شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن 44

شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن 44

الدرس في شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن 44، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني

آداب الاستماع للقرآن الكريم

يجب على المستمع للقرآن الإنصات التام وترك اللغط والضحك والحديث احتراماً لكتاب الله، مستدلين بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾. كما ينبه إلى عدم إجبار غير المهيئين على الإنصات لئلا يفوت القارئ أجره والمستمع فائدته.

آداب تلاوة القرآن واجتناب القطع باللغط

يحرم على القارئ قطع تلاوته باللغط أو الكلام أو الضحك، ويستثنى الكