الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 105، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح الشيخ ابن بريك حكمة الله في خلط الخير والشر في الدنيا لامتحان العباد، ثم تمييزهم في الآخرة. يُظهر الله قدرته وحكمته في توزيع الثواب والعقاب بحسب استحقاق كل فرد.
يشرح المقطع مفهوم الامتحان والابتلاء في الدنيا وكيف يمتحن الله الناس، ويبين أن الناس ثلاثة أصناف: أهل خير خالص، وأهل شر خالص، ومن خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا. الحكم من الابتلاء هو استخراج كمالات العباد.
يشرح النص خلق الله للأضداد في الكون لابتلاء الإنسان وامتحانه، ويشير إلى أن المؤمن يبتلى ليفدى من عذاب الله. كما يوضح أن ما يُكره قد يكون خيرًا كما في الآية ﴿عَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال: لما بن القيم، رحمه الله تعالى، في كتابه «طريق الهجرتين»: قال رحمه الله: والمقصود أنه سبحانه وأشهدهم في هذه ما أعد لأوليائه وأعدائه، قال: وأعدائه في دار القرار، وأخرج إلى هذه الدار من آثار رحمته وعقوبته ما هو عبرة ودلالة على ما هناك من خير وشر، وجعل هذه العقوبات والآلام والمحن والبلايا سياطًا يسوق بها عباده المؤمنين، فإذا رأوها حذروا كل الحذر، واستدلوا بما رأوه منها وشاهدوه على ما في تلك الدار من المكروهات والعقوبات، وكان وجودها في هذه الدار وإشهادهم إياها وامتحانهم باليسير منها رحمة منه بهم وإحسانًا إليهم وتذكرة وتنبيهًا. قال: ولما كانت هذه الدار ممزوجًا خيرها بشرها، وأداها براحتها ونعيمها بعذابها، اقتضت حكمة أحكم الحاكمين أن يخلص خيرها من شرها، وخصه بدار أخرى هي دار الخيرات المحضة، ودار الشرور المحضة، وكتب على هذه الدار حكم الامتزاج والاختلاط، وخلط فيها بين الفريقين، وابتلى بعضهم ببعض، وجعل بعضهم لبعض فتنة، حكمة بارغة بهرة العقول، قال: بهرة العقول، وعزة قاهرة، فقام بهذا الاختلاط سوق العبودية كما يحبه ويرضاه، ولم تكن تقوم عبودية التي يحبها ويرضاها إلا على هذا الوجه، بل العبد الواحد جُمع فيه بين أسباب الخير والشر، وسيطر بعضه على بعض ليستخرج منه ما يحبه من العبودية التي لا تحصل إلا بذلك. فلما حصلت الحكمة المطلوبة من هذا الامتزاج والاختلاط أعقبه بالتمييز والتخليص، فميز بينهما بدارين ومحلين، وجعل لكل دار ما يناسبها، وأسكن فيها من يناسبها، وخلق المؤمنين والمتقين المخلصين لرحمته، وأعداءه الكافرين لنقمته، والمخلطين للأمرين معًا، فهؤلاء أهل الرحمة، وهؤلاء أهل النقمة، وهؤلاء أهل الرحمة والنقمة، وقسم آخر لا يستحقون ثوابًا ولا عقابًا، ورتب على كل قسم من هذه الأقسام حكمه اللائق به، وأظهر في حكمته الباهرة ليعلم العباد كمال قدرته وحكمته. وأنه يخلق ما يشاء ويختار من خلقه من يصلح للاختيار، وأنه يضع ثوابه موضعه، وعقابه موضعه، ويجمع بينهما في المحل المقتضي لذلك، ولا يظلم أحدًا، ولا يبخس شيئًا من حقه، ولا يعاقبه بغير جنايته. وهو يشير رحمه الله تعالى إلى هذه الدنيا وما فيها أولًا، وقد تقدم معنا شيء من ذلك بما سبق في الدرس السابق، فلله الحكمة البالغة أن جعل دارًا مختلطة للامتحان والابتلاء، ودارًا مفرقة متميزة للجزاء. فمن كان في هذه الدنيا قد وفق لطريق الخير، فإنه يجازى بداره الخير