أخلاق العلماء للإمام الآجري 3

أخلاق العلماء للإمام الآجري 3

الدرس في أخلاق العلماء للإمام الآجري 3، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

فضل العلماء وأهمية العلم في هداية الناس

يشرح الشيخ أهمية العلماء في هداية الناس ويبين فضلهم، مستشهداً بآثار الصحابة. يُوضح أن العلماء كالنجوم يهتدى بهم في الظلام.

أهمية وجود العلماء في المجتمع وضلال الناس بذهابهم

يُبين أهمية العلماء في إضاءة الطريق للناس ويحذر من خطورة ذهابهم، حيث يؤدي موتهم إلى ظهور الجهل والضلال. يُقدم أحاديث وأقوال الصحابة والتابعين في هذا السياق.

خاتمة وتأكيد على أهمية العلماء ونسبة الصلاة والسلام إلى النبي

يتم التعبير عن أهمية العلماء في حفظ الإسلام ونشر العلم، ويتم التحذير من تبعات ذهابهم. كما يتم التطرق إلى خاتمة النص ونسبة الصلاة والسلام إلى النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

يُصرّح إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدم لكم التعليق على كتاب أخلاق العلماء للإمام الآجري رحمه الله تعالى، تعليق فضيلة الشيخ عبد الله بن مرعي العدني حفظه الله تعالى، القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس الثالث. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام الآجري رحمه الله تعالى في كتابه "أخلاق العلماء": أخبرنا أبو بكر -وهو الآجري نفسه- إذا قيل أبو بكر في أول السند فهو الآجري، فيكون الراوي عنه هو القائل، أو كما تقدم معنا على طريقة الإمام البخاري وغيره، أنه يحده بذلك عن نفسه، خصوصًا إذا لم يأت في أول الكلام ما يدل عليه، فهو كأنه يقول ذلك من باب التواضع، لا يقول: قلت، ونحوه. قال: أنبأنا أبو جعفر أحمد بن يحيى الحلواني، قال: أنبأنا الهيثم بن خارجة، قال: أنبأنا رجدين بن سعد -ورجدين ضعيف، كما أشار في التعليق-، عن عبد الله بن الوليد التجيبي -وهو كذلك ضعيف-، عن أبي حفص -وهو مجهول، كما أشار في التعليق-، قال: حدثني أنه سمع أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن مثل العلماء في الأرض كمثل نجوم السماء، يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، فإذا طمست النجوم يوشك أن تضل الهدى". وهذا بإسناد ضعيف لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم، لكن معناه صحيح. وقد روي موقوفًا عن أبي الدرداء وعن أنس وجماعة، ولم يصح مرفوعًا عن النبي صلى الله عليه وسلم. وأشار الشيخ الألباني رحمه الله في "الضعيفة" في المجلد الثاني عشر إلى ضعفه وذكر طرقه. والشاهد منه أن في هذا التمثيل من الصحابة رضي الله عنهم: أن العلماء في الأرض كالنجوم في السماء، فكما أن النجوم في السماء يهتدى بها في ظلمات البر والبحر -يعني المسافر في البر في الليل، أو المسافر في البحر في الليل يستفيد من وجود النجوم في السماء بأن تبين له الطريق، فيعرف الشمال من الجنوب، من الشرق من الغرب، وبه يتجه للمكان الذي يريد-، فكذلك العلماء في الأرض يهتدى بهم، فيبينون للناس طريق الهدى من طريق الضلال، طريق الاستقامة من طرق الاعوجاج. فإذا انطمست النجوم -يعني إذا لم يكن نجوم في السماء- فكيف يعرف الضائع في الطريق الطريق؟ يضيع. وإذا كان يومًا غائمًا في ليلة ظلماء، فإن الناس يقفون إذا ضاع الطريق عليهم، يقفون لا يمشون حتى يتبين لهم، أو ضاعوا وتاهوا. وهكذا كذلك إذا انطفأت نجوم الأرض -وهم العلماء- بموتهم، ضل الناس، كما سيأتي معناه في حديث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال رحمه الله تعالى: أخبرنا أبو بكر -وهو الأجري نفسه-، قال: أنبأنا أبو بكر بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عبد الحميد الواسطي، قال: أنبأنا زهير بن محمد، قال: أنبأنا الحسن بن موسى، قال: أنبأنا حماد بن سلمة، عن حميد، عن الحسن: أن أبا الدرداء رضي الله عنه قال: "مثل العلماء في الناس كمثل النجوم في السماء يهتدى بها". وهذا بمعنى الأول، وهو موقوف عن أبي الدرداء، وهو الصحيح. فالعلماء في الناس كالنجوم في السماء، كما أن النجوم يهتدى بها، فكذلك العلماء يهتدى بهم، فهم من يوجه الناس، فيرشدونهم إلى طريق الهداية، فيهدي الله عز وجل بهم من ضل، ويتعلم من جهل، ويصوب من أخطأ، وينبه من غفل، وغير ذلك من حسناتهم الكثيرة. قال رحمه الله تعالى: أخبرنا أبو بكر -وهو الأجري نفسه- كذلك كما تقدم، قال: أنبأنا أبو بكر أيضًا، قال: أنبأنا زهير بن محمد، قال: أنبأنا يعلى بن عبيد، قال: أنبأنا محمد بن إسحاق، عن عمه موسى بن يسار، قال: "بلغنا أن سلمان الفارسي رضي الله عنه كتب إلى أبي الدرداء رضي الله عنه: إن العلم كالينابيع يغشى الناس فيختليجه هذا وهذا، فينفع الله به غير واحد". "وإن حكمة لا يتكلم بها كجسد لا روح فيه، وإن علما لا يخرج ككنز لا ينفق، وإن مثل المعلم كمثل رجل عمل سراجًا في طريق مظلم، يستضيء به من مر به، وكل يدعو إلى الخير". وهذا الأثر عن سلمان الفارسي فيه معنى ما تقدم وزيادة. فمن فضائل العلماء: أنهم حمل للعلم وأوعية له، وأن الناس يغشونهم كما يغشون ينابيع الماء، فكل يأخذ بحسب حاجته وقدرته. فمن عنده وعاء كبير أخذ ماء كثيرًا، ومن عنده وعاء صغير أخذ ماء قليلًا. وهكذا من لازم العلماء فأخذ من ينابيع العلماء العلم. وهكذا كذلك المثال الآخر: فالمثال الأول فيه أن الناس نفعهم عظيم أعظم من نفع ينابيع الماء، فإذا كان الناس يموتون بالعطش إذا عدم الماء، فكذلك عطش العلم، فإنهم يموتون ويضلون بسبب عدم وجود العلم والعلماء. وإذا وجدوا نفع الله عز وجل بهم نفعًا عظيمًا، فيغيروا واحدًا خلقًا كثيرًا ينتفعون من علمهم. وهكذا كذلك المهم ليس حمل العلم لقدر ما المهم بدل هذا العلم، فلذلك العلماء العاملون المبادلون هم الذين ينفع الله عز وجل بهم. فالعالم الذي لا يتكلم ولا يخرج علمه للناس كالجسد الذي لا روح فيه، جسد ميت. وهكذا العلم الذي لا يخرج للناس، فالذي لا يبدل علمه كالكنز الذي لا ينفع. وكل هذا مثل مذموم. والمعنى: أنفع الناس من حملة العلم من يبدل العلم ويعمل به. ثم مثل بالمثال الأخير: بأن المعلم مثله كمثل رجل عمل سراجًا، فكما أن السراج يضيء الإضاءة الحسية في الطريق المظلم، فهو يضيء لنفسه ويضيء لغيره. فكذلك من أعطاه الله عز وجل العلم، فإنه يضيء لنفسه ويضيء لغيره. وهذا في قول الله عز وجل: ﴿أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا﴾ [الأنعام:122]. فالدين وما بعث الله عز وجل به نبيه عليه الصلاة والسلام، وأخذ هذا العلم الذي بعث به من بعده من الصحابة، ومن بعدهم من حملة العلم، مثله كمثل هذا المثال: ناس بظلمة شديدة، فأتى إليهم حامل