طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 64

طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 64

الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 64، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في الإرادة الإلهية

يشرح الشيخ ابن بريك الفرق بين الإرادة الشرعية والإرادة الكونية لله عز وجل، ويبين أن الإرادة الكونية لا تعني الرضا أو المحبة. الإرادة الشرعية تتعلق بما يحبه الله ويرضاه.

ضلال القدرية وعدم التفريق بين الإرادتين

القدرية ضلوا بسبب عدم التفريق بين الإرادة الشرعية والكونية، مما أدى إلى كفر وإلحاد بعضهم. هذا الضلال أدى إلى تغيير مواقفهم تجاه بعض الأمور وتبرير أفعالهم السيئة بقدر الله.

نتائج ضلال القدرية في فهم التكليف الإلهي

هذا الفهم الخاطئ لمسألة القدر الإلهي وتكليف العباد أدى إلى الكفر والإلحاد. يُبين أن هذا الفهم يتنافى مع الفطرة والعقل الصحيح، وأن العاصي يعاقب على معصيته رغم وقوعها بقدر الله.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين»: قال، وقال بعض هؤلاء وقد عُوتِب على ارتكابه معاصي الله، فقال: إن كنت عاصياً لأمره، فأنا مطيع لإرادته. وقد كذب هذا القائل؛ لأن الله عز وجل لا يحب أن يعصيه العاصي، وهذا من مواضع سبب اختلالهم في فهم هذا الباب، وهو سبب ضلالهم؛ لأنهم خلطوا بين الإرادة الشرعية والإرادة الكونية. فما أراده الله عز وجل كوناً ليس كله يحبه، وليس هو مدار الثواب والعقاب، وإنما مدار الثواب والعقاب ما أراده شرعاً لا ما أراده كوناً؛ لأن ما أراده كوناً أراده سبحانه وتعالى لحكمته؛ لأنه الرب العظيم الذي به كل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، فلا يكون في ملكه إلا ما يريد، ولحكمةٍ سبحانه وتعالى أراد وقوع كل ما وقع وسيقع في هذا الكون من خيرٍ وشر، فما وقع من خير فبفضله، وما وقع من سوءٍ وشر فهو بعدله سبحانه وتعالى، وبعض هذا الشر له حكمة في وقوعه سبحانه وتعالى، ولكنه لا يحب وقوع الشر. ولهذا في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم إنا نعوذ بك من الشر»، أي لا يضاف إلى الله سبحانه وتعالى إضافة صفة، ولكنه يضاف إلى الله عز وجل إضافة خلق، ﴿قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق﴾، والشر يضاف إلى الله إضافة خلق، ولا يضاف إضافة صفة. فلذلك كذب هذا القائل وأخطأ في قوله: «إن كنت عاصياً لأمره، فأنا مطيع لإرادته»، هذا خطأ وكذب. قال رحمه الله: وجرى عند بعض هؤلاء ذكر إبليس وإبائه وامتناعه من السجود لآدم، فأخذ الجماعة يلعنونه ويذمونه، فقال: إلى متى هذا اللوم؟ ولو خلي لسجد، ولكن مُنِع. وأخذ يقيم عذره، فقال له بعض الحاضرين: تباً لك، سائر اليوم أتذب عن الشيطان وتلوم الرحمن؟ ويدلك هذا على أن من ضل في باب القدر سيضل في أبواب كثيرة، وسيقع في التناقضات؛ إذ لازم قول هؤلاء الظلال في باب القدر أن إبليس لا يلام، بل ويلزم منه أن لا يعاقب ولا يعدب. ولهذا صار بعض هؤلاء ملحداً، كما قال القائل: «هم تقدم ألقاه في اليم مكتوفاً، ثم قال له: إياك إياك أن تبتل بالماء»، فجعلوا من عاقب على المعاصي -كما زعم تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً- أن من عاقب على المعاصي مع أنه قدر وقوع هذه المعاصي، مثله كمثل من كتف مكتوفاً مربوطاً ورماه في الماء، ثم قال له: لا تبتل بالماء. فهل يمكن أن لا يبتل بالماء من رمي وهو معصوب ومربوط ومكتوف؟ يقال له: لا تبتل بالماء. فإن كان كذلك، قالوا: هذا هو مثل من نهى عن المعاصي، ثم قدر له فعل المعاصي. وهذا كذب على الله سبحانه وتعالى، وعلى دينه، وعلى شرعه. ولهذا صار قول القدرية الضلال هذا يستلزم منه أن إبليس لم يكن مخطئاً، وأنه لا يصح عقابه ولا لعنه ولا دمه، فهذا هو عين الكفر والإلحاد، وهذا هو نهاية الضلال في باب القدر. ولكن من فهم باب القدر فهماً صحيحاً، ففرق بين الإرادة الشرعية -ما أحبه الله ورضيه لخلقه، وأنزل به كتبه، وأرسل رسله- فهذا الذي عليه مناط الثواب والعقاب، وما قدره في كونه، فهذا من قدره الذي منه ما يحبه، ومنه ما لا يحبه، ولكن ليس وقوع ما لا يحب دليلاً على الرضا به، ولأنه لا يعاقب عليه. لا، هذا ليس كذلك، بل وقع ذلك لحكمة، وهو سبحانه وتعالى لا يريد العباد أن يقع فيه شرعاً، ولكنه لأنه الإله الرب الخالق العظيم الذي هو بكل شيء عليم، لا يكون في ملكه إلا ما علمه وما أراده وأذن به سبحانه. فينبغي أن يفهم هذا الباب فهماً صحيحاً، أن يفرق بين الإرادة الشرعية والإرادة الكونية القدرية. وعند ذلك لا يحصل الخلط ولا اللبس ولا الضلال. وأما من لم يفرق، فإنه يضل ويخلط ويلتبس عليه الأمر. قال رحمه الله تعالى: وجاء جماعة إلى منزل رجل من هؤلاء فلم يجدوه، فلما رجع، قال: كنت أصلح بين قوم. فقيل له: وأصلحت بينهم؟ قال: أصلحت إن لم يفسد الله. فقيل له: بؤساً لك، أتحسن الثناء على نفسك وتسيء الثناء على ربك. وهذا كذلك بسبب الضلال في هذا الباب، فجعل نفسه مصلحاً، وإذا وقع الخلاف بينهم والفساد -يعني انتقض ذاك الصلح- زعم أن هذا الانتقاض والفساد الذي وقع وقع بماذا؟ بإرادة الله الكونية. وهذا صحيح، أو ليس صحيح؟ صحيح، إذا وقع الفساد فإنه سيقع بإرادة الله الكونية، ولكن هل معناه أن الله سبحانه وتعالى يحب هذا؟ الجواب: لا. فإذن ليس من الصواب ولا من الأدب مع الله ولا من الصدق مع شرع الله أن يقول القائل: «أصلحت إن لم يرد الله أن يفسده». فهذا من الكفر والإلحاد الذي وقع فيه القدرية. قال رحمه الله: ومر بلص مقطوع اليد على بعض هؤلاء -يعني القدرية- فقال: مسكين مظلوم أجبر على السرقة ثم قطع يده عليها. هذا هو نهاية ماذا؟ هذا هو نهاية التكذيب بالقدر، أن يقع الإنسان في الاعتراض على شرع الله سبحانه وتعالى. وهذا الحقيقة أنه مجبور على السرقة؟ الجواب: لا، لم يجبره الله سبحانه وتعالى على السرقة. الله سبحانه وتعالى نهاه عن السرقة وحذر من سرق أن تقطع يده، فمن تجاسر على فعل ذلك استحق هذه العقوبة في الدنيا، والعقوبة كذلك في الآخرة. أما كونه قد قدر أنه سيسرق، فهذا ما أراده كوناً، ليس ما أراده شرعاً. وما أراده كوناً ليس كله يحبه الله، بل منه ما يحبه ومنه ما لا يحبه، وهذا مما لا يحبه أي السرقة. ولكن ليس هو مناط الثواب والعقاب، كما تكرر: مناط الثواب والعقاب هو ما أراده شرعاً. وكل منصف عاقل يعرف هذا تمام المعرفة، ولكن لأن هؤلاء اعتقدوا هذا الاعتقاد الضال، فصاروا بعد ذلك يتكلفون المفاهيم وإن كانت تخالف الفطرة والعدل. قال رحمه الله: وقيل لبعضهم: أترى الله أكلف عباده ما لا يطيقون ثم يعذبهم عليه؟ قال: والله قد فعل ذلك، ولكن لا نجسر أن نتكلم. وهذا والعياذ بالله عين الكفر والإلحاد؛ فإن من يقول هذا الخول يكفر بالله عز وجل، وهذا هو نهاية الضلال في باب القدر. ومراد هذا الضال أن الناس إذا كلفوا بفعل الطاعات وحذروا من فعل المعاصي، ثم أن الله قدر ذلك كوناً -أي وقوع هذه المعاصي- صار هذا كما يزعم من التكليف بما لا يطيق. وهل هذا صحيح؟ الجواب: لا، ليس بالصحيح، هذا كذب على الله وكذب على شرع الله وكذب حتى على الفطرة وعلى العقل الصحيح. قال رحمه الله: وأراد رجل من هؤلاء السفر فودع أهله وبكى، فقيل له: استودعهم الله واستحفظهم إياه. فقال: ما أخاف عليهم غيره. انظروا إلى الكفر والعياذ بالله، ما أخاف عليهم غيره، يعني يخاف أن الله يقدر عليهم شراً وسوءاً. وهل هذا فهم صحيح وعدل الذي يعلم عظمة الرب ورحمته وفضله ويكون عنده حسن ظن بخالقه؟ فإنه لا يشك بأن استوداع ما يملك الإنسان لله عز وجل سبب للحفظ، سبب للحفظ وليس للضياع. ولهذا شرع في السنة أن يقول القائل هذا الدعاء في السفر، فمن استودع شيئاً لله تكفل الله عز وجل بحفظه. ولكن هؤلاء ضلوا في باب القدر فأثمر ذلك ضلالاً في أبواب كثيرة. قال رحمه الله: وقال بعض هؤلاء: زنية أزنيها أحب إلي من عبادة الملائكة. والعياذ بالله، قال: قيل له: ولم؟ قال: لعلمي بأن الله قضاها علي وقدرها، ولم يقضها إلا والخيرة لي فيها. وهل هذا صحيح؟ هذا ليس بصحيح، بل هذا كذب على الله وكذب على شرع الله، بل وهذا كذب حتى على فطرته الصحيحة. فطرته الصحيحة لا تسمح له أن يفعل ذلك، ثم يفتري أن الله عز وجل يحب له ذلك ويرضاه له، أو أن الله يجبره على فعل ذلك. فهذا كذب. قال رحمه الله: ولقد دخل شيخ من هؤلاء بلداً، فأول ما بدىء به من المزارات زيارة المواخير المجتمعة على البغايا والخمور، فجعل يقول: كيف أنتم في قدر الله؟ كيف أنتم في قدر الله؟ وهذا كذلك انظروا كيف وصل بهؤلاء الأمر إلى هذا الإلحاد والكفر، يعني حتى جعلوا هذه المحرمات الفاحشة الكبيرة التي يعرفها الصغير قبل الكبير والعام فضلاً عن من عنده شيء من العلم أنها من المستقبحة فطرة وعقلاً فضلاً عن الشرع. ومع ذلك فهؤلاء صاروا يحللونها ولا يستقبحونها؛ لأنهم ضلوا في باب القدر فلم يفرقوا بين الإرادة الشرعية والإرادة الكونية كما تقدم. طيب، لهنا إن شاء الله، ونترك الباقي إلى درس لاحق. والله تعالى أعلم.