أخلاق العلماء للإمام الآجري 2

أخلاق العلماء للإمام الآجري 2

الدرس في أخلاق العلماء للإمام الآجري 2، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

فضل العلماء وورثتهم للأنبياء

يبرز فضل العلماء وورثتهم للأنبياء، حيث يشبه فضل العالم على العابد بفضل القمر على الكواكب. يُفهم من ذلك أن العلماء ورثة الأنبياء لأنهم ورثوا العلم.

أهمية الفقه والعلم في الدين

يُشدد على أهمية العلم والفقه في الدين، حيث يُعتبر الفقيه والعالم أشد على إبليس من العابد. يُوضح ذلك من خلال أحاديث نبوية وتُدعم بقصص مثل قصة الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفسًا.

الاجتهاد واتباع الأصول الشرعية

يتناول قصة تظهر اجتهاد طلبة ابن عباس وخطأهم في فهم مسألة فقهية، ويبرز أهمية اتباع الأصول الشرعية في الاجتهاد. يُذكر حديث "من يرد الله به خيرا يفقه في الدين" كدليل على فضل العلماء.

رفع الدرجات في الآخرة نتيجة الأعمال الصالحة

يرفع الله المؤمنين إلى الدرجات العالية في الآخرة نتيجة أعمالهم الصالحة في الدنيا. الأعمال الحسنة في الحياة الدنيا لها تأثير إيجابي على مكانة الإنسان في الآخرة.