العلم كحامل المصباح، يضيء لنفسه، ويستضيء الناس بضوئه. قال محمد بن الحسين: "فما ظنكم رحمكم الله بطريق فيه آفات كثيرة، ويحتاج الناس إلى سلوكه في ليلة ظلماء، فإن لم يكن فيه مصباح وإلا تحيروا". وهذا كما قال رحمه الله: "وما أكثر آفات الدنيا من فتن الشهوات وفتن الشبهات، فليس شيء يحسم بعد عصمة الله مثل العلم". قال: "فإن لم يكن فيه مصباح وإلا تحيروا". والمراد بالمصباح هنا المصباح المعنوي، هو العلم. كما أن المصباح الحسي ينفع بالظلمة الحسية، فكذلك الظلمة المعنوية. قال: "فقيض الله لهم فيه مصابيح تضيء لهم، فإذا كان كذلك بالظلمة الحسية، فكذلك بالظلمة المعنوية، وهم العلماء". قال: "فبينما هم كذلك أطفئت المصابيح، فبقوا في الظلمة، فما ظنكم بهم؟". إذا كان هذا نذير شر أن يكون الناس في طريق فيه آفات كثيرة، وحصل ما ذكر، فالعافية والسلامة بوجود الضوء، يسلمون من تلك الآفات. وهكذا العلماء، العافية من الفتن والشهوات -وهي الظلمات والآفات المعنوية- وجود العلماء. فإذا ذهبوا جاءت لهم الشرور والآفات المعنوية. قال: "فسلكوا على السلامة والعافية، ثم جاء الطبقات من الناس، لابد لهم من السلوك فيه، وسلكوا فيما بين، فبينما هم كذلك أطفئت المصابيح، فبقوا في الظلمة، فما ظنكم بهم؟". هكذا العلماء في الناس، لا يعلم كثير من الناس كيف أداء الفرائض، وكيف اجتناب المحارم، ولا كيف يعبد الله في جميع ما يعبده به خلقه إلا ببقاء العلماء. فإذا مات العلماء حير الناس، ودرس العلم بموتهم -يعني فني وزال-، وظهر الجهل. فإن لله وإن إليه راجعون، مصيبة ما أعظمها على المسلمين، أي عظيمة عظيمة. فوجود العلماء سبب لسلامة الناس، وذهابهم وموتهم سبب لظهور الجهل وحصول الشر للناس. ولذلك مجتمع ليس فيه علماء، مجتمع ماذا يقع فيه؟ مصائب عظيمة. قال رحمه الله: أخبرنا أبو بكر، قال: أنبأنا عبد الله بن محمد بن عبد الحميد الواسطي، قال: أنبأنا زهير، قال: أنبأنا سعيد بن سليمان، قال: أنبأنا عطاء بن محمد الحراني، عن بعض أصحابه، قال: "قال كعب: عليكم بالعلم قبل أن يذهب، فإن ذهاب العلم موت أهله، موت العالم نجم قمس، موت العالم كسر لا يجبر، وثلمة لا تسد". قال: "بأبي وأمي العلماء". قال: "أحسبه قال: قبلتي إذا لقيتهم -يعني أتجه إليهم حتى أستفيد من علمهم- أو المراد التوجه إلى العلم، ليس القبلة الصلاة". قال: "وضالتي إذا لم ألقهم -يعني أبحث عنهم كما أبحث عن الضالة-، لا خير في الناس إلا بهم". وهذا قليل من كثير في فضل العلماء. فموت العلماء ثلمة لا تسد، كما جاء عن سعيد بن زيد رحمه الله: لما مات عمر رضي الله عنه بكى بكاء شديدًا، فقيل له: لم؟ فقال: "على الإسلام أبكي، إن موت عمر ثلمة لا ترتق إلى يوم القيامة". وهكذا قال الحسن البصري: "موت العالم ثلمة في الإسلام لا تسد ما جرى الليل والنهار". ورؤى مرفوعًا عن النبي صلى الله عليه وسلم عن عائشة، رواه البزار وغيره، ولكنه ضعيف جدًا، موضوع. ونحوه عن جابر وابن عمر، ولا يصح. وأشار إلى ذلك الألباني رحمه الله في "الضعيفة". لكنه صح موقوفًا ومقطوعًا عن عدد من الصحابة والتابعين. قال رحمه الله: أخبرنا أبو بكر -وهو الأجري نفسه-، قال: أنبأنا أبو أحمد هارون بن يوسف التاجر، قال: أنبأنا ابن أبي عمر -يعني محمد العدني، وهو من أهل عدن، عدن اليمن، ليس عدن الشام كما زعم