والرضوان، ومن ابتلي ففشل في ابتلائه وامتحانه، فكان مع الكافرين والمجرمين، فإنه يستحق بعدل الله عقوبته ونقمته، فيكون في دار أهل الإجرام والعقوبة في النار. ومن خلط كما ذكر وأشار بين هذا وهذا، ولم يتب ولم يعتبر بالعقوبات والآلام والمحن التي جعلها سببًا للاتعاظ والاعتبار، فإنه يستحق أن يكون له من الجزاء المختلط بحسب ما كان عنده من اختلاط في هذه الدنيا، فيدخل في دار العقوبات ليتطهر من تلك الشرور التي علقت به، فإذا تطهر منها نقل إلى دار الجزاء والرضوان. وهذا هو قوله ورحمه الله: كذلك من أن هذا الامتزاج جعل الناس ثلاث أصناف، أي الإنس والجن، فصنف أهل خير خالص، وهم أهل الجنة، وأهل شر خالص، وهم أهل النار من الكفار، وآخرون خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا، فهؤلاء يكون لهم بعدل الله ما يستحقون إن لم يتجاوز عنهم ربنا سبحانه وتعالى بعفوه ورحمته. وأما القسم الذين لا يستحقون ثوابًا ولا عقابًا، فيشير رحمه الله إلى من ليس يقع عليه الامتحان والابتلاء كالملائكة ونحوهم، أو في الأرض كالحيوانات والجمادات لم يتعلق بهم شيء من الابتلاء. قال رحمه الله: هذا مع ما في ضمن هذا الابتلاء والامتحان من الحكم الراجع إلى العبيد، من استخراج صبرهم وشكرهم وتوكلهم وجهادهم، واستخراج كمالاتهم الكامنة في نفوسهم من القوة إلى الفعل، ودفع الأسباب بعضها ببعض، وكسر كل شيء بمقابله، ومصادمته بضده ليظهر عليه آثار القهر وسمات الضعف والعجز، ويستيقن العبد بأن القهار لا يكون إلا واحدًا، وأنه يستحيل أن يكون له شريك، بل القهر والوحدة متلازمان. وجعل الله عز وجل لهذا آيات يتعب ويعتبر بها الإنس والجن من هم محل الامتحان والابتلاء، فكما ذكر رحمه الله: خلق فيهم من الامتزاج ما يكون معه الامتحان والابتلاء، ثم أنزل من آياته الشرعية والكونية ما تكون به العظة والعبرة. ولذلك من يغلب خيره شره يفوز، ومن يضعف فيغلب شره خيره يخسر في هذا الامتحان والابتلاء، وجعل الله عز وجل من الآيات الشرعية والآيات الكونية ما هو محل عظة واعتبار، على سبيل المثال جعل الله عز وجل من الآيات الشرعية والآيات الكونية أثر رفقة الطيب للطيب، وصحبة السيء للسيء، فإذا قرب الشيء الطيب من الخبيث تأثر به فخبث كخبثه. ويشاهده الناس في صنوف ما في الأرض من مطعوم أو مأكول أو مشروب أو نحوه، بل كذلك حتى في الصفات، النار المحرقة إذا وضعت بجانب غيرها أكلتها وأحرقتها. وكذلك جعل بالشرع من التحذير من مخالطة الأشرار والحث على مخالطة الأخيار ما يزيد الحج حجة، فمن ضعفت نفسه أو علم من نفسه هذا الضعف، كان عليه بمقتضى ما علم من الشرع من الأدلة الشرعية والأدلة القدرية الكونية ما يستلزم منه الابتعاد عن أسباب الخسارة والفشل. وربما من حكمة الله يجعل بعض هذا الفشل والخسارة تظهر على بعض الناس، فيرى من نفسه أنه يضعف إذا خالط أو قعد في مكان السوء والشرع، فإذا هو علم بمقتضى الشرع والقدر أنه يلزمه أن يغير هذا المكان وأن يبتعد عن رفقة السوء. وهؤلاء في حديث أبي هريرة بالصحيح بقصة الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفسًا، وكمل بالعابد الجاهل المئة، رجع إلى العالم فأرشده أنه لا يحول بينه وبين التوبة شيء، ولكن عليه أن يخرج من أرض السوء إلى أرض الخير، ومن رفقة الأشرار إلى رفقة