شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن 42

شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن 42

الدرس في شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن 42، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني

تكرار الآية للتدبر وآثار السلف فيه

يتناول المحور فصل تكرار الآية للتدبر مستعرضاً آثاراً عن الصحابة والتابعين مع بيان درجة صحة كل أثر، ويخلص إلى أن تكرار الآية للتدبر فعل بعض السلف ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم.

البكاء عند قراءة القرآن: حقيقته ومشروعيته

يبين المحور أن البكاء شعار العارفين ومفسراً كلمة شعار بأنها العلامة، ثم يستعرض أدلة القرآن والسنة وأقوال السلف على استحباب البكاء عند القراءة بشرط ألا يكون بتكلف.

البكاء خوفاً وشوقاً والنقد للأحاديث الموضوعة وإحياء العلوم

يؤكد المحور مشروعية البكاء الصادق الناتج عن خوف الله وشوقاً لثوابه مستدلاً بأحوال السلف، وينكر حديث "ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا" لضعفه، وينتقد كتاب "إحياء علوم الدين" لغزارة الأحاديث الموضوعة فيه.

البكاء على قسوة القلب وخاتمة الدرس

ينصح المتحدث بالبكاء على عدم خشوع القلب وعدم الخوف من الله معتبراً ذلك مصيبة تستوجب الخوف على النفس، ويختتم بالدعاء بالتوفيق للجميع.

