الدرس في شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن 43، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني
يستحب للقارئ عند مرور آيات الرحمة أن يسأل الله، وعند آيات العذاب أن يستعيذ، وعند آيات التنزيه أن يسبح، وهو هدي ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الليل بقراءة السور الطوال والتفاعل مع معانيها. يدل هذا الفعل على مشروعية تدبر القرآن والتفكر في معانيه أثناء الصلاة، ولا يتأتى ذلك إلا لمن كان متدبراً متفكراً في كلام ربه.
اختلف العلماء في مشروعية التفاعل مع الآيات أثناء القراءة في الصلاة؛ فذهب الجمهور إلى اختصاص ذلك بصلاة النفل لثبوت فعله من النبي صلى الله عليه وسلم في قيام الليل دون الفرض. وذهب طائفة إلى مشروعيته في الفرض والنفل، والراجح اختصاصه بالنفل لعدم الدليل على فعله في الفرض.
اختتم المتحدث الجلسة بالدعاء بالتوفيق والسداد للجميع في طلب العلم والعمل به. وختم حديثه بالحمد لله رب العالمين معلناً نهاية المقطع الدراسي.
موقع دار الحديث بالفيوش يقدم هذه المادة: شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن للإمام النووي عليه رحمة الله، شرح فضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرع العدني رحمه الله تعالى، رحمه الله. الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فيقول المصنف رحمه الله: قال: فصل، ويستحب إذا مر بآية رحمة أن يسأل الله تعالى من فضله، وإذا مر بآية عذاب أن يستعيذ من الشر أو من العذاب، ويقول: اللهم إني أسألك العافية، أو أسألك العافية من كل مكروه، أو نحو ذلك. وإذا مر بآية تنزيه لله سبحانه وتعالى نزهه، فقال: سبحانه وتعالى، أو تبارك وتعالى، أو جلت عظمة ربنا. قال: فقد صح عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما قال: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المئة، ثم مضى، فقلت: يصلي بها في ركعة، فمضى، فقلت: يركع بها. ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها، يقرأ مترسلًا، إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بآية سؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ. رواه مسلم في صحيحه. قالوا: كانت سورة النساء في ذلك الوقت متقدمة على آل عمران. قال أصحابنا رحمهم الله: ويستحب هذا السؤال للسعادة والتسبيح لكل قارئ، سواء كان في الصلاة أو خارجًا منها. قالوا: يستحب ذلك في الصلاة للإمام والمأموم والمنفرد؛ لأنه دعاء فاستووا فيه كالتأمين عقب الفاتحة. وهذا الذي ذكرنا من استحباب السؤال للسعادة هو مذهب الشافعي وجماهير العلماء رحمهم الله. وقال أبو حنيفة رحمه الله: لا يستحب ذلك، بل يقرأ في الصلاة. والصواب قول الجماهير لما قدمناه. لا يزال هذا الفصل مؤيدًا لمشروعية التدبر والتفكر في كلام الله سبحانه وتعالى. فمن ذلك أنه إذا مر بآية رحمة، يعني فيها وعد وبشارة بالجنة وبالرضوان من الله تعالى، أن يسأل الله تعالى من فضله. وإذا مر بآية عذاب، يعني فيها وعيد وتخويف من عذاب الله تعالى، أن يستعيذ من الشر أو من العذاب، ويقول: اللهم إني أسألك العافية، أو أسألك العافية من كل مكروه. مثال ذلك: قوله سبحانه: ﴿وَقُل رَّبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون: 118]، أنه يقول: رب اغفر لي وارحمني. ومثال: ﴿فِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ [الزخرف: 71]، يقول: اللهم إني أسألك الجنة. ومثال: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ [آل عمران: 192]، يقول: ربنا لا تخزنا يوم لقائك. فيها ذكر النار وأهوالها، يقول: اللهم إنا نعوذ بك من النار. فيها ذكر الجنة، يقول: اللهم إنا نسألك الجنة. فيها التسبيح: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: 74]، يقول: سبحان ربي العظيم. ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: 1]، يقول: سبحان ربي الأعلى. هذا معنى المرور بآية رحمة سأل، والمرور بآية عذاب تعوذ، والمرور بالتسبيح سبح. قال: أو نحو ذلك. وإذا مر بآية تنزيه لله سبحانه نزهه، فما تقدم أو عظمه. قال: وقد صح عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما قال: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المئة، يعني سيركع في هذه الركعة التي هو فيها إذا قرأ مئة آية. ثم مضى، فقلت: يصلي بها في ركعة. ثم مضى، فقلت: يركع بها، يصلي بها في ركعة، يعني أنه سيقسمها في الركعتين. فمضى، فقال: إذا يصلي بها في هذه الركعة التي نحن فيها. ثم مضى، فافتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها، يقرأ مترسلًا، يعني غير مستعجل، يعطي الحروف حقها ويبينها. إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بآية فيها سؤال سأل، وإذا مر بآية أو إذا مر بتعوذ تعوذ. فهذا الحديث يدل على مشروعية تدبر القرآن والتفكر فيه، فالنبي صلى الله عليه وسلم صلى هذه الصلاة وأطال فيها جدًا، قرأ البقرة، وهذه القراءة المذكورة في هذا الحديث أنها قراءة مترسلة يتعنى فيها ويتدبر، بل ويسأل عند السؤال، ويستعيذ عند الاستعاذة، ويسبح عند التسبيح. هذا لا يكون إلا من متدبر ومن متأمل ومتفكر في هذه الآيات. أما إذا كان القصد هو سرد الآيات وسرد الركعات، لا يتأتى للمصلي أن يميز بين آية السؤال فيسأل، وآية التعوذ فيتعوذ، وآية التسبيح فيسبح. هذا لا يكون إلا من متدبر. فانظروا إلى عظيم اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم في عبادة الله سبحانه وتعالى، في ركعة واحدة قرأ البقرة ثم قرأ النساء ثم قرأ آل عمران، ويفعل ذلك عند هذه الآيات. فهذا فيه مشروعية التدبر لكلام الله سبحانه وتعالى. قال: نعم، ورواه مسلم. وكانت سورة النساء في ذلك الوقت متقدمة على آل عمران. يقصد في ذلك الوقت، في هذا الوقت الذي صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم بحذيفة، وإلا فإنهم يقولون بأن هذا كان في أول الأمر، لكن في العرضة الأخيرة قدم النبي صلى الله عليه وسلم آل عمران على النساء. بدليل أن النبي عليه الصلاة والسلام كان كثيرًا ما يقرن بين السورتين، فيبدأ بذكر البقرة، فيقول: «اقرؤوا البقرة وآل عمران، فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان» إلى آخره. فكثيرًا ما يقرن بينهما ويبدأ بذكر البقرة ثم يثني بآل عمران، يدل على أن البقرة أولًا ثم آل عمران ثانيًا ثم النساء ثالثًا. ومنهم من قال: هذا فيه دليل على عدم التوقيف في ترتيب السور، بدليل أن المصحف الذي رتبه الصحابة فيه غير هذا الترتيب. قال أصحابنا، يقول النووي رحمه الله: قال أصحابنا رحمهم الله: يستحب هذا السؤال للسعادة والتسبيح لكل قارئ، سواء كان في الصلاة أو خارجًا منها. نعم، إذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ، وإذا مر بتسبيح سبح. لكن هل يشرع ذلك في صلاة الفرض وصلاة النافلة؟ فيه قولان لأهل العلم: القول الأول: أن هذا خاص بالنافلة، وهذا قول الأكثر من أهل العلم، أن هذا خاص بالنافلة؛ وذلك لأنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فعل ذلك في الفرض. كم صلى من صلوات فرائض جهرية، وكم نقل صفة صلاته عليه الصلاة والسلام من الصحابة رضي الله عنهم، فلم يثبت في حديث واحد أنه فعل ذلك في الفرض. نعم، الأصل أن ما ثبت في الفرض فهو مشروع في النفل، وما شرع في النفل فهو مشروع في الفرض، لكن إلا بدليل. هذه القاعدة، لكن هنا يقولون: يعني النبي صلى الله عليه وسلم صلى مرات كثيرة ولم ينقل أنه فعل ذلك في الفرض، وإنما فعله في النفل في صلاة الليل، فيبقى مقصورًا على صلاة الليل في النفل. والقول الثاني: أنه مشروع في الفرض والنفل لما تقدم، وهذا قول طائفة من أهل العلم، وهو رواية عن أحمد. أما القول الأول، قول الجمهور، فهو رواية عن أحمد. وهذا قول طائفة، وأيضًا هو الرواية الثانية عن أحمد. والراجح والأقرب أن هذا خاص بصلاة النفل؛ لأنه لم يثبت ذلك في صلاة الفرض. نعم، في مشروعية ذلك وهو من التدبر المتقدم. وفق الله الجميع. إلى هنا والحمد لله.