التفريغ النصي الكامل

يصرّ إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدم لكم التعليق على كتاب «أخلاق العلماء» للإمام الآجري رحمه الله تعالى، تعليق فضيلة الشيخ عبد الله بن مرعي العدني حفظه الله تعالى، القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس الثاني. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام الآجري رحمه الله تعالى: «باب ذكر ما جاءت به السنن والآثار من فضل العلماء في الدنيا والآخرة»، أي: هذا مدخل لمعرفة ما جاء كما ذكر من سنن وآثار في فضل العلماء في الدنيا والآخرة. فالباب لغة: ما يدخل منه ويخرج، والمراد الدخول والخروج المعنوي. ومر معنا أن العلماء يقسمون كتبهم إلى كتب وأبواب وفصول. وفي هذا أربع فوائد. من يذكر هذه الفوائد الأربعة؟ نعم، عند من؟ هاته، واحد: حفظ العلم. ثانيا: آخر، عند من؟ فضل محمد، شحذ الهمام، تنشيط. نعم، تنشيط في الاستمرار في قراءة العلم بهذا التقسيم، فهو كالمراحل بالنسبة للمسافر، كلما قطع مرحلة تشوقا للذي بعده. ثالثا: ها، عند من؟ ثالثا: يعني تيسير الوصول إلى مباحث العلم، كون العلم يقسم إلى أبواب يعين على تقسيم العلم والوصول إليه كذلك. ها، عند من كذلك؟ آه، من يزيد؟ من يزيد؟ هاته، يعين على فهم العلم، يعين على فهم العلم حين تجمع مسائل العلم المتشابهة في باب، فأنت تفهم مسائل العلم. فهذه أدلة فضل العلماء، هذه أدلة العمل بالعلم، هذه أدلة كذا، كذا. قال رحمه الله تعالى: «أخبرنا أبو بكر قال: أنبأنا أبو بكر عبد الله بن أبي داود قال: أنبأنا أبو طاهر أحمد بن عمر المصري قال: أنبأنا بشر بن بكر عن الأوزاعي عن عبد السلام بن سليمان عن يزيد بن سمير عن كثير بن قيس عن أبي الدرداء رضي الله عنه». وشار في التعليق أن الحديث فيه شيء من الضعف بسبب كثير، كثير بن قيس. قال رحمه الله: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ولفضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب». ومعناه: كما أن البدر في السماء له المنزلة العظيمة بنوره وبسعته بالنسبة للكواكب الصغار حوله، فكذلك العلماء، فكذلك العلماء في الأرض. قال: «إن العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر». والحديث له طرق يرتقي بها إلى الحسن، ولهذا صححه أو حسنه العلامة الألباني رحمه الله في مواضع من كتبه، بل أصله في صحيح مسلم، بعض لفظه في صحيح مسلم. قال رحمه الله تعالى: «أخبرنا أبو بكر قال: أنبأنا أبو العباس أحمد بن موسى بن زنجويه القطان قال: أنبأنا هشام بن عمار الدمشقي قال: أنبأنا حفص بن عمر». وأشار في التعليق حال حفص بن عمر أنه سبب ضعف هذا الحديث بهذا السند، لكن كما مر معنا الحديث له طرق كثيرة يرتقي بها إلى الحسن، متابعات عدة. قال: عن نعمان بن عطاء عن أبيه عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء هم ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، ولكن ورثوا العلم، فمن أخذه فقد أخذ بحظ وافر». ففيه كما بوّب: شيء من فضل العلماء، أولا: فضلهم على سائر الناس، ثانيا: فضلهم على العباد، ثالثا: كذلك أن العلماء هم ورثة الأنبياء. فالتركة الحقيقية للأنبياء: ليس ما تركوا من مال، وإنما ما تركوا من العلم. ولهذا كان من سنة أهل الإسلام مع النبي عليه الصلاة والسلام أن النبي لا يورث، بل هي سنة الأنبياء جميعا، تنبيها أن يعلم الناس أن تركة الأنبياء: العلم. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «إنا معشر الأنبياء ماذا لا نورث»، فلا يورثون أحدا؛ لأن تركتهم الحقيقية هي العلم. وبهذا إشارة أخرى أن أحق الناس بالنبي صلى الله عليه وسلم: من يرث هذه التركة، وهي لكل أحد، حتى ولو كان هذا على حساب خاصة أهل بيته. فالوارث الحقيقي للأنبياء عليهم الصلاة والسلام: من يرث منهم العلم، من يرث منهم العلم. فمن ورث منهم العلم هو أولى بالنبي عليه الصلاة والسلام، ولو كان هذا في حق قرابته. وفي هذا: فضل العلم، وشرف العلماء، وشرف العلماء. وفيه كذلك: حث جميع الناس، فضلا عن من وفقه الله لطريق العلم، على الاستزادة من هذه التركة، وهي تركة العلم، تركة العلم. ولهذا قال: «فمن أخذه فقد أخذ بحظ وافر»، فإذا استزد ليكون لك الكثير من هذه التركة، وهي تركة تنفعك في الدنيا