طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 42

طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 42

الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 42، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

شرح حديث خاتمة الأعمال وعلاقتها بالقضاء الإلهي

يناقش شرح حديث ضعيف الإسناد حول كتاب الله لأهل الجنة والنار، ويبين معناه الصحيح من خلال أحاديث أخرى. يشير إلى أن خاتمة الأعمال تتحدد بما سبق في علم الله، مع التأكيد على أن للعباد اختيارًا ومشيئة.

أهمية إصلاح السريرة والمواظبة على الأعمال الحسنة

يؤكد على أهمية إصلاح السريرة والمواظبة على الأعمال الحسنة لتحقيق الخاتمة الحسنة. يبين أن سوء الخاتمة ينتج عن سوء الأعمال واتباع الشهوات، وأن الهداية والضلال يتوقفان على مشيئة الله تعالى وإرادته.

القدر والإيمان به وتوضيح العلاقة بين علم الله وأعمال العباد

يتناول موضوع القدر والإيمان به، موضحًا أن علم الله السابق لا ينافي أعمال العباد. يفسر أن هداية التوفيق بيد الله، بينما هداية الدلالة والإرشاد للنبي وللناس، ويشترط للعبد أخذ أسباب التوفيق ليوفقه الله.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتاب طريق الهجرتين: قال، وذكر الطبري وغيره من حديث سويد بن سعيد، عن سوار بن مصعب، عن أبي حمزة، عن مقسم، عن ابن عباس. وصوار بن مصعب منكر الحديث، كما قال الإمام البخاري رحمه الله، وقال النسائي: متروك، وقال أبو داود: ليس بثقة، فهذا الإسناد ضعيف لا يصح عن ابن عباس. قال: عن ابن عباس قال: صعد النبي صلى الله عليه وسلم المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم بسط يده اليمنى فقال: «بسم الله الرحمن الرحيم، كتاب من الله الرحمن الرحيم لأهل الجنة بأسمائهم وأسماء آبائهم وقبائلهم وعشائرهم، مجمل أولهم على آخرهم، لا ينقص منهم ولا يزاد فيهم، فرغ ربكم». وقد يسلك بأهل السعادة طريق الشقي حتى يقال: كأنهم هم، بل هم، ما أشبههم بهم، بل هم، فيردهم ما سبق لهم من الله من السعادة، فيعمل بعمل أهل الجنة، فيدخلها قبل موته بفواق ناقة. وقد يسلك بأهل الشقي طريق السعادة حتى يقال: كأنهم هم، بل هم، وما أشبههم بهم، بل هم، فيردهم ما سبق لهم من الله، فيعمل بعمل أهل النار، فيدخلها ولو قبل موته بفواق ناقة. فصاحب الجنة مختوم له بعمل أهل الجنة، وإن عمل عمل أهل النار. فصاحب النار مختوم له بعمل أهل النار، وإن عمل بعمل أهل الجنة. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الأعمال بخواتيمها». والحديث بهذا الإسناد لا يصح، أخرجه إلا لكيع رحمه الله وغيره. ومعناه صحيح، تدل عليه أحاديث كثيرة. المقصود أن المؤلف رحمه الله أراد أن نستدل به على مسألة من مسائل القدر، وهو ما سبق في علم الله السابق، وقد كتبه وقدره جل وعلا في أمر أهل الجنة وأهل النار، وأنهم معلومون، وكل أحد يختم له بما كتب له، ولا ينافي ذلك أن العباد لهم اختيار ومشيئة. ولهذا جاء في رواية صحيح مسلم: «إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار، فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة، فيدخلها». وهذا يفسر ويبين لنا أن للجنة أسبابًا يعملها العبد، وللنار أسبابًا يعملها العبد. فقد يكون الإنسان في ظاهره يعمل بعمل أهل الجنة، ولكن عنده في باطنه شيء من عمل أهل النار. ولهذا قال في رواية الصحيح مسلم في الحديث: «فيما يبدو للناس»، معناه ظاهره الاستقامة، وحقيقته الخيانة. فعند ذلك تغلب عليه الخيانة، فلا يختم له إلا بحقيقته. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يختم لنا بحسن خاتمة. وهذا معناه أن الإنسان ينبغي أن يصلح سريرته، فإذا لم يصلح سريرته لم يختم له إلا بما كان من حقيقة أمره. ومن أراد الخواتيم الحسنة فليواضب على الأعمال الحسنة. فمن واظب على الأعمال الحسنة ظاهرا وباطنا وفقه الله للخاتمة الحسنة. ومن لم يواظب على الأعمال الحسنة بل على غيرها، فإنما يختم له بما هو عليه. ولهذا صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: «يبعث الناس على ما كانوا عليه». وكذلك في الحديث الآخر: «إنما الأعمال بالخواتيم». وغيرها من الأحاديث التي تدل على هذا المعنى. وهذا كله يؤكد أن ذلك بسبب عمل يعمله العبد. وهكذا في هذا الحديث، ولو أن إسناده ضعيف، لكن معناه صحيح. فبعض الناس يعمل بعمل أهل الجنة، ولكن يصرف عن هذا قبل أن تأتي خاتمته. وهذا الانصراف يكون بعمل كذلك من العبد. فقد يرافق رفقة سوء، فتأخذه من طريق الاستقامة والجنة إلى طريق الانحراف والنار. فمن الذي اتخذ رفيق السوء؟ هو نفسه، هو نفسه، كما قال الله عز وجل: ﴿إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾. وهكذا من الناس من يصارع شهوات نفسه، ولكنه ضعيف، فلا يستطيع أن يغلب هذه الشهوات. وهذه الشقاوة، فعند ذلك يختم له بما في قلبه. يظهر للناس أنه مستقيم، ولكن في الخفاء هو مع شهواته وشقاوته. فعند ذلك يختم له بما هو عليه. وأمثال هؤلاء يصح فيهم قول الله عز وجل: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾. وكما قال الله عز وجل عنهم: ﴿غَلَبَتْ عَلَيْهِمْ شِقْوَتُهُمْ﴾. كيف غلبت عليهم شقوتهم؟ يعني ما استطاعوا أن يضبطوا شهوات أنفسهم. وهكذا قل: فإذن طريق الشقاء له أسباب أعمال العبد، وطريق الجنة والرخاء لها أسباب أعمال العبد، كما قال الله عز وجل: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. قال رحمه الله تعالى: وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. وفي قوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾. وقوله: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾. وفي قوله: ﴿وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾. وقوله: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾. وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾. وقوله: ﴿إِن جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا﴾. وقوله: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا﴾. ونحو هذا من القرآن. وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحرص أن يؤمن جميع الناس ويتابعوا على الهدى، فأخبره الله عز وجل أنه لا يؤمن إلا من سبق له من الله السعادة بالذكر الأول. ثم قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾. ويقول: ﴿إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾. ثم قال: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ﴾. ويقول: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾. والمعنى أن هذه الآيات كلها من آيات القدر، يجب الإيمان بها. والقدر سر الله سبحانه وتعالى، فلو شاء الله لآمن من في الأرض كلهم جميعا. وهكذا كذلك الآية الأولى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، يعني ختم الله عز وجل على قلوبهم. لكن لماذا ختم الله عز وجل على قلوبهم؟ لأنهم أعرضوا، فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم، والله لا يهدي القوم الفاسقين. فعلم الله السابق لا ينافيه أعمال العاملين، بل هذا لكمال ربوبيته، وكذلك قدرته سبحانه وتعالى. وكل الآيات التي ذكرت هي من هذا القبيل. فالله عز وجل علم في علمه السابق ما يكون عليه الناس، وهذا العلم السابق لا ينافي أعمال العاملين. وقد تقدم معنا ضرب الأمثلة التي توضح هذا. فعمل العاملين لا ينافيه علم الله السابق. فكل أحد يعمل بما يشاء، ولكنه لن يخرج بعمله عما علمه الله سبحانه وتعالى، لسعة علم الله عز وجل. وكذلك كون أن هذا الإنسان اتخذ سبيل الخير أو سبيل الشر أو طريق الجنة أو طريق النار، هو الذي اتخذه، وهو الذي سيعاقب عليه. ولذلك فإن الله عز وجل يثيب ويعاقب على أعمال العاملين. وأما مثل قوله سبحانه: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾، يعني في هداية التوفيق. أما هداية الدلالة والإرشاد فهذه للنبي عليه الصلاة والسلام وللناس. وأما هداية التوفيق، فالله سبحانه وتعالى الذي يوفق. ولكن لابد أن يكون للعبد أسباب لهذه التوفيق. فإذا أخذ أسباب التوفيق وفقه الله، وإذا أخذ أسباب الضلال تركه الله. فعند ذلك تتجمع عليه أسباب الضلال وتهلكه. وأما رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، تقدم معنا أن العلماء اختلفوا فيها. فمنهم من قبلها مطلقًا، ومنهم من ردها مطلقًا، ومنهم من فصل فيها، كما ذكر في جامع التحصيل. وهكذا كذلك شرح الحافظ ابن حجر في مواضع من كتبه إلى ذلك. فحين ذكروا أصحاب عبد الله بن عباس، وذكروا علي بن أبي طلحة رحمه الله تعالى، ذكروا أن ممن روى عن علي بن أبي طلحة، ويستثنى يعني بعضهم استثنى ما كان صحيفة. وفيما روى عن علي بن أبي طلحة، فعند ذلك قالوا: أن رواية علي بن أبي طلحة ليست كلها ضعيفة. فقالوا: أن علي بن أبي طلحة ما أخذه في التفسير خاصة عن ابن عباس هو صحيفة، هو صحيفة. فلذلك قبلت. وقد روي عن إمام أحمد رحمه الله أنه أثنى على هذه الصحيفة، أي صحيفة علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في التفسير. وهكذا نقل غير واحد عن هذه الصحيفة، وأثنى على هذه الصحيفة خيرا. فلهذا يفرق بعضهم بين ما رواه عموما، وما روي عن ابن عباس صحيفة، فإنه يرونه متصلًا، لأنهم تتبعوا ذلك. والله تعالى أعلم. والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.