الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 44، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش الشيخ أقسام الأحلام وتفسيرها، حيث يصنفها إلى رؤيا من الله وأضغاث أحلام وحلم من الشيطان. يشرح أن الأحلام لا تبنى عليها أحكام ولكن يمكن الاستئناس بها إذا كانت لها قرائن.
يفسر الأحلام بطريقين: الشرع والخبرة، ويحتاج المفسر إلى معرفة بالشرع وبحال الرائي والواقع الذي يعيش فيه. يبين أهمية معرفة المفسر لسياق الحلم والواقع الذي يعيش فيه الرائي.
يشرح مفهوم القدر في الإسلام ويؤكد على أهمية العمل الصالح في تحديد مصير الإنسان. يؤمن المسلمون بأن الله قد كتب أهل الشقاء والسعادة، ولكن للإنسان دور في اختيار طريقه.
الإنسان يعمل ويجتهد، والله يوفقه أو يخذله حسب عمله. التوفيق من الله مرتبط بما يعمله الإنسان، فمن عمل خيراً وفقه الله، ومن عمل شراً خذله.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين»: قال بالصحيحين حديث ابن مسعود في التخلق، وفيه: «فوالذي لا إله غيره، إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار، فيدخل النار، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة، فيدخلها». وذكر الطبري عن الحسن بن علي الطوسي قال: حدثنا محمد بن يزيد الأصفاطي البصري، محدث البصرة، قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم، فقلت: يا رسول الله، حديث عبد الله بن مسعود، حدثني الصادق المصدوق عن حديث القدر. فقال: «إي والله الذي لا إله إلا هو، حدثت به، رحم الله عبد الله بن مسعود حيث حدث به، ورحم الله زيد بن وهب حيث حدث به، ورحم الله الأعمش حيث حدث به، ورحم الله من حدث به قبل الأعمش، ورحم الله من يحدث به بعد الأعمش». والمعنى أنه أورده رحمه الله ليستدل به على تأكيد صحة الحديث، ولكن عند أهل السنة والجماعة أن الأحلام لا تبنى عليها أحكام؛ الأحلام لا تبنى عليها أحكام، لا يمكن أن نصحح حديثًا بسبب حلم رآه إنسان، ولو كان هذا الإنسان من أعلى الناس، لأنه قد يكون من الشيطان، فلا يجوز أن تبنى الأحكام على الأحلام. لكن الأحلام والرؤى يستأنس بها؛ فإن من الرؤى ما هو إلهام من الله سبحانه وتعالى، كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: «الرؤيا الصالحة جزء من سبعين جزءًا من النبوة»، ولكن لها قرائن يستأنس بها ولا يحكم بها، فرق بين الاستئناس والحكم. فنحن نستأنس بالرؤى التي لها سباق وسياق يدل أنها بشارة أو نذارة، لكننا لا نبني عليها أحكامًا، وهذا هو الفرق. وما يراه الإنسان في المنام ثلاثة أقسام: قسم منه هو من الشيطان، وهذا القسم له علامات، وهو ما قد يكون بسبب عين أو سحر أو نحو ذلك، كأن يرى النيران أو يرى التعابين أو نحو ذلك إذا تكررت. وقسم منه أضغاث أحلام؛ يتحدث الإنسان بالشيء أو يسمع الشيء أو يرى الشيء، فيرى معناه في المنام، هذا هو أضغاث الأحلام. والقسم الثالث رؤيا من الله سبحانه وتعالى، وهو كذلك أن يرى شيئًا لم يكن له سابق حديث، ولكن يراه على وجه في وقت صفاء ذهن ونحو ذلك، مما يكون فيه قرائن أنه إلهام من الله سبحانه وتعالى. وقد يتكرر مما يؤكد أن له معنى، ولكن لا يستطيع الإنسان دائمًا أن يجزم أنه أحد هذه الأقسام الثلاثة، وإن كان لكل واحد