطاع أن يصير عليها عمل بها. من استطاع أن يصير عليها عمل بها؛ لأن الغني يطعم من غناه، والفقير يطعم من فقره. وهذا عدل. والله أعلم. فالفقير يطعم من فقره، والغني يطعم من غناه. والقسم الثاني: أهل الأمراض الطارئة. قسمهم رحمه الله إلى ثلاثة أقسام: أصحاب الأمراض الخفيفة التي لا تضر بالصيام، مثل وجع الضرس، وألم الأصبع، والحمى اليسيرة. فمثل هذا يصوم، ولا يضره ذلك. وأما إذا اشتد المرض، فأضر به. فيجب أن يفطر؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ». بل لقول الله عز وجل: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾. وما هو الضابط؟ الضابط -كما قال العلماء- هو أن ما كان الصيام يزيد في المرض. إذا كان الصيام سيزيد في المرض. فهنا يجب أن يفطر. يجب أن يفطر. مثاله: إنسان يحتاج أن يشرب مضادًّا حيويًّا، ويشرب بعض الأدوية التي تخفف عنه المرض، وتأخير هذا الدواء يزيد في المرض. فإذن هنا سيتحقق الضرر. وربما جرب ترك مرة واحدة، فزاد المرض. زادت الحمى. ربما ترتبت الحمى إلى أن تهلكه. فهنا نقول له: يجب أن تفطر، ولا تقتل نفسك. الحمى إذا زادت جدًّا تقتل. أو لا تقتل؟ تقتل. كما صحت بذلك السنة عن النبي عليه الصلاة والسلام. والحالة الثانية أو الثالثة الوسط بين الخفيف والشديد. وهنا -كما ذكر شيخنا رحمه الله- في مثل هذه الحالة: الأفضل أن يأخذ بالرخصة، ولا يشق على نفسه. فإن الله يحب أن تؤتى رخصه، كما يحب أن تأخذ عزائمه. وأما المسافر، فقسم الشيخ رحمه الله أهل السفر إلى قسمين: من يسافر ليحتال على الفطر. الذي لا يختل السفر إلا في رمضان. بعض من ضعف تدينهم يجعل سفره في رمضان؛ لماذا؟ لأجل يفطر. فمثل هذا يعامل بضد نيته -كما قال أهل العلم- أن من احتال على رمضان بالسفر، لم يحل له الفطر، وصار آثمًا بفطره ذلك؛ لأنه تعمد السفر. أما من عرض له السفر لعمره، لعمل، لمعاملة، عرض له السفر، لم يتعمد السفر في رمضان، لم يتعمد السفر ليفطر. فهذا أمره آخر. وهل سفر المعصية يدخل في هذا، ولا يترخص به؟ قال العلماء بذلك. والصحيح أنه يأثم، وإذا قضى أجزأه ذلك. لكنه يأثم على سفره. سفر المعصية. وأما القسم الثاني، فهو من سافر سفرًا مباحًا، أو كذلك جاز له السفر لأي سبب آخر. فهؤلاء كذلك ثلاثة أقسام: قسم يضرهم الصوم. فيجب عليهم الفطر. مثل الذي عنده بعض المرض، أو الضعف، كبير في السن، ضعيف في البنية، عنده بعض الأمراض. إذا أفطر يضر به. فهنا نقول له: إذا صام يضر به. نقول هنا: يجب عليه أن يفطر؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ». ولقوله سبحانه: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾. القسم الثاني: من يكون معه مشقة شديدة. فمثل هذه المشقة الشديدة التي قد تضر بأداء الواجب. كذلك الصحيح أنه يفطر. ثم يتفاوت الناس في التحمل. فقد يكون مستحبًّا، وقد يكون واجبًا. والثالث: إذا استوت. فهنا يقول: الأفضل. وهذه الحالة الثالثة: أنه يصوم؛ لفعل النبي صلى الله عليه وسلم، عبد الله بن رواحة -كما سمعنا-. وهنا ألحق العلماء من كان عنده نفس العلة في الحضر. إذا كان هناك مضرة في الحضر في الصيام؛ لدفع مضرة أكبر منها. فإنه يجوز له الفطر ولو كان في الحضر. واستدلوا بأمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بالفطر في الغزو. في الغزو. قالوا: هل أمره بالفطر لأجل السفر، أو لأجل الغزو؟ الصحيح أنه لأجل الغزو؛ لدفع مضرة أكبر. فإذا كان الغزو في وقت الحضر. فهل لا يجوز الفطر؟ الجواب: لا. بل يجب الفطر؛ لأن العلة موجودة. غضب النبي صلى الله عليه وسلم حين أمرهم بالفطر، ولم يستجيبوا. فقال: «أُولَئِكَ الْعُصَاةُ»؛ لماذا؟ لأنهم سيدخلون على حرب وقتال، وهم ضعاف بصومهم. فأمرهم عليه الصلاة والسلام بالفطر. وهذه العلة موجودة في الحضر. أو ليست موجودة؟ موجودة في الحضر. فإذا هجم العدو على بلد مسلم، وهم صيام. وكان الصيام سيضعفهم في دفع هذا العدو. نقول: يجب. أو لا يجب؟ يجب أن يفطروا. ولو لم يكونوا من المسافرين. ما هي العلة؟ نفس العلة في عام الفتح؛ لأجل دفع مفسدة أكبر. ومنه قاس العلماء: إنقاذ الغريق، والحريق. إذا كان لا يتم إلا بالفطر. فإنه يجوز الفطر. يجوز الفطر لإنقاذ النفس، إنقاذ الحريق، وإنقاذ الغريق. وقد أفتى شيخنا محمد بن صالح عثيمين رحمه الله: رجال الإطفاء بالإفطار إذا دخلوا في حالة إنقاذ. سأله بعض رجال الإطفاء: إذا حصل حريق في نهار رمضان، ودخلوا مع شدة الحريق. وكان بهم ضعف مع شدة النار، وقوة العمل الشاق. ربما يضعفون عن القيام بالواجب من إنقاذ الناس الذين يحتاجون إلى إنقاذ. فهل يجوز لهم الفطر قبل أن يدخلوا في هذا الحريق؟ قال الشيخ: يجوز. بل يجب. بل يجب إذا كان هناك أنفس. فإنقاذ هذه الأنفس مقدم على الصيام. مقدم على الصيام. واستدل بهذا. وهذه فتوى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. والأمر الأخير: نبه الشيخ رحمه الله تعالى أنه لا فرق في السفر الذي يعرض، وبين من سفره مستمر. مثل أصحاب السيارات -سواء الأجرة أو سيارات النقل- أو سائق الطائرة، أو سائق القطار، أو من كان بمعنى هؤلاء. فالجميع يترخص برخصة السفر. يترخص برخصة السفر. لكن استثنى العلماء من هذا: من ليس له محل إقامة. مثل البدوي الذي يتنقل لرعي الغنم. تنقله ماذا؟ ولو قطع مسافات. ليس سفرًا. ومثل الصياد الذي يخرج ليصطاد، ويقطع المسافات الطويلة. وهو في الحضر. فقطع لهذه المسافات ليس سفرًا. فلا يجوز له أن يترخص بحجة أنه قطع مسافة طويلة. واضح. بل يقال لأمثال هؤلاء: اتركوا الأعمال الشاقة؛ لأن الأعمال الشاقة تضر بكم في وقت الصيام؛ لأنكم لستم بمسافرين. الصياد الذي ينطلق من مكان إقامة. ليس بمسافر. ومن ينطلق من مكان سفر. فهو ماذا؟ مسافر. له رخصة المسافر. والذي ينطلق من مكان إقامة. ليس له رخصة المسافر. بل هو مقيم. فلا يجوز له أن يفطر لأجل قطع المسافات الطويلة؛ من أجل الصيد. الصيد ليس رخصة في الإفطار. كما أن رعي الغنم والإبل ليس رخصة في الإفطار. إلى هنا والله تعالى أعلم. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم. هذا سائل يسأل عن الأعمال الشاقة، كعمال المناجم وغيرهم. هل يجوز لهم الفطر؟ الصحيح من أقوال أهل العلم أنه لا يجوز لهم الفطر. ولا يجوز لهم أن يعملوا في عمل يكونوا سببًا في فطرهم. ومن يبتلى بمثل هذا العمل، وأمثاله. كمن يشتغل في الحمالة، يحمل الأسمنت أو الأكياس الثقيلة والبضائع الثقيلة. وأمثال هؤلاء. ينبغي أن يؤجلوا عملهم إلى غير رمضان. وأن اضطر إلى العمل، يجعله في المساء، وليس في وقت الصيام. وحريص على الصيام. يجب أن يكون هو المقدم. ومَن يتق الله يجعل له مخرجًا، ويرزقه من حيث لا يحتسب. لا يجوز له أن يفطر لأجل هذه الأعمال الشاقة. يبحث عن حل آخر. يعمل بالليل. يشتغل قبل رمضان. يستعد لشهر رمضان. يبدل الأسباب. أما أنه يفطر لأجل العمل، وهو ليس مسافرًا. فلا. لكن هنا يأتي سؤال: إذا عمل الإنسان بغير قصد الإفطار، أخطأ، فكاد أن يهلك. فهل يجوز له أن يفطر؟ نقول: نعم. أفطر لدفع الضرر. وهنا نفرق في أخذ الرخصة لمن أراد أن يدفع الضرر. ومن أخذ الرخصة قبل الوقوع في الضرر. هذا قد وقع في الضرر. فهنا يجوز له الفطر؛ لقول الله عز وجل: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾. «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ». لكن إنسان يعلم أن عمله هذا سيؤدي به إلى الفطر، ويعمل. نقول له: عملك هذا آثم. وأنت فيه. ولا يجوز لك الدخول فيه والحال هذه. طيب، هذه أسئلة ليس لها تعلق بالدرس. يقول: ما حكم قول: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، بعد إقامة الصلاة، وقبل التكبير؟ المشروع أن تقول مثل ما يقول المؤذن فقط. لا تزيد على ذلك. يقول: الصيادون الذين يذهبون للعمل في البلاد الأخرى، كالصومال، كما يحصل لكثير من الصيادين. فماذا عليهم؟ إذا ذهبوا وهم في سفر. فهم مسافرون. أما ذهبوا واستقروا هناك، وهم مقيمون هناك. المسافر له رخصة المسافر، والمقيم ليس له رخصة المسافر. فبحسب حالهم. والغالب أن الصياد إذا ذهب إلى هناك يكون مسافرًا. يقعد فترة فترة يسيرة. أو غير معلومة. فإذا كان مترددًا. فهو في سفر. وأما إذا كان الموسم طويلًا، وقد أخذ العدة والزاد، واستأجر المكان. كحال المقيم. فهو مقيم. يقول: هل الذين يحرمون من الشرب من الحوض هم أهل البدع فقط؟ أم يدخل مع أهل البدع أهل المعاصي وكبائر الذنوب؟ في هذا خلاف. والصحيح أنه يدخل فيهم أهل المعاصي الكبار. الذي يكون من الإحداث. لعن الله من غير منار الأرض. فما كان من الكبائر فيه إحداث. فيكون مثل البدعة. يقول: هل ترك العطايا وعدم المطالبة في المال؟ السؤال مخلوق بين سؤالين. كأنه المهم بالنسبة للعطايا والهبات. إذا تركها الإنسان خشية المدحة. فلا حرج عليه. فلا حرج عليه في ذلك. كما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام في حديث عمر: «إِنْ جَاءَكَ هَذَا الْمَالُ مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ وَلَا اسْتِشْرَافِ نَفْسٍ فَاقْبَلْهُ وَتَمَوَّلْهُ». ومعناه ومفهومه: إذا كان في أحد هذين الأمرين. ومن باب أولى المذلة. فيجوز أن يرفضه. والثاني: عن تقبيل اليد عند أخذ الأموال. هل هذا من المذلة؟ إذا كان تقبيل اليد ليس فيه ما ينافي الشرع. وكان لمن يستحق ذلك من الأب، ومن كان بمعناه. فهذا لا حرج فيه. لكن لا يكون التنقص لأجل المال. فمثل هذه المسكنة مذلة. يقول: ما يضعه بعض العرسان من الحناء في باطن الكف. وبعض الصيادين لعلاج الخشونة. فما حكم ذلك؟ إذا جرى به العرف، ولم ينافي ما جاء من التشبه بالنساء. فلا بأس. من باب العلاج. أو ما كان بمعناه من العرف الذي لا يسخط فيه تشبه بالنساء. أما إذا كان بعض العوائد تشبه عوائد النساء. وهذا حرام. لا يجوز. «لَعَنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَس