الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 107، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح ابن القيم كيف تتغير خلق الله بسبب أفعال المخلوقين، مستشهدًا بمثال الشراب المعتصر من العنب. هذا يبين أن الشر ليس من خلق الله الأصلي بل يأتي من تحويلات المخلوقين.
يتناول المقطع نشأة الخمر من عصير العنب وكيف يتحول إلى شر بسبب أفعال المخلوقين، ويتناول أيضًا مسألة تحويل الخمر إلى خل من الناحية الفقهية. هذا يبين أن الشر في الوجود يأتي من سوء استخدام المخلوقين لما خلقه الله.
يشرح المقطع كيفية تطهير النفس من الذنوب والمعاصي، ويقارن بين تطهير الماء من الخبث وتطهير النفس من الذنوب. يؤكد أن الله يخلق الخير والشر، وأن الشر ليس محضًا بل يأتي من سوء الاستخدام.
يشير المقطع إلى انتهاء الدرس مع الدعاء للنبي محمد وآله وصحبه بالصلاة والسلام، ويعبر عن الامتنان بشكر الله تعالى. هذا يعبر عن الختام الطيب للدرس والشكر على ما ورد فيه.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتاب «طريق الهجرتين»: «قال المثال الثاني: الشراب المعتصر من العنب، فإنه طيب يصلح للدواء والإصلاح الغذاء وللمنافع التي يصلح لها، ولو خلي على حاله لم يكن إلا طاهرًا طيبًا، ولكن أفسد بتهيئته للسكر واتخاذه مسكرًا، فخرج بذلك عن خلقته التي خلق عليها من الطهارة والطيب، فصار أخبث شيء وأنجسه. فلو انقلب خلاً أو زال تغير الماء، كان بمنزلة رجوع الكافر إلى فطرته الأولى، فإن الحكم إذا ثبت لعلة زال بزوالها». أورد رحمه الله تعالى هذا المثال الثاني في هذا الفصل الذي يريد أن يبين فيه أن الله سبحانه وتعالى الكامل في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، لا يكون في خلقه أو في مخلوقاته التي يخلقها إلا ما فيه معنى ذاك الطيب وشيء من ذاك الكمال، ولكن قد يتغير ذلك بما يكون من المخلوقين، وهو في سياق رده على القدرية الذين عرضوا القدر في عدد من مسائله وما جاءت به الشريعة. ويريد بهذا المثال أن يبين أن الله عز وجل خلق الأشياء بأصلها طيبة، ولكن أفسد الجن والإنس ما خلق الله سبحانه وتعالى بأفعالهم وبمقاصدهم السيئة. فكما مر معنا المثال في الماء، فكذلك المثال في هذا المعتصر من العنب وسائر ما يعتصر من الأشجار والفواكه والثمار، فإن هذه المعتصرات بأصلها طيبة كما ذكر، صالحة للدواء والغذاء وكل ما يصلح لمثلها. فلو ترك كذلك فإنه يبقى على هذا المعنى الطيب الطاهر. فأنت إذا حافظت عصير العنب أو الفواكه أو الثمار، ووضعته في مكان يحفظه كالثلاجة ونحوها مبردًا، يبقى على هذا المعنى الطيب. ومن حوله إلى الخمر فإنه يضطر أن يستعمل معه طريقة خبيثة ليصل إلى الخمر. فمن الذي أوجد الخمر؟ حقيقة الذي أوجده حقيقة هو من حوله من طبيعته الطيبة إلى طبيعته الخبيثة. فالله خلقنا وخلق أفعالنا، ولكنه لا يحب الخبيث وإنما يحب الطيب. فالخبيث وقع وأوجد بفعل هؤلاء. وهذا مثال يقرب المعنى. ويريد رحمه الله أن كذلك كل شر يوجد في الوجود، فأثر هذا الشر من المخلوقين. وأشار رحمه الله هنا إلى أن هذا الخبيث إذا أريد تطهيره فإنه يطهر بإزالة الخبث، فالماء كما قلنا بنزحه وتصفيته، والخمر بتحويله إلى الخل. فإذا تحول إلى الخل صار ليس مسكرًا. وإن كان بمثل هذه المسألة خلاف بين أهل العلم من الناحية الفقهية، هل يجوز تحويل الخمر خلاً؟ وهل ما حول من الخمر خلاً يعد حلالاً أم لا؟ قولان مشهوران بكلام أهل العلم من أهل الحديث والفقه. والراجح والله أعلم في مثل هذا أنه لا يجوز ابتداء تحويله خلاً، أي الخمر بعد أن يصير خمرًا، بل يكب. ودليل حديث أنس في الصحيحين وغيرها من الحديث، فإن آية التحريم الخمر لما نزلت أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم يكبوا صبي الخمور حتى جرت طرقات المدينة من الخمور التي صبت وكبت بعد نزول آية تحريمها. ولو كان يجوز تحويله إلى الخل لأمر أن تحول إلى الخل، ولم يعجزهم ذلك، ولم يكن هذا هدرًا لأموالهم، وهم أحوج ما يكونون إلى هذا المال، ولكنه أمرهم بأن يكبوه ولا ينتفع به بمثل هذا الانتفاع. هذا هو الصحيح في مثل هذه المسألة. أما إذا تحول إلى الخل ومر بمرحلة الخمر بغير قصد الوصول إلى مرحلة الخمر، فهذا الصحيح أنه جائز، ولكن الأفضل والأحوط تركه. ولذلك نص عدد من العلماء أنه ينبغي أن يتخذ طريقة يحول المعتصر إلى الخل دون أن يمر بمرحلة الخمر، ويمكن ذلك. ومن الطرق التي ذكرها العلماء كالصنعاني وغيره من أهل العلم، أنه يوضع مع هذا المعتصر الخل ابتداء، فإذا وضع الخل مع المعتصر فإنه لا يمر بمرحلة التخمر بل ينتقل من المعتصر إلى الخل مباشرة، وذكروا طرقًا أخرى. وهذا هو الأكمل والأحوط حتى لا يقع في النهي. والمقصود من هذا أنه كما يمكن تطهير ما خبث من الماء والمعتصر، فكذلك يمكن تطهير ما خبث من أحوال الناس، حتى ولو كان كفرًا. ولهذا قال: «كان بمنزلة رجوع الكافر إلى فطرته الأولى». الكافر أصل فطرته الحنيفية السمحة، ولكن بسبب البيئة التي يعيشها أو من تولى أمره أو غير ذلك صار كافرًا، كما جاء في حديث عدي بن حاتم وغيره: «يولد المولود على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه». فإذا هدى الله هذا الكافر ورجع إلى الإسلام وعمل بأركانه وتدرج في مراتبه، فإنه لا يزال يطهر نفسه يومًا بعد يوم حتى يرجع طاهرًا نقيًا كما أراده الله وأحبه الله له. وهكذا كذلك المذنب الذي يذنب الذنوب، مثله كمثل الماء الذي سقط فيه الخبث، فإن أخرج هذا الخبث واستمر في نزح آثار هذا الخبث فإنه رجع صافيًا نقيًا كما كان. وهذا حال المذنب، فإنه إذا أذنب فتاب، سقل قلبه كما جاء في حديث أبي هريرة وغيره، حتى تزول تلك النقطة السوداء التي هي من آثار هذا الذنب. وكل هذا يريد به رحمه الله تأكيد أن الشر لا يضاف إلى الله سبحانه وتعالى في أفعاله، وما أضيف في مخلوقاته فإنه ليس منه سبحانه، إنه من مخلوقاته ومن خلقه. وبهذا نفهم معنى حديث النبي صلى الله عليه وسلم في حديث علي: «والشر ليس إليه»، أي لا يضاف إلى الله سبحانه وتعالى وصفًا، بل على القول الصحيح ولا خلقًا بقيد محض، فلا يخلق الله شرًا محضًا، بل يخلق الخير والشر، وهو قوله: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾، ولكن هذا الشر فيما يكون من مخلوقاته لا من أفعاله سبحانه وتعالى. إلى هنا والله تعالى أعلم، صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. شكرًا، شكرًا، شكرًا، شكرًا.