منها علامات للغالب، ولا يعرفها كل أحد، وإنما يعرفها من وفقه الله للخبرة في ذلك. وأما تفسيرها فيعرف بشيء بطريقين: منهما يعرف بطريق الشرع، فمن نظر في أدلة الشرع وأعطاه الله عز وجل فهمًا ثاقبًا، وكذلك إدراكًا في الشريعة، فإنه يستطيع أن يصل بها إلى بعض تفسير تلك الأحلام، ولكنه يحتاج كذلك إلى خبرة؛ يحتاج إلى خبرة، فليس كل شيء يأتي على نسق واحد وقياس واحد، فقد يرى الصالح شيئًا يكون معناه غير الذي يراه الإنسان الآخر. ولهذا يحتاج الذي يفسر الأحلام إلى خمسة أشياء: الشيء الأول أنه يحتاج إلى معرفة بالشرع، والشيء الثاني يحتاج إلى معرفة بحال الشخص الذي رأى هذه الرؤيا، والأمر الثالث أن يعرف كذلك الواقع الذي يعيش فيه هذا الشخص؛ لأن الواقع قد يكون له أثر في وجود ضغوط عليه، فيكون من أضغاث الأحلام أو نحو ذلك. والأمر الرابع أنه يعرف سياق وسباق هذا الحلم، فمثلًا يحتاج أن يعرف: هل كان بعد نوم في الفجر أو في الليل؟ هل كان بعد تعب وسهر أو نحو ذلك؟ فهذا مهم؛ لأنه به يستطيع كذلك أن يصل إلى ما يفسر به هذا الحلم. وبعضهم مثلًا يلعب بالحبل وينام، ويلعب بالحبل، فإذا الحبل يلتف على عنقه، فإذا به يرى في المنام أن ثعبانًا يلتف حول عنقه، ثم يستيقظ من النوم وقد فك الحبل، فكره في الحلم، ولا يفكر في الحبل، فيقوم مذعورًا، وهو ماذا؟ مذعورًا أنه رأى ثعبانًا قد خنقه وكاد أن يموت في الحلم، وفي الحقيقة هو ماذا؟ من أثر الحبل الذي كان يلعب به وهو نائم. وهكذا، فهذه بعض الأمور التي نبه عليها بعض العلماء في هذا. والأمر الأخير معرفته باللغة؛ فمعرفته باللغة تجعله يعرف معاني الألفاظ، فمثلًا الضحك يأتي بمعنى المعتاد، ويأتي بمعنى ماذا؟ الحي يأتي بمعنى الحي، فمن لا معرفة له باللغة ولا القرآن ولا السنة، فإنه قد يخطئ في هذا. ثم الأمر الأخير: هذا الطريق والطريق الآخر أن يعرفه بالخبر ومخالطة أهل الخبر؛ فإن هؤلاء كذلك يستفيد منهم الإنسان، فيصل إلى ذلك. فإذن مثل هذا الذي يروى: هذا يستأنس به ولا يحكم به. قال: وفي الصحيح مسلم عن ابن مسعود: «الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من وعظ بغيره». والمعنى تأكيد لمعنى الحديث، ولكن ليس معنى أنه ليس للعبد اختيار ولا مشيئة، فلا تدل الأحاديث - أحاديث القدر - على الجبر كما ظن الجبرية. قال: وقد روي حديث تقدير السعادة والشقاوة في بطن الأم من حديث عبد الله بن مسعود، وهو في الصحيحين كما تقدم. قال: وأنس بن مالك، وعبد الله - وأنس بن مالك كذلك في الصحيحين - قال: وعبد الله بن عمر، وكما أشار في التعليق عند ابن وهب وغيره - أي في كتاب «القدر» و«السنة» لابن أبي عاصم - قال: وعائشة أم المؤمنين، وحذيفة بن أسيد، وأبي هريرة. وقد جاء عن غير هؤلاء، جاء عن عدد من الصحابة، وأكثرها صحيحة، وبعضها ضعيف، والصحيح يغني عن الضعيف. قال: وقال أبو الحسن علي بن عبيد الحوض: سمعت أبا عبد الله بن أبي خيثم، يقول: سمعت عمر بن علي الفلاس، يقول: إن حضرت من سر من رأى إلى بغداد في حاجة لي، قال: فبينما أنا أمشي في بعض الطريق، إذا بجمجمة قد نخرت، فأخذتها، فإذا على الجبهة مكتوب «شقي» والياء مكسورة إلى الخلف. ومعنى الياء مكسورة إلى الخلف: يعني كتبت مثل كتابة خط الرقعة هكذا، تأتي لعكس اتجاه الخط. قال: وهؤلاء وهؤلاء كلهم أئمة حفاظ، ذكره الطبري في «السنة». وهذا وإن صح إسناده لا يعني ذلك أنه مكتوب في كل إنسان شقاوته وسعادته في جبهته، يعني كتابة حقيقية؛ فقد يكون قدر ذلك لبعضهم، أو قد يكون نحته أحدهم، قد يكون نحته أحدهم، فكتبه بيده على هذه الجمجمة، وهذا محتمل. وليس في الشرع ما يدل أن الشقي يكتب في جمجمته «شقي» كتابة حقيقية، ولا أن السعيد يكتب في جمجمته «سعيد» كتابة حقيقية، ليس في الكتاب ولا في السنة ما يدل على ذلك. ومع هذا كذلك نؤمن بحديث عبد الله بن مسعود، وما كان بمعناه من حديث القدر، ومن ذلك أنه قد كتب أهل الشقاء وأهل السعادة، ويكتب ذلك يوم ولادته، كتابة أخرى تأكيد، ولكن لا ينافي ذلك أنه يوم نفخ الروح - أقصد - ولا ينافي ذلك أنه يختار ما قدره الله عز وجل له، ويسره له. وهذا جاء في حديث ابن مسعود: «السعيد من وعظ بغيره». ومعناه أنه ينتفع بالوعظ من نظر حال غيره، فأخذ طريق السعادة، ومن لم يتعظ بغيره - يريد إلا العظة - لم ينتفع به، فهو من أهل الشقاوة. إذن الإنسان له فعل يجعله يسير في طريق أهل السعادة أو يسير في طريق أهل الشقاوة. قالوا: في الصحيحين حديث علي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «ما منكم من أحد إلا كتب مقعده من النار، ومقعده من الجنة». فقالوا: يا رسول الله، أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ فقال: «اعملوا؛ فكل ميسر لما خلق له، أما من كان من أهل السعادة فييسر لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاوة فييسر لعمل أهل الشقاوة». ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: 5 - 10]. إذن العبد يعمل، الإنسان يعمل، فإن عمل بعمل أهل العطاء والتقوى والصدق، فالله عز وجل يعينه في هذه الطريق، ويسر له هذا الطريق. ومن سلك مسلك البخل والاستغناء عن الله عز وجل والتكذيب، فالله عز وجل يمده في غيه، كما أخبر الله عز وجل عن أمثال هؤلاء: ﴿فَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِنَا فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ [طه: 124]، ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾ [الجن: 17]، ﴿وَمَنْ مُصِرٌّ عَلَى كُفْرِهِ فَإِنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ﴾ [النحل: 106]. فمن أعرض عن الله أعرض الله عز وجل عنه، ومن مكر بدين الله مكر الله عز وجل به، ومن أقبل على الله أقبل الله عز وجل عليه، وعانه على الخير، وهكذا. والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا، فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم، والله لا يهدي القوم الفاسقين، نسوا الله فنسيهم. هناك فعل من العبد، ثم كان جزاء من الله. والله عز وجل يجزي المحسنين بإحسان أعظم، والمسيئين يكلهم إلى نفس أنفسهم الأمارة بالسوء. قالوا: في الصحيحين عن عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: أعلم أهل الجنة من أهل النار؟ قال: «نعم». قيل: ففيم يعمل العاملون؟ قال: «نعم، كل ميسر لما خلق له». ومعناه أنه لا ينافي قدر الله عمل العاملين؛ فالإنسان يعمل، وكل ميسر لما خلق له، فمن عمل بعمل أهل السعادة وفقه الله لذلك، والعكس بالعكس. إلى هنا والله تعالى أعلم.