بعضهم-، قال: أنبأنا سفيان بن عيينة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله عز وجل لا يقبض العلم انتزاعًا، إنما يقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا". والحديث في الصحيحين. والشاهد فيه من فضل العلماء: أنهم سبب لسلامة الناس من السوء والشر، فإذا قبض العلماء وقع بالناس السوء والشر بسبب ترأس الجهال. وهذا هو الواقع، وهذا هو الواقع. فهم حملة العلم، أوعيته. فلذلك كان من عظيم فضل العلم وحفظه: حفظ أوعيته، والحرص على حملته. قال رحمه الله تعالى: أخبرنا أبو بكر، قال: أنبأنا أبو بكر بن أبي داود -وأبو بكر الأول هو نفس الأجري-، قال: أنبأنا أحمد بن صالح، قال: أنبأنا عنبسة، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عروة بن الزبير، عن عائشة رضي الله عنها: أنها قالت: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله لينزع العلم من الناس بعد أن يعطيهم، ولكنه يذهب بالعلماء، فكلما ذهب بعالم ذهب بما معه من العلم، حتى يبقى من لا يعلم، فيضلون". وهذا إسناد صحيح. وفيه كذلك ما تقدم وزيادة، وهو: أن بقاء العلماء سبب لبقاء العلم، وذهاب العلماء ذهاب للعلم. وأن العلم ينقص بنقصان العلماء وحملته، حتى لا تقوم الساعة إلا على الجهال. لا تقوم الساعة إلا على الجهال. ولهذا صح عن النبي عليه الصلاة والسلام في الصحيحين، في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: "لا تقوم الساعة حتى يرفع العلم". فكيف يرفع العلم؟ بموت حملته، بموت حملته. فمن أعظم ما يبقي الله عز وجل به الخير في الأرض: بقاء العلماء. فهم أعظم نعمة أنعم الله عز وجل بها على الناس. فبقاءهم بقاء للإسلام، وذهابهم ذهاب للإسلام. لأن العلم يتدرج بالزوال بموت العلماء، حتى إذا لم يبق عالم، وبقي الرؤوس الجهال، أضل الناس بالشهوات وبالشبهات. وهذا هو الواقع. انظروا إلى أحوال الناس في كثير من البلاد، حتى ولو سمت إسلامية. فعين يموت العلماء، ويبقى الجهال ورؤوس الضلال، يضلون الناس بالشهوات والشبهات، حتى يضل المجتمع، فيكون مجتمعًا جاهليًا، والعياذ بالله. فلا ترى من الإسلام إلا اسمه، ولا من القرآن إلا رسمه. فلا صلاة، ولا صيام، ولا زكاة، ولا شيء من شعائر الإسلام. قال رحمه الله: أخبرنا أبو بكر، قال: أخبرنا أبو أحمد هارون بن يوسف، قال: أنبأنا ابن أبي عمر، قال: أنبأنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي وائل، قال: "سمعت عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقول: هل تدرون كيف ينقص الإسلام؟ قالوا: كيف؟ قال: كما ينقص الدابة سمنها، وكما ينقص الثوب من طول اللبس، وكما ينقص الدرهم من طول الخبر". "وقد يكون في القبيل عالمان، فيموت أحدهما، فيذهب نصف علمهم، ويموت الآخر، فيذهب علمهم كله". وصدق رحمه الله ورضي الله عنه. فنقصان الإسلام بموت العلماء. وما أحسن ما مثل رحمه الله. فإن النقصان يأتي شيئًا فشيئًا بموت العلماء، عالمًا فعلمًا. كالدابة ينقص سمنها -يعني تكون سمينة-، ثم تصير شيئًا فشيئًا حتى يأتي بها الزمان وتكون عجفاء، تراها كأنها ستموت من شدة هزالها ووعفها. وبينما كانت في يوم من الدهر ماذا؟ سمينة. ما تصدق أن هذه هي التي كانت بالأمس كيف؟ شيئًا فشيئًا. فكذلك موت العلماء، حتى لا تصدق أنه كان بهذا المكان علم. فإن لله وإن إليه راجعون. ومن الأمثلة الحاضرة: بلد الأندلس، منارة العلم، العلماء في فترة ماضية، مساجد عظيمة، وآثار للمسلمين كبيرة. تدخل بعض المساجد أكبر من هذا المسجد بأربع مرات، من أكبر الجوامع. أين من كان فيها؟ بعض هذه المساجد كان فيها أكثر من ألف حلقة علم، وفيها من العلماء ليس المئات، كان يأتي الناس إليها من كل الأرض، فيتعلمون. ولم تزل آثار العلم إلى يومنا هذا، حتى على أهل الغرب الكفار. زرت أحد المدن في ألمانيا، فأراني الإخوة أرضًا أوقفها أحد الدكاثرة في الجامعة، ووهبها للمسجد. فاستغربت، فقلت: لم؟ لم هذا الكافر يهب هذه الأرض للمسجد؟ قالوا: سألناه، فقال: لأن ما نحن فيه من الترف والنعمة هو بسبب علمائكم. بسبب علمائكم كانوا أهل الجهل ورعاء، فأتى أجدادهم فتعلموا العلم من من؟ من المسلمين في بلاد الأندلس. ثم لما حصلت الإبادة للمسلمين في مكاتب التفتيش وغيرها، ذهب أثر الإسلام من تلك البلاد، لكن لا تزال آثارهم موجودة حتى اليوم. فاليوم الذي يذهب ويحصل للشهادة الجامعية، يلبس العباءة الإسلامية والطربوش الذي هو يمثل العمامة الإسلامية. تعرفون اللباس الأسود الذي يلبسه الكفار إذا نال الشهادة، أو حتى إذا تولى القضاء، القضاء عندهم يلبسون البشت الأسود، لكن بهيئة مختلفة. هذا من آثار المسلمين عليهم، بقيت هذه الآثار إلى يومنا هذا. ما كان عندهم جامعات، ولا كان عندهم علوم، ما عرضوا علوم القضاء ولا سائر العلوم إلا من المسلمين، إلا من المسلمين. فهذه المساجد اليوم التي صارت متاحف، بعضها أكبر من هذا المسجد بأربع مرات، أو أكثر. ترى السواري تبكي حين تدخلها، تبكي. يأتيك الأسى والحزن: أين العلم الذي كان فيها؟ ذهب العلماء، مات العلماء، وتتابع الناس بالجهل، حتى ورث أهل الإسلام الكفار. فبقي فيها الكفار. هذا قليل من كثير مما يدلك على أهمية وعظيم فضل ومنزلة العلماء في المجتمع. فإذا كان كذلك، فينبغي أن يحافظ على هذه الجواهر -العلماء جواهر عظيمة-، ينبغي أن يحافظ عليها، وأن يحرص على إيجاد أمثالها ونظائرها في المجتمع. وأن يحذر من كل من يريد بأسلوب أو بآخر إضعاف الثقة بالعلماء. وهناك وسائل خفية وماكرة في هذا الزمان في الطعن والتحذير من العلماء، تارة باتهامهم بأنهم علماء سلطان، وتارة بأنهم متشددون، وتارة وتارة، حتى تضعف الثقة بالعلماء. فإذا ضعفت الثقة بالعلماء، تطاول دعاة السوء على العلماء، كما فعل المنافقون. انظروا ماذا فعل عبد الله بن سبأ اليهودي الكافر الذي دخل في الإسلام مكرًا، أثار الفتنة، وحرض على العلماء، حتى تطاولوا واستحلوا دماء الصحابة، واستحلوا دماء الصحابة. وهكذا اليوم، الخوارج كما كان الخوارج في الأمس يستحلون دماء العلماء، هؤلاء بالسيف والسنان. وناس آخرون بماذا؟ بالفوضى والكلام. فكما يوجد ثوار على ماذا؟ على الأمراء، يوجد ثوار على العلماء. يوجد ثوار على العلماء. وهؤلاء الثوار هم أيدي تعين الكفار على هدم الإسلام. نسأل الله عز وجل السلامة والعافية. وبالدنيا يستغل المنافقون والمغرضون في إثارة الفتن في المجتمع المسلم، حتى تذهب عِصبة العلماء، ويذهب العلم من الأرض. فعند ذلك لا يبقى إلا الرؤوس الجهال، فيضلون ويضلون. نسأل الله السلامة والعافية. طيب نكتب بهذا القدر إلى هنا. والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.