التفريغ النصي الكامل

موقع دار الحديث بالفيوش يقدم هذه المادة: شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن للإمام النووي عليه رحمة الله، شرح فضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرع العدني رحمه الله تعالى. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، فقرأنا في الدرس الماضي في هذا الفصل، وهو أنه ينبغي أن يقرأ... أن يحافظ على قراءة البسملة. حيث ضبط الكلمة قال: "فإن كانت القراءة في وظيفة عليها جعل". قلت: "جعل" يعني مكافأة ومقابل. وأما من حيث الشرح فهو على ما تقدم: "فإن كانت القراءة في وظيفة عليها جعل". قال رحمه الله: "فصل في ترداد الآية للتدبر". قال: "قد قدمنا في الفصل قبله الحث على التدبر وبيان موقعه وتأثر السلف به". قالوا: روينا عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قام النبي صلى الله عليه وسلم بآية يرددها حتى أصبح، والآية: ﴿ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ﴾، رواه النسائي وابن ماجه. وفي التحقيق أنه ضعيف لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم. قالوا: وعن تميم الداري رضي الله عنه أنه كرر هذه الآية حتى أصبح: ﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾ الآية. نعم، في سنده شيء من الاختلاف، وكأن المحقق لم يقطع، فيحتاج إلى مراجعة. قالوا: وعن عباد بن حمزة قال: دخلت على أسماء رضي الله عنها تتقرأ: ﴿ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ ﴾، فوقفت عندها فجعلت تعيدها وتدعو، فطال علي ذلك، فذهبت إلى السوق فقضيت حاجتي ثم رجعت وهي تعيدها وتدعو. وسنده ضعيف. قالوا: روينا هذه القصة عن عائشة رضي الله عنها، في التحقيق أن ابن أبي شيبة رواه بسند صحيح. ورد ابن مسعود رضي الله عنه: ﴿ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا ﴾، وسنده ضعيف. قال: وردد سعيد بن جبير: ﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ﴾، وردد أيضا: ﴿ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ ﴾، وردد أيضا: ﴿ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ﴾. هذه الآثار عن سعيد يقول: صحيحة. قالوا: كان الضحاك إذا تلا: ﴿ لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ﴾ رددها إلى السحر. نعم، لم يعثر عليه. فتقدم ما يتعلق بمشروعية تدبر القرآن والتفكر فيه، ومما يعني فعله السلف في هذا الباب -باب التدبر- تكرار الآية. أما عن النبي صلى الله عليه وسلم فلم يثبت شيء في هذا، لكن فعله بعض السلف. فترديد الآية بدون تكلف، يعني لأجل التدبر، هذا فعله بعض السلف. قال: "فصل في البكاء عند قراءة القرآن". قال: "قد تقدم في الفصلين المتقدمين بيان ما يحمل على البكاء في حال القراءة، وهو صفة العارفين وشعار عباد الله الصالحين". قال: "شعار" بكسر الشين: العلامة. قال النووي: "شعار" بكسر الشين: العلامة. هنا أيضا تعليق: ما شئنا عليه. أبو ذر اسمه جندب، وقيل برير، لضم الباء الموحدة وتكريب الراء. أيضا: "اجترحوا السيئات" اكتسبوها. في المسألة في الفصل السابق. قال: "وشعار عباد الله الصالحين". قال الله تعالى: ﴿ وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا ﴾. قال: "وقد وردت فيه أحاديث وآثار للسلف كثيرة، فمن ذلك: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اقرؤوا القرآن وابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا»". وسنده واهن. قالوا: وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه صلى بالجماعة الصبح فقرأ سورة يوسف، فبكى حتى سالت دموعه على ترقوته. وفي رواية أنه كان في صلاة العشاء، فيدل على تكرره منه. وفي رواية: فبكى حتى سمعوا بكاءه من وراء الصفوف. وسنده صحيح. قالوا: عن أبي رجاء قال: رأيت ابن عباس وتحت عينيه مثل الشراك البالي من الدموع. وهذا أيضا يقول: سنده صحيح. قالوا: عن أبي صالح قال: قدم ناس من أهل اليمن على أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فجعلوا يقرؤون القرآن ويبكون، فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: "هكذا كنا". وسنده ضعيف. قالوا: عن إنشام قال: ربما سمعت بكاء محمد بن سيرين في الليل وهو في الصلاة. وإنشام هنا: ابن حسان قردوس. نعم. قال: هنا أم عباد لم نجد لها ترجمة، فالسند لا يصح. قال: "والآثار في هذا كثيرة لا يمكن حصرها، وفيما أشرنا إليه ونبهنا عليه كفاية، والله أعلم". قال الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله: "البكاء مستحب مع القراءة وعندها". قال: "وطريقه في تحصيله: أن يحذر في قلبه الحزن بأن يتأمل ما فيه من التهديد والوعيد الشديد والمواثيق والعهود، ثم يتأمل تقصيره كذلك، فإن لم يحذره حزن وبكاء كما يحذر ثواث، فليبكِ على فقد ذلك، فإنه من أعظم المصائب". نعم، هذا الفصل في مشروعية البكاء عند قراءة القرآن، لكن بدون تكلف. البكاء عند قراءة القرآن ولكن بدون تكلف، فهذا من هدي الأنبياء، وهذا من هدي النبي صلى الله عليه وسلم والصالحين والسلف، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا ﴾. وهكذا في قوله سبحانه وتعالى: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ ﴾. وهكذا في قول أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم، ومن حملنا مع نوح، ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل، ومن هدينا واجتبينا: ﴿ إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَٰنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا ﴾. وهكذا في قول سبحانه: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾. وهكذا في الآية المتقدمة: ﴿ اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ﴾. ففي هذه الآيات الكريمات بيان بكاء الصالحين والأنبياء عند تلاوة كتاب الله عز وجل. وهكذا كان هدي النبي صلى الله عليه وسلم، كما في حديث ابن مسعود حينما قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «اقرأ علي». قال: أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: «نعم، إني أحب أن أسمعه من غيري». قال: فقرأت عليه حتى جاء إلى قوله سبحانه: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا ﴾. قال: «حسبك». قال: فالتفت، فإذا عيناه تذرفان. وعبد الله بن الشخير يقول: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم ولصدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء. وهكذا كان السلف، كما ذكر الآثار عن عمر، وأيضا أبو بكر، كما في الصحيح: عائشة رضي الله عنها حينما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مروا أبا بكر فليصل بالناس». قالت عائشة رضي الله عنها: إن أبا بكر رجل رقيق، إذا قرأ القرآن غلبه البكاء. إذا قرأ القرآن غلبه البكاء. وهكذا هذه الآثار عن عمر بن الخطاب وعن غيره. فيشرع... يعني بدون تكلف، وإلا فالله يقول: ﴿ قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ ﴾. وهكذا يقول صلى الله عليه وسلم: «نهينا عن التكلف». فالتكلف لا يشرع. وهذا الحديث الذي بين أيدينا لا يصح: «ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا». فـ"تباكوا" لو صح لكان حجة على تكلف البكاء، ولكن لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم. فيشرع البكاء خوفا من الله وشوقا إليه سبحانه وتعالى. فمشروعية البكاء خوفا من الله مع شعور العبد بالتقصير، فإنه يبكي خوفا من الله عز وجل، ويبكي أيضا شوقا إلى الله تبارك وتعالى لما وعد الله عز وجل به عباده المؤمنين من الجنات والخيرات والحسنات في دار لا موت فيها ولا حزن فيها، مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. فهذا مشروع. ثم يعني ذكر الطريقة التي يستحضر بها البكاء أو يكون بها البكاء، هذا ذكره النووي بدون عزو في كتابه "المهذب" شرح المجموع... المجموع شرح المهذب. لكن هنا أحال وهو موجود بحروف في "إحياء علوم الدين". ومعلوم أن "إحياء علوم الدين" كتاب عليه نقد من العلماء المحققين. وهكذا نفس المؤلف مما يعني أخذ عليه مسائل، منها: يعني اعتناءه بالإشارات الصوفية في تفسير الآيات القرآنية، وهكذا إدخاله واعتناءه بعلم الفلسفة والمنطق، وأشياء خطيرة من كلام المنطقيين والفلاسفة، وهكذا حشره للأحاديث المكذوبة والموضوعة في كتابه، يعني "إحياء علوم الدين"، حتى قال قائلهم: لا يعلم كتاب على وجه الأرض أكثر جمعا للأحاديث الموضوعة من كتاب "إحياء علوم الدين"، لا يكون لها أصل ولا كذا. فعليه بعض المؤاخذات، وانتقده خواص أهل العلم. يقول هنا: مع أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول: له مواضع يعني جيدة. يقول: يستحضر البكاء بأن يتأمل في الآيات التي فيها التهديد والوعيد ونقض المواثيق، فلينظر إلى تقصيره: كيف هو مع الأوامر، كيف هو مع النواهي. فهذا يحمله على الخوف من الله سبحانه وتعالى فيبعث على البكاء. فإن لم يحصل له ذلك، فليبكِ على عدم خشوع قلبه وعدم خوفه من الله سبحانه وتعالى، فإن ذلك يعتبر مصيبة تسوغ على العبد أن يخاف على نفسه من هذه المصيبة. وفق الله الجميع. إلى هنا والحمد لله.