الدرس في شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن 20، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني
يبيّن المقطع آداب المعلم عند تعليم القرآن، ومنها صيانة اليدين عن العبث والعينين عن التفرّق، والجلوس على طهارة مستقبل القبلة بوقار وثياب نظيفة، وصلاة ركعتين قبل الجلوس. وتؤكد هذه الآداب تعظيماً للعلم وإقبالاً بالقلب والجوارح عليه، مستدلاً بفعل ابن مسعود وحديث المهاجر بن قنفذ في كراهة ذكر الله إلا على طهارة.
يبيّن المقطع أن ذكر الله مشروع في جميع الأحوال حتى مع الحدث الأصغر أو الأكبر، مستدلاً بحديث عائشة «كان النبي يذكر الله على كل أحيانه»، وأن ترك الطهارة يعد خلاف الأولى لا كراهة ولا تحريماً. كما يذكر آداب المجلس كاستقبال القبلة والجلوس بوقار، ولبس الثياب البيض النظيفة اقتداءً بهدي النبي صلى الله عليه وسلم وأمر الله بالجمال والنظافة.
يبيّن المقطع وجوب صلاة ركعتين عند دخول المسجد قبل الجلوس للدرس، وعدم مشروعيتها في غير المسجد، ثم يؤكد على عزة العلم وكرامته فلا يذل المعلم بالذهاب إلى المتعلم وإن كان أميراً أو غنياً، بل يؤتى العلم إلى أهله. ويختتم باستحباب سعة المجلس لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «خير المجالس أوسعها»، وينصح المعلم باختيار المكان الواسع ليجلس فيه الطلاب براحة وطمأنينة عملاً بهذا التوجيه.
موقع دار الحديث بالفيوش يقدم هذه المادة: شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن للإمام النووي عليه رحمة الله، شرح فضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرعي العدني رحمه الله تعالى. بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فيقول المصنف رحمه الله: «فصل: ويصون يديه»؛ يعني هذه لا يزال يذكر من آداب المعلم. قال: «ويصون يديه في حال الإقراء عن العبث، وعينيه عن تفرق نظرهما من غير حاجة، ويقعد على طهارة مستقبل القبلة، ويجلس بوقار، وتكون ثيابه بيضاً نظيفة. وإذا وصل إلى موضع جلوسه صلى ركعتين قبل الجلوس، سواء كان الموضع مسجداً أو غيره. فإن كان مسجداً كان آكد؛ فإنه يحرم الجلوس فيه قبل أن يصلي. ويجلس متربعاً إن شاء أو غير متربع». وروى أبو بكر بن أبي داود السجستاني بإسناده أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه كان يقرأ الناس في المسجد جاثياً على ركبته. نعم، أيضاً هذه من الآداب: قالوا أن يصون يديه في حال الإقراء عن العبث، وعينيه عن تفرق نظرهما. هذا كله لألا يتشتت ذهنه؛ فإنه في حال تبليغ العلم بقراء وتعليم الناس ينبغي أن يقبل بقلبه وعينه على هذا التعليم. أما إذا انشغل بيديه أو انشغل بعينيه فإنه قد يفوته شيء لا يتمكن من إيصاله إلى الطالب. وهذا كما تقدم كله في أهمية الإقبال على العلم بالقلب، وتفريغ الجوارح، وعدم الانشغال عن العلم بشيء؛ فإن العلم إذا عطيته كلك عسى أن يعطيك بعضه. العلم إذا عطيته كلك عسى أن يعطيك بعضه، سواء كان في صرف الأوقات وعدم الانشغال بزخارف الدنيا والولائم العوائق، وهكذا في حال الدراسة، وهكذا في حال الأخذ والتلقي، وهكذا في حال الإعطاء والتعليم. العلم عزيز ورفيع، ينبغي أن يتفرغ له الطالب، وأن يتفرغ له المدرس، حتى في حال الدرس، وفي حال الإلقاء والتعليم. فهذه من الآداب تعظيماً للعلم، وصيانة له، وإكراماً وتعزيزاً للعلم، واحتراماً وأدبا في حلق العلم، أن يصون يديه في حال الإقراء عن العبث، وعينيه عن تفرق نظرهما إلا للحاجة، إلا للحاجة، سواء كان في اليد أو كان في العين. قال: «ويقعد على طهارة»؛ يقعد على طهارة لأنه في حال ذكر تعليمه للقرآن يعتبر من ذكر الله تبارك وتعالى. وفي حديث المهاجر بن قنفذ أنه مر على النبي صلى الله عليه وسلم وسلم عليه، ولم يكن على طهارة، فلم يرد عليه السلام حتى توضأ، وقال: «إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهارة». فحديث المهاجر بن قنفذ يعتبر أصلاً في مشروعية ذكر الله تبارك وتعالى في حال الطهارة. ولكن لا يفيد أن ذكر الله تبارك وتعالى في حال غير حال الطهارة يعتبر مكروهاً أو يعتبر ممنوعاً؛ لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه». فذكر الله تبارك وتعالى مشروع في جميع الأحوال، لكن يقال: خلاف الأولى إذا ذكر الله على غير طهارة. يقال: وقع في خلاف الأولى، ولا يقال مكروه، ولا يقال من باب أولى أنه ممنوع أو حرام. لا، يعتبر خلاف الأولى. الأفضل للذاكر أن يذكر الله وهو على طهارة، طهارة سواء كان بالتسبيح أو بالتحميد أو في قراءة كتب أهل العلم أو في تلاوة القرآن. لحديث المهاجر بن قنفذ: «إني كرهت أن أذكر الله على غير