الدرس في شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن 21، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني
يبيّن المقطع أن آداب المعلم تنطبق على المتعلم، ويؤكد وجوب طهارة القلب وتجنب الشواغل للتفرغ لطلب العلم. كما يرشد إلى الاقتصار على الكسب الضروري دون التوسع فيه، مستشهداً بقناعة حماد بن سلمة.
يؤكد المقطع أن الزواج ليس مانعاً من طلب العلم، بل هو سنة تحفظ الشباب من الفتن وتعين على البركة في الوقت. وينصح بتزويج من تأهل لذلك درءاً للانحراف، مشيراً إلى أن القناعة والمحبة للعلم من أعظم أسباب التحصيل.
يشدد المقطع على وجوب تطهير القلب من الحسد والرياء وتقوى الله ليفتح عليه العلم، مع تجنب الملهيات والمناظر المشتتة. ويبين عظمة حق المعلم ووجوب التواضع له، محذراً من أن الكبر يمنع وصول العلم.
يقرر المقطع أن العلم لا يُنال إلا بالتواضع والخضوع له، داعياً إلى التحلي بالذلة لله وللعلم. ويختتم بالدعاء بالتوفيق للجميع والحمد لله.
موقع دار الحديث بالفيوش يقدم هذه المادة: شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن للإمام النووي عليه رحمة الله، شرح فضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرع العدني رحمه الله تعالى. بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المصنف رحمه الله: فصل في آداب المتعلم. قال: جميع ما ذكرناه من آداب المعلم في نفسه آداب للمتعلم. ومن آداب أن يتجنب الأسباب الشاغلة عن التحصيل إلا سببًا لا بد منه للحاجة، وينبغي أن يطهر قلبه من الأدناس ليصلح لقبول القرآن وحفظه واستثماره. فقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ألا إن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب». ولقد أحسن القائل: يطيب القلب للعلم كما تطيب الأرض للزراعة. نعم، تقدمت آداب عظيمة للمعلم وما ينبغي أن يتحلى به، وتقول: الآداب المذكورة آنفًا للمعلم تعتبر آدابًا أيضًا للطالب وللمتعلم. وأذكر هنا أمورًا، قالوا: منها أن يتجنب الأسباب الشاغلة عن التحصيل. وهذا تقدم التعليق عليه. من أهم الأمور لطالب العلم أن يتفرغ للطلب، فإن الله سبحانه وتعالى هو القائل: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب: 4]. فإذا رزق الطالب الفهم والحفظ والذكاء والهمة والحرص والمحبة للعلم، وابتعد عن الشواغل، واستعان بالله سبحانه وتعالى وتوكل عليه، فإنه في الغالب يصل إلى مراده ويفتح عليه فيه. لكن إذا تشاغل طالب العلم بأمور ليست هي ضرورية، فإن هذا يكون على حساب تحصيله للعلم. فالأمور الضرورية هي معلومة: إذا كان يحتاج إلى تحصيل للكسب، يحتاج إلى أن يقوم بالإنفاق على أسرته وليس هناك من ينفق عليه، فهذه من الأمور الضرورية. وليحرص طالب العلم إذا احتاج أن يعمل وأن يتكسب لنفسه أو لأسرته أن يأخذ البلغة، وأن يكون قنوعًا، وأن لا يتوسع في ذلك، فإن هذا يضره في طلبه. هناك مذهب للسلف مشهور وهو الاقتصار على الشيء اليسير الذي يفي بالحاجة ويقوم بالإنسان. وتعرفون ما تقدم معنا في الدروس الماضية في ترجمة حماد بن سلمة، أنه كان يأخذ يعني الأمتعة، أظنه كان يبيع في البز أو كذا، فكان إذا ربح شيئًا يسيرًا اكتفى به، وأخذ بقية المتاع ورجع إلى بيته. قال راوي هذه القصة: أظنه أنه كان يكتفي بما يقوم به أو