وتنفعك في الآخرة. وهذا الذي بوّب له: من فضل العلماء في الدنيا والآخرة. ففي الدنيا: العلم يضيء لك الطريق، فتميز بين النافع والضار، وطريق الهدى من طريق الضلال، وترتقي به وترتفع. ﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾، وغير ذلك من الفضائل الكثيرة كما سيأتي إن شاء الله معنا. وهكذا في الآخرة: من الدرجات العالية ترتقي بعلمك إذا عملت به حتى تصل قريبا من الأنبياء. قال رحمه الله تعالى: «أخبرنا أبو بكر قال: أخبرنا أبو جعفر محمد بن الحسن بن بدين الدقاق قال: أخبرنا هارون بن عبد الله البزار قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أنبأنا يزيد بن عياض». وأشار في التعليق أنه منكر الحديث، وهو سبب ضعف هذا الحديث. قال: عن صفوان بن سليم عن سليمان بن يسار عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما عبد الله بشيء أفضل من فقه في دين، ولفقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد، ولكل شيء عماد، وعماد الدين الفقه». والحديث ضعيف، لا يصح مرفوعا عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ومعناه صحيح. فكما تقدم معنا قبل قليل في حديث أبي الدرداء: أن العالم أفضل من العابد. ومعناه جاء في أحاديث سيأتي بعضها إن شاء الله في الأحاديث الآتية والأبواب التالية. قال رحمه الله تعالى: «أخبرنا أبو بكر قال: أخبرنا أبو بكر بن أبي داود قال: أنبأنا عمر بن عثمان قال: أنبأنا الوليد بن مسلم، وقد دلسه، وهذا من سبب ضعف هذا الإسناد». قال: عن روح بن جناح -كذلك كما أشار في التعليق ضعيف، وهو من سبب ضعف هذا الإسناد- عن ابن عباس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فقيه واحد أشد على إبليس من عابد». وفي بعض النسخ: «من ألف عابد»، وهو كذلك يعني من جهة الرواية، فهو لا يصح مرفوعا عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث ابن عباس، لكن بعض أهل العلم صححه موقوفا عن ابن عباس. ومعناه صحيح. فالفقيه والعالم أشد على إبليس من العابد، ولو كان ألف عابد، ولو كان ألف عابد. وتعلمون حديث الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفسا، فلما أتى إلى العابد وأخبره أنه لا توبة له، فأيسه من رحمة الله وقنطه، فكمل به المئة. فكمل به مئة. الحديث وهو بالصحيحين. بينما لما جاء العالم قال: «من يحول بينك وبين التوبة؟ اذهب إلى الأرض الفلانية، إنك بأرض سوء، اذهب إلى الأرض الفلانية، فإنها فيها قوم صالحين يعبدون الله، فاعبد الله معهم». الحديث، فالشاهد: نجى هذا المذنب مع عظيم ما أذنب، ووفق لطريق التوبة، على ما هو معلوم في الحديث وقصته، بسبب نصيحة العالم، وليس بنصيحة العابد. قال رحمه الله تعالى: «أخبرنا أبو بكر قال: أنبأنا إبراهيم بن الهيثم ناقد قال: أنبأنا داود بن رشيد قال: أنبأنا الوليد، وهو ابن مسلم». وتقدم معنا عن روح بن جناح، تقدم معنا عن مجاهد قال: «بينا نحن وأصحاب ابن عباس حلقا في المسجد، طاووس وسعيد بن جبير وعكرمة، وابن عباس قائم يصلي، إذ وقف علينا رجل فقال: هل من مفت؟ فقلنا: سل. فقال: إني كلما بلت تبعه الماء الدافئ. قال: قلنا: الذي يكون منه الولد؟ قال: نعم. قال: قلنا: عليك الغسل. قال: فولى الرجل وهو يرجع -يعني: إن لله وإن إليه راجعون- معناه: مشقة مع كل بولة الغسل». قال: «وعجل ابن عباس في صلاته، ثم قال لعكرمة: علي بالرجل. وأقبل علينا فقال: رأيتم ما أفتيتم به هذا الرجل عن كتاب الله؟ قلنا: لا. قال: فعن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قلنا: لا. قال: فعن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قلنا: لا. قال: فعمن؟ يعني: أنكر عليهم كيف تفتونه بهذا وليس عندكم دليل لا من كتاب الله ولا من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة». قال: «قلنا: عن رأينا. قال: فقال: فلذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد». قال: «وجاء الرجل فأقبل عليه ابن عباس فقال: أرأيت إذا كان ذلك منك أتجد شهوة في قبلك؟ قال: لا. قال: فهل تجد شهوة في قلبك؟ قال: لا. قال: فهل تجد خذرا في جسدك؟ قال: لا». وهذا كله ليتأكد أنه فيه معنى ما يوجب الغسل. وهذا يدلنا أن الصحابة رحمهم الله ورحمهم الله كانوا يعملون العمل بالعلة، فالحكم يدور مع علته وجودا وعدما. قال: «فهل تجد شهوة في قلبك؟ قال: لا. قال: فهل تجد خذرا في جسدك؟ قال: لا. قال: إنما هي إبرادة، يجزيك منها الوضوء». ومعنى: فيك شيء من المرض كالبرد ونحوه أو الضعف. قال: قال محمد بن الحسين: «كيف لا يكون العلماء كذلك وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: من يرد الله به خيرا يفقه في الدين؟». أما الأثر الأول فهو بالإسناد المتقدم ضعيف، لكن كما قلنا: صح موقوفا من قول ابن عباس، وبهذه القصة كذلك. وأما الحديث فسيأتي، فهو في الصحيحين، أصله في الصحيحين من حديث معاوية رضي الله عنه أرضاه. فالشاهد من القصة: أن طلبة ابن عباس رضي الله عنه أرضاه اجتهدوا فأخطأوا، وهم ماذا؟ حملوا علم، لكنهم لم يصلوا إلى مرتبة ابن عباس رضي الله عنه أرضاه. فكيف بالعابد الذي ليس عنده شيء من العلم؟ فهو أشد في إضلال الناس، ولو كانت نيته حسنة، ولو كان مقصده حسن. وفي هذه القصة كذلك: تنبيه لطيف إلى أن العلماء عندهم أصول يسيرون عليها. أولها: أنهم ينظرون إلى أصل الدليل من الكتاب والسنة وفتاوى الصحابة. وثانيها: أنه إذا لم يجدوا ذلك فينظرون كل شيء بما يشبهه، فالطيب يلحق بالطيب، والخبيث يلحق بالخبيث. وهذا هو القياس، وهذا هو القياس الصحيح الذي تجتمع فيه شروط القياس. والعمل بالعلة، فالحكم يدور مع علته وجودا وعدما. ولهذا نظائر كثيرة في الكتاب وفي السنة وفي فتاوى الصحابة رضي الله عنهم، ومن بعدهم متبعيهم بإحسان من الأئمة. قال رحمه الله تعالى: «أخبرنا أبو بكر قال: أنبأنا أبو مسلم إبراهيم بن عبد الله الكشي قال: أنبأنا سليمان بن داود الشاذكوني، وهو متروك الحديث كما أشار بالتعليق، وهو سبب ضعف هذا الحديث بهذا الإسناد، وإن كان أصله بالصحيحين». قال: أنبأنا عبد الواحد بن زياد قال: أخبرنا معمر عن الزهري عن سعيد بن سائب عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيرا يفقه في الدين». والحديث بهذا الإسناد ضعيف، لكنه صحيح باعتبار أسانيد أخرى. فقد جاء بالصحيحين من حديث معاوية، وجاء من حديث ابن عباس، وحسنه الشيخ الألباني رحمه الله كذلك بالصحيحة من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وإن كان أسانيد حديث أبي هريرة فيها ضعف شديد، لكن بعض أهل العلم منهم الشيخ الألباني رحمه الله يصحح الحديث باعتبار الشواهد، ولو كان في بعض الشواهد شيء من الضعف الشديد، باعتبار صحة أصله. وفي هذا خلاف عند أهل المعرفة بالحديث. قال رحمه الله تعالى: «أخبرنا أبو بكر قال: أنبأنا الفريابي قال: أخبرنا أبو مسعود المصيصي قال: أنبأنا علي بن الحسن بن الشقيق قال: أنبأنا عبد الله بن المبارك قال: أنبأنا يونس عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن قال: سمعت معاوية رضي الله عنه يخطب يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من يرد الله به خيرا يفقه في الدين». والحديث أصله بالصحيحين، وهو حديث صحيح كما هو كذلك في هذا الإسناد. وفيه: فضل العلماء، ومن فضلهم: أنهم أريد بهم الخير، إذ فقههم الله عز وجل في دين الله سبحانه وتعالى. وتقدم معنا أن هذه تكرر في الأحاديث السابقة، وأنها من سنة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. قال رحمه الله تعالى: «أخبرنا أبو بكر قال: أنبأنا أبو محمد يحيى بن محمد بن صاعب قال: أنبأنا محمد بن زنبور المكي قال: أنبأنا إسماعيل بن جعفر قال: أنبأنا عبد الله بن سعيد بن أبي هند عن أبيه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: من يريد الله به خيرا يفقه في الدين». قال محمد بن الحسين: «فلما أراد الله تعالى بهم خيرا فقههم في دينه وعلمهم الكتاب والحكمة، وصاروا سراجا للعباد ومنارا للبلاد». فهذه كذلك من فضائل العلماء في الدنيا والآخرة. ففي الدنيا: يفقههم الله عز وجل في الدين، فيكونون سببا لإضاءة الطريق للناس في هذه الدنيا، فهم يأخذون بأيدي الجاهل، ويصوبون المخطئ، ويذكرون الناس، ويعينون المذن: المذنب أن يتوب، وغير ذلك مما هو من آثار فقههم في دين الله عز وجل. وهكذا كذلك في الآخرة: يرفعهم الله عز وجل إلى الدرجات العالية بما كان منهم في هذه الدنيا. طيب، نكتفي بهذا القدر، ونترك الباقي إن شاء الله في درس لاحق، والله تعالى أعلم.