طهارة»، حمله أهل العلم على أنه خلاف الأولى؛ لهذا الحديث، حديث عائشة: «كان يذكر الله على كل أحيانه». والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم﴾. ويقول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة وقد حاضت في الحج: «افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري»، والحاج يذكر الله. ففيه دليل على أنه لا يمنع من ذكر الله تبارك وتعالى عدم الطهارة، سواء كانت هذه الطهارة صغرى أو كانت كبرى، حتى الجنب، وحتى المرأة الحائض، لا تمنع من ذكر الله تبارك وتعالى بتلاوة القرآن أو قراءة الحديث أو مذاكرة العلم. وأما حديث علي: «ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحجب عن القرآن شيء لا الجنابة»، فهذا لا يصح. وهكذا الحديث الآخر: «لا يقرأ الجنب ولا الحائض شيئاً من القرآن»، هذا أيضاً حديث ضعيف. فلا يمنع من ذكر الله تبارك وتعالى الحدث، سواء كان الأصغر أو الأكبر. قال: «مستقبل القبلة». نعم، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم: «خير المجالس مستقبل به القبلة»، وفي سنده ضعف لكن له طرق. قال: «ويجلس بوقار، وتكون ثيابه بيضاً نظيفة». نعم، قال: «وتكون ثيابه بيضاً نظيفة». كما أن هذا من آداب طالب العلم عموماً، أن يعتني بملبسه بدون ترفع ولا تكبر. وله قدوة في ذلك بحديث عمر بن الخطاب في مجيء جبريل عليه السلام إلى مجلس النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «جاء رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد». فأخذ منه العلماء مشروعية تجمل طالب العلم والمعلم، وتحسين هيئته، وتزين ملابسه، بدون ترفع ولا تكبر ولا تكلف. قال: «بيضاً»؛ أيضاً للحديث: «البسوا من ثيابكم البياض، فإنها من خير ثيابكم». نظيفة: الأدلة العامة تدل على مشروعية النظافة؛ فإن الله جميل يحب الجمال. قالوا: «إذا وصل إلى موضع جلوسه صلى ركعتين قبل الجلوس، سواء كان الموضع مسجداً أو غيره». إذا كان مسجداً فالدليل معلوم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين». أما في غير المسجد فلا دليل على مشروعية صلاة الركعتين في موضع الدرس، والاستحباب حكم شرعي يحتاج إلى دليل. قال: «فإن كان مسجداً كان آكد». نعم، هو واجب؛ صلاة الركعتين إذا دخل المسجد واجبة لظاهر الأمر. قال: «فإنه يحرم الجلوس فيه قبل أن يصلي». نعم، هذا الحديث بقتادة كما تقدم: «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين». فظاهر الوجوب: وجوب أداء الركعتين، وحرمة تركهما إلا لعذر. قال: «ويجلس متربعاً إن شاء أو غير متربع». نعم، التربع كهيئة جلوسنا هذه، أو غير متربع على الهيئة التي تلائمه وتناسبه. وأما هذا الأثر، أثر ابن مسعود، فالله أعلم بحاله. فصل: ومن آدابه المتأكدة، وما يعتني به: ألا يذل العلم، فيذهب إلى مكان ينسب إلى من يتعلم منه ليتعلم منه فيه، وإن كان المتعلم خليفة فمن دونه. بل يصون العلم عن ذلك، ما صانعه عنه السلف رضي الله عنهم، وحكاياتهم في هذا كثيرة مشهورة. نعم، صيانة العلم هو عدم إذلال العلم، بل أن يجعل العلم في موضع رفيع، له هيبته، وله شرفه، وله عظمته، وله جلاله. فلا يذهب يهين العلم بأن يذل العلم، بحيث أنه يذهب بالعلم إلى من ينبغي أن يأتي إلى العلم. فالعلم يؤتى إليه، ولا يأتي إلى الطالب. هذا هو الأصل: أن العلم يؤتى إليه، كما أنه يأتي إليه صغار الطلاب، كما أنه يأتي إليه قليل المال، كما أنه يأتي إليه وضيع النسب. فهكذا ينبغي أن يعز العلم بألا يذله للأغنياء، أو للأمراء، أو للسلاطين. فولي الأمر، وإن كان احترام وإجلاله يعتبر طاعة لله تبارك وتعالى، لكن العلم لا ينبغي أن يذل، ولا ينبغي أن يهان، بحيث أنه يذهب بعلمه إلى من هو كبير القدر، أو كثير المال، أو صاحب جاه ورئاسة. فالعلم أشرف وأرفع وأعز من أن يذل وأن يهان. فهكذا كان السلف، وحكايتهم في هذا كثيرة، أنهم كانوا يعزون العلم، ويتجنبون أن يذل العلم، ولو كان هذا الذي لا يذلون العلم له يعني عزيزاً عندهم، شريفاً ومحبوباً. هذا كله صيانة للعلم. فصل: وينبغي أن يكون مجلسه واسعاً لتمكن جلساؤه فيه. ففي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «خير المجالس أوسعها»، رواه أبو داود وهو صحيح. قال: في سننه في أوائل كتاب الأدب بإسناد صحيح من رواية أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. أيضاً ينبغي أن يتخير المعلم المكان الواسع ليتمكن الجلساء والطلاب في الجلوس فيه بطمأنينة وراحة، لعموم هذا الحديث: «خير المجالس أوسعها». فإن كان هناك مكان واسع ومكان ضيق، فليختر المكان الواسع عملاً بهذا الحديث. وفق الله الجميع، والحمد لله.