بما يتقوت به يومه. فهكذا الإنسان إذا احتاج إلى الشيء الذي لا بد منه، فليسأل ربه تبارك وتعالى أن يبارك له في وقته، وأن يبارك له في عمله. احتاج أن يعمل في حرفة من الحرف، أو في موضع أو مكان من الأماكن، ليسأل ربه تبارك وتعالى أن يبارك له فيما بقي له من الوقت، وأن يبارك له في عمله، حتى يصل بهذا العمل إلى ما يقصد من إعفاف نفسه، والقيام بأسرته، والإنفاق على من لا يجوز إهمالهم وتركهم. وهكذا يسأل ربه تعالى أن يبارك له في وقته. البركة من الله: رب ساعة تعدل عشر ساعات. رب ساعة لطالب تعدل عشر ساعات لطالب آخر: هذا متفرغ من الصباح إلى المساء لكن لم يكتب له البركة، وهذا مشغول إلا في بعض الساعات من ليله ونهاره، فلعل ربنا تبارك وتعالى يبارك لهذا المشغول بما لا بد منه بما لا يبارك لذلكم المتفرغ. وأنتم تنظرون الذين يطلبون العلم. وهكذا ليس من الشواغل عن الطلب التأهل والزواج، خلافًا لقول بعضهم بأن الزواج مما يشغل عن طلب العلم، إذا جاءت الزوجة وجاء الأولاد فإنهم يأخذون عليه من وقته. لا، المذهب الراجح أن الشباب خير لهم أن يتزوجوا، لا سيما في هذا الزمن الذي كثرت فيه الفتن، وكثرت فيه العوائق، وكثرت فيه الشواغل. فالشباب اليوم في أمس الحاجة إلى أن يحصنوا أنفسهم، وإلى أن يبتعدوا عن مواطن الزلل والخطأ والانحراف. فالشهوة قوة في الشباب، ولهذا يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم الشباب فيقول: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحسن للفرج». يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحسن للفرج. «أغض للبصر وأحسن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإن له وجاء». كم من العلماء من ماتوا في شبابهم: هذا يموت في الثلاثين، وهذا يموت في الأربعين، وهذا يموت في الخمسين. ومن العلماء من أمد الله لهم في أعمارهم. فأنت لا تعلم متى تموت، حتى تقول: لا، أنا سأترك الزواج لأجل أن أتفرغ للعلم. لعلك تعمل بما يتقوى به دينك، وتسلم من الفتن، ويبارك الله لك في عمرك، يمد لك في عمرك. وتعرفون العمر بالنسبة للمؤمن يعتبر مكسبًا، لأنه كلما زيد له في عمره وهو يزيد من العمل الصالح، ترتفع له الدرجات، ويكسب من الحسنات. وصدق النبي صلى الله عليه وسلم إذ يقول: «لا يتمنى أحدكم الموت، فإن المؤمن لا يزيده عمره إلا خيرًا، إما أن يكون محسنًا فيزداد، أو يكون مسيئًا فيستعتب». وهكذا في الحديث الآخر، حديث عبد الله بن بسر: «خير الناس من طال عمره وحسن عمله». خير الناس من طال عمره، وعمل هذا العمر في طاعة الله سبحانه وتعالى. فالزواج ليس من الشواغل، بل الزواج في هذه الأيام يعتبر من أهم الأمور للشباب الذين تأهلوا للزواج. فهذه نصيحة للإخوة، لأن الإخوة تتجاذبهم الآراء المختلفة: هل أقدم على الزواج أو أؤخر الزواج؟ فنصيحة للشباب بما أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم بتعجيل الزواج. وهذا أيضًا في حق الأولياء: من كان عنده شاب قد تأهل للزواج، وعند الأب القدرة على تزويجه، فينبغي أن يبادر في تزويج ولده، حتى لا تتخطفه شياطين الإنس وشياطين الجن، فيضيع في أودية الباطل والانسلاخ والانحراف، بسبب حاجته الماسة للزواج، وعدم فتح وتهيئة الأمر له في ذلك. قال: ومن آداب أن يجتنب الأسباب الشاغلة عن التحصيل. وكما تقدم