الأخيار، فهذا مثال. فكذلك في كل ما كان سببًا في نجاة العبد وسلامته، ففيه باعث الخير وباعث الشرع النفس الأمارة بالسوء، وكذلك ما يأتي من قبل إلهام الله وملائكة الله ما يكون سببًا في تغليب باعث الخير. فالحاصل: الحجة قد قامت بأدلة شرعية وقدرية لا يكون بعدها حجة، فمن وفق في هذه الدار دار مختلطة بأن يغلب الخير على الشر، ويكون في طريق أهل الفوز من أن يكون من طريق أهل الخسارة، فهو المفلح. قال رحمه الله تعالى: فالملك والقدرة والقوة والعزة كلها لله الواحد القهار، ومن سواه مربوب مغهور، له ضد ومنازع ومشارك، وخلق الرياح وسيطر بعضها على بعض، صادمها وتكسر سورتها وتذهب بها، وخلق الماء وسيطر عليه الرياح تصرفه تصرفًا وتكسره، وخلق النار وسيطر عليها الماء يكسرها ويطفئها، وخلق الحديد وسيطر عليه النار تذيبه وتكسر قوته. وكل هذه آيات قدرية كونية، فلما يرى الإنسان أن النار يطفئها الماء، وأن كذلك كل شيء له ضد، فيعالج نفسه كذلك، وسيره إلى الله بالأضداد. قال رحمه الله: وخلق الحجارة وسيطر عليه الحديد يكسرها ويفتتها، وخلق آدم وذريته وسيطر عليهم إبليس وذريته، وخلق إبليس وذريته وسيطر عليهم الملائكة يشردونهم كل مشرد ويطردونهم كل مطرد. وخلق الحر والبرد والشتاء والصيف وسيطر كل منها على الآخر يذهب ويقهره، وخلق الليل والنهار وقهر كل منهما بالآخر، وكذلك الحيوان على اختلاف ضروبه من حيوان البر والبحر، لكل منهم مضاد ومغالب. فاستبان للعقول والفطر أن القاهر الغالب لذلك كله واحد، وأنه من تمام ملكه إيجاد العالم على هذا الوجه، وربط بعضه ببعض، وإحوج بعضه إلى بعض، وقهر بعضه ببعض، وابتلاء بعضه ببعض، وامتحان خيره بشره، وجعل شره لخيره الفداء. ولهذا يدفع إلى كل مؤمن يوم القيامة كافر، يقال له: هذا فداؤك من النار، وهكذا المؤمن في الدنيا يسلط عليه من الابتلاء والامتحان والمصائب ما يكون فداءه من عذاب الله، وتكون تلك الأسباب فداء له من شرور أكبر منها في العالم أيضًا. فليعط اللبيب هذا الموضع حقه من التدبر، يتبين له حكمة اللطيف الخبير، وهذا تأكيد لما سبق من أن المسلم يعتبر بالآيات الشرعية والكونية ما يعينه على إصلاح حاله في هذه الدار دار الامتحان والابتلاء إلى ما يوصله إلى دار النعيم والرضوان والنجاة. ولا يكون ذلك إلا بالأخذ بالأسباب الشرعية والكونية التي تعين على ذلك، ومن ذلك ما أشار إليه رحمه الله من الاستفادة من هذه الأضداد وهذه الحكم. وبه معرفة الغرض من إيراد هذا الفصل، خلق الله عز وجل الأضداد لحكم عظيمة، بعضها علمناها وبعضها لم نعلمها، ومن هذه الحكم حصول هذا الاتعاظ والاعتبار، وحصول هذه المنافع بهذه المضادات. والأثر الذي ذكره رحمه الله كما أشار بالتعليق أنه لم يرد مرفوعًا، وجاء من حديث أنس وفيه ضعف، ويشير إلى حديث آخر في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم بموسى، والمعنى أصله صحيح، ولكن بهذا اللفظ لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقوله رحمه الله: كذلك في آخر هذا الفصل، ما قد تكون الأسباب فداء له من شرور أكبر، يعني ما قد يراه الإنسان خيرًا، ما قد يراه الإنسان شرًا قد يكون هذا فداءه لما هو خير له في هذه الدنيا وفي الدار الآخرة. ﴿عَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. شكرًا لكم.