طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 33

طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 33

الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 33، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مفهوم العبادة في الإسلام وردود على الشبهات

يناقش مفهوم العبادة في الإسلام ويرد على شبهات الفلاسفة والجبرية. العبادة ليست مشقة بل غذاء وصلاح للإنسان.

أهمية العبادات والطاعات في حياة المؤمن

العبادات ليست روتينية بل مصدر للسرور والنعيم. لها آثار إيجابية على النفس والروح والجسد.

اللذة في العبادات وتأثير الإيمان

العبادات تسبب راحة ولذة، والإيمان يكسر الغلظة ويهذب الشخصية. الإيمان يلين طباع الناس ويجعل قلوبهم ترق.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين»: قال فصل، وهذا مبني على أصلين، أحدهما أن نفس الإيمان بالله وعبادته ومحبته وإخلاص العمل له وإفراده بالتوكل عليه هو غداء الإنسان وقوته وصلاحه وقوامه، كما عليه أهل الإيمان، وكما دل عليه القرآن، لا كما يقوله من يقول: إن عبادته تكليف ومشقة على خلاف مقصود القلب ولذته. يعني يشير بهذا إلى قول الأشاعرة وغيرهم من المتكلمين الذين يجعلون العبادات مشاق، وهي في الحقيقة ليست مشاق، والله عز وجل أمر عباده بما يطيقون، قال الله سبحانه: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، وقال جل وعلا: ﴿وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ الآية. وفي حديث ابن عباس بالصحيح، قال الله عز وجل: «قد فعلت». وهذا ينبني عليه مسائل أخرى ذكرت في كتب العقائد، ويشار إليها بمباحث التكليف في كتب أصول الفقه. ومراده رحمه الله ها هنا أن الإيمان بالله وما يلحق به من عبادات وطاعات وأعمال قلبية أو أعمال بالجوارح كلها راحة لهذا الإنسان وغذاء، فقوام هذا الإنسان في روحه وجسده بهذه الطاعات. فمن الخطأ أن تسمى تكاليف ومشاق، قال رحمه الله تعالى: بل لمجرد الامتحان والابتلاء، كما يقوله منكر الحكمة والتعليل، ومنكر الحكمة والتعليل كما تقدم معنا هم الجبرية. قال: أو لأجل التعويض بالأجر لما في إيصاله إليه بدون معاوضة منه تكدره، أو لأجل تهذيب النفس ورياضتها. قوله: أو لأجل التعويض بالأجر لما في إيصاله إليه بدون معاوضة منه تكدره، يعني أن هذه الأعمال ليست عوضًا، فالنبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر أنه لن يدخل أحد الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا، لكن ماذا؟ الفضل من الله ورحمة»، ولا ينافيه قوله سبحانه وتعالى: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. والجمع بين هذا وذاك أن الأعمال سبب، وليست مكافأة، الأعمال سبب وليست مكافأة وتعويض، وإلا لو قوبلت نعمة واحدة من نعم الله عز وجل للعبد، أما كافأت ماذا هذه النعمة؟ كل عمل العبد في الدنيا، لو قيل لرجل وقد حرم نعمة البصر: ماذا تعطي لتعطى نعمة البصر؟ لقال: أرضى أن أكون عبدًا طول حياتي على أن ترد لي ماذا؟ بصري. وهذا ليس ممكنًا، لأن الإنسان يريد نعمة البصر، فكيف بمن أعطاك سبحانه وتعالى كل هذه النعم في الدنيا وأمرك بشيء يسير؟ وهذا الشيء اليسير الذي أمرك أصلا هو فيه سعادتك وراحتك وقوامك في هذه الدنيا، سواء للروح أو للجسد، ليست هذه الأعمال حوض. وقوله: أو لأجل تهذيب النفس ورياضتها واستعداده لقبول العقليات، كذلك قال كما يقوله من يتقرب إلى النبوات من الفلاسفة، الفلاسفة أهل التخييل الذين يرون أن كل ما أمر به الشرع وما أنزل من شريعة وأرسل من كتب وأنزل من كتب وأرسل من رسل، كل هذا فقط تهذيب للنفس ورياضة للاستعداد لقبول العقليات. ولهذا هم ينكرون الجنة والنار وكل ما أخبر الله عز وجل به، ويجعلون أن ما جاء في الشرع فقط لأجل تهذيب النفوس، وأن العقليات لا تقبل هذا الشيء إلا بهذه الصفة حتى تتهيأ لقبولها، فإذا أمرت بهذه الأوامر، ولهذا عندهم أن من وصل إلى المقصود دون هذه الأوامر فقد تعدى ماذا؟ تعدى هذا الظاهر وأدى المطلوب. فلذلك يقولون: الصلاة المقصود بها التزكية، فلذلك إذا زكيت نفسك بغير الصلاة ذات الركوع والسجود حصل المقصود، وهكذا من تلك الفلسفة في كل العبادات، الصيام المقصود منه التقوى، فإذا حصل التقوى وصلت إليه بدون الصيام فحصل المقصود. إذن على قاعدتهم هذه ممكن تستغني عن هذه الفرائض، ممكن تستغني عن هذه الفرائض، وهذا من طريقة الفلاسفة أهل التخيل، وكل هذا باطل، بل الصواب الأول الذي أشار إليه رحمه الله بقوله: أن هذه العبادات والطاعات هي قوام وصلاح وقوت هذا الإنسان في جسده وفي روحه. قال رحمه الله تعالى: بل الأمر أعظم من ذلك كله وأجل، بل أوامر المحبوب قرة عين، قرة العيون وسرور القلوب ونعيم الأرواح ولذات النفوس، وبها كمال النعيم، فقرة عين المحب في الصلاة والحج وفرح قلبه وسروره ونعيمه في ذلك وفي الصيام والذكر والتلاوة. ولهذا كل واحد من أنواع الطاعات سبب لانشراح القلب ورقي الروح والنفس وسلامة الجسد، كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾، وهكذا في الصيام: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، وهكذا كذلك في شعائر الحج: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾، وهكذا كذلك في سائر الطاعات والقربات. وأحاد أبواب الحسنات كما قال الله عز وجل في القرآن: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾. والقلوب تجل بذكر الله، وغير ذلك كثير مما في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يدل أن هذه العبادات والطاعات قرة عين هذا المؤمن في هذه الدنيا، فسروره ونعيمه ولذة نفسه بهذه الطاعات. قال: وأما الصدقة فعجب من العجب، يعني آثارها الحسية والمعنوية عجب، فالصدقات لها آثار عظيمة في الدنيا وفي الآخرة، لها آثار عظيمة على الروح وعلى النفس وعلى الجسد. فمن آثارها أنها تزكي، ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾، فالصدقة تطهر المال وتنميه، ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾، المال الذي يتصدق منه يربيه الله عز وجل وينميه ويزداد، والمال الذي لا يتصدق منه لا يزداد. وهذا في المال، وفي النفس تطهر وتزكو، تطهر النفس بالصدقة وتزكو وتكون النفس كريمة وتكون النفس قنوعة وتكون النفس كذلك متوكلة توكلًا عظيمًا على الله سبحانه وتعالى، وغير ذلك من المعاني اللطيفة التي تحدثها الصدقة. وهكذا كذلك تقي مصارع السوء، وتكون لها آثار كثيرة على الجسد، حتى أن الجسد يطهر بالصدقة طهارة حسية وطهارة معنوية. قال: وأما الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله والصبر على أعداء الله، فاللذة بذلك أمر آخر لا يناله الوصف. وصدق رحمه الله، ولهذا كان ذروة سنام هذا الدين ماذا؟ الجهاد في سبيل الله أعلى شيء، ومن عرف آثار الجهاد الحسية والمعنوية على الفرد والمجتمع وعلى الراعي والرعية علم حقيقة قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أنه ذروة سنام». قال: فاللذة بذلك أمر آخر لا يناله الوصف، لا يدركه من ليس له نصيب منه، وكل من كان به أقوى وكان نصيبه من الالتذاذ به أعظم. وهذا في الجهاد وسائر العبادات والطاعات، كلما كان الإنسان لهذه العبادة أو تلك أقوى كان الالتذاذ به أعظم. انظر إلى الصلاة على سبيل المثال، من أدى الصلاة على الوجه الذي يكون به قوامها وأنه يكون به قوامها تلذذ بها، تلذذ لا يجد من فاته شيء من تلك الأمور التي يكون به قيامها. ولهذا هناك فرق بين أدوا الصلاة وأقيموا الصلاة، والله عز وجل أمر بماذا؟ بإقامة الصلاة، ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، ولم يقل: أدوا الزكاة، أدوا الصلاة، ففرق بين التأدية وبين الإقامة. الإقامة أن تنظر إلى هذه الصلاة حسًا ومعنى، فتؤديها على الوجه الذي يحبه الله سبحانه وتعالى، فمتى ما استكملت معاني إقامة هذه الصلاة فأقبلت على الله فيها وأنصرفت عما سوى الله، وهذا هو الافتقار إلى الله والالتجاء به. فإنك بهذا تجد من آثار هذه الصلاة من الالتذاذ بها ما لا تجد إذا فرط في شيء من ذلك، ولذلك يكون أمر الصلاة عند الناس فيها فرق، فإن من الناس من يؤديها ولا يجد أثرها على نفسه ولا على حياته. وإنسان آخر إذا افتقدها كأنه سمكة أخرجت من الماء، لا عيش لها ولا حياة إلا بيرجاعها إلى ماذا؟ إلى ذلك الماء، وكذلك من تأخر عن الصلاة فلذلك لا يزال في صلاة، كلما ابتعد عن الصلاة يجد شوقًا لهذه الصلاة ورغبة، وكذلك تعلق يرده مرة أخرى إلى الصلاة. وبهذا نفهم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أرحنا بها يا بلال»، فالصلاة بهذا الوصف سبب للراحة، لأنها التذاذ لا يجده الإنسان إلا فيها. فكما أن الإنسان يجد لذة بالمأكل والمشرب والمنكح، وهذه اللذات الحسية، فإنه يجد لذات أعظم من ذلك بهذه العبادات والطاعات، ومثله إقامة القرآن، ومثله كذلك الصيام والصدقة وسائر أنواع الخير والبر التي أمر الله عز وجل بها. فصدق رحمه الله بقوله: وكل من كان به أقوى كان نصيبه من الالتذاذ به أعظم. قال رحمه الله تعالى: ومن غلظ فهمه وكثف طبعه عن إدراك هذا، فليتأمل إقدام القوم على قتل آبائهم وأبنائهم وأحبابهم ومفارقة أوطانهم وبذل نحورهم لأعدائهم ومحبتهم للقتل وإثارهم له على البقاء. وإيثار لوم لائمين وذم المخالفين على مدحهم وتعظيمهم، ووقع هذا من البشر بدون أمر يذوقه قلبه من حلاوته ولذته وسروره ونعيمه ممتنع، والواقع شاهد بذلك. بل ما قام بقلوبهم من اللذة والسرور والنعيم أعظم مما يقوم بقلب العاشق الذي يتحمل ما يتحمله في موافقة رضا معشوقه، فهو يلتد به ويتنعم به لما يعلم من سرور معشوقه به. فيا منكرًا هذا تأخر، فإنه حرام على الكفار أن يقصروا الشمس. ومراده رحمه الله تعالى أن الناس متفاوتون في غلظة الفهم والطبع، فإذا كنت ترى في هذه الدنيا من عنده من الغلظة في الفهم والطبع ما أن يتجرع على قتل أبيه أو قتل ابنه أو محبوبه، وهذا شيء ربما عندما رق طبعه كأنه خيال، لكنه في الواقع موجود. كيف وقع هذا؟ كيف يمكن لإنسان أن يقتل أبًا أو أمًا أو ابنًا أو زوجة أو أي محبوب قريب أو بعيد إلا مع ماذا؟ مع غلطة غلطة في الطبع، هذه الغلطة جرأت هذه النفس على مثل هذه الجرائم الفاحشة. فإذا وجد مثل هذا، إذن لا تستغرب أن يكون مثلها من آثار البعد عن العبادات والطاعات، ولذلك لا تجد هذه الأعمال الشنيعة وهذه التصرفات التي تدل على غلط الفهم والطبع يوجد فيما وفقه الله للإيمان. لأن الإيمان لا يجتمع مع هذه الغلطة، بل جعل الله عز وجل وصف المؤمن أنه ماذا؟ لين طيب الطبع، فهذا هو وصف المؤمن، لماذا؟ لأن خصال الإيمان تكسر الغلظة وتذيب كل خشن. من كان خشنًا في طباعه وفي أقواله وفي فهمه يهذبه هذا الدين ويذيب تلك الخشونة والغلظة شيئًا فشيئًا فشيئًا حتى يصير ماذا؟ هيّن ليّن. كيف حصل هذا؟ بإمرار هذه العبادات والطاعات والأعمال والأقوال والأفعال على النفس والروح والقلب والجوارح حتى تتغير شخصية الإنسان. أول ما جاء الإسلام جاء الإسلام في قوم يئدون البنات ويقتلون ويسفكون ويسرقون ويفعلون كل الفواحش والقبائح، لماذا؟ لأنهم ليس عندهم دين. وكما قيل: ليس بعد الكفر ماذا؟ ذنب، إذا وقع الكفر فليس هناك فرق بين حلال وحرام، ولا مكانًا للرحمة. لكن لما جاء الله عز وجل بهذا الدين، إن كسرت تلك الطباع الغليظة ولانت بما كان في هذا الدين من خصائص الإيمان، وهم لا يزالون يومًا بعد يوم يرتقون في سلم الإيمان. فتلين طباعهم، وصارت العيون تدرف وتدمع من سماع القرآن والموعظة، وصارت كذلك القلوب ترق في معاملة الأقربين وغير ذلك من الخصال التي حصلت بسبب ماذا؟ بسبب هذا الإيمان. وهكذا عرف هذا الكافر والفاجر فضلًا عن المؤمن، لهذا قال ذلك الكافر: وهكذا إذا خالط هذا الدين بشاشة القلوب. قال رحمه الله: فمن كان مراده وجه الله وحياته في معرفته ومحبته ونعيمه في التوجه إليه وذكره وطمأنينة به وسكونه إليه وحده، عرف هذا وأقر به وصدق. رحمه الله، طيب، لهنا إن شاء الله.