في الدروس الأولى: أن القناعة من أعظم الأشياء. المحبة أن تحب العلم، وأن تقتنع بالقليل. المحبة محركة، والمحبة تبعث على التضحية. وهكذا القناعة باليسير، وعدم الانشغال. حتى ذكروا أن في باب الحفظ أن يبتعد عن أماكن الخضرة والزراعة والمناظر الملهية. يعني: إنسان يريد أن يحفظ شيئًا من القرآن، أو من السنة، أو من العلم، يذهب عند الأنهار الجارية والمناظر الحسنة والخضرة، ويقول: أنا أحفظ. لا، على أن يبتعد عن الأماكن التي تشغله وتشتت ذهنه. نعم، قالوا: ينبغي أن يطهر قلبه من الأدناس ليصلح لقبول القرآن وحفظه واستثماره. وعلى قول لمعظم أهل التفسير في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: 282]. فمن اتقى ربه سبحانه وتعالى فتح عليه. فمن أسباب تحسين العلم تقوى الله سبحانه وتعالى. ومن تقوى الله عز وجل إصلاح أعظم عضو في الإنسان، ألا وهو القلب، الذي يعتبر ملك الأعضاء، والأعضاء تعتبر كالجنود لهذا الملك، تسير بسيره، وتصلح بصلاحه، وتفسد بفساده. ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب. فعلى طالب العلم أن يعتني بإصلاح قلبه، ويحرص على تنمية الإيمان فيه، ويحرص على إزالة الأمراض والعاهات التي تكون في القلوب من الرياء والسمعة، وعدم الإخلاص، والعجب، والغرور، والغل، والحقد، والحسد، وغير ذلك من الآفات. قالوا: لقد أحسن القائل: يطيب القلب للعلم كما تطيب الأرض للزراعة. نعم، كما أن الزراعة تطيب وتحسُن في الأرض الخصبة المهيأة للزراعة، فهكذا العلم يثمر ويعظم ويزداد وينفع إذا كان القلب مهيأً وصالحًا لقبول هذا العلم. قالوا: ينبغي أن يتواضع لمعلمه ويتأدب معه، إن كان أصغر منه سنًا وأقل شهرة ونسبًا وصلاحًا وغير ذلك، ويتواضع للعلم. فبتواضعه للعلم يدركه. وقد قالوا: العلم حرب للفتى المتعالي، كالسيل حرب للمكان العالي. نعم، التواضع للمعلم والتأدب معه، فإن حق المعلم على المتعلم حق كبير. فإن من أحسن إليك في أمر من أمور الدنيا بهدية قد تذهب سريعًا وتتلف، مع ذلك تشعر من نفسك أن له حقًا عليك. وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من صنع إليكم معروفًا فكافئوه»، فأعظم المعروف معروف العلم الذي به تصلح القلوب، ويصلح الدين، ويعصم من الفتن، وينال بذلك سعادة الدنيا والآخرة. فهكذا حق المعلم على المتعلم حق كبير. فإذا استشعر ذلك، فعليه أن يحترمه، وأن يوقره، وأن يتأدب معه، وأن يتلطف معه، وأن يحبه؛ لأنه يسدي إليه المعروف، ولأنه يعينه على طاعة الله، ولأنه يفتح له أبواب الخير التي بها سعادة الدنيا والآخرة. قال: وإن كان أكبر منه سنًا وأقل شهرة ونسبًا... نعم، لأنه معلم لك. والشيب هو القائل: «من علمني حرفًا كنت له عبدًا»، أو كما قال. ويتواضع للعلم أيضًا. من التواضع أنه يتواضع للعلم، لا ينظر إلى العلم نظرة ازدراء واحتقار، فيفقد هيبته وجلالته وشرفه. لا، ينبغي أن يعظم العلم، وأن يتواضع للعلم، فبذلك يعني يصل إلى غايته ومراده. وقد قالوا: العلم حرب للفتى المتعالي، كالسيل حرب للمكان العالي. انظروا كيف يأتي السيل على الهضبة المرتفعة فينحتها من جوانبها حتى يسقط هذا المكان العالي. وهكذا العلم بالنسبة للفتى المتعالي: إذا بقي على تعاليه وكبره، فإنه يسقط. فالعلم يحتاج إلى من يذله، ومن يتواضع له. وفق الله الجميع. إلى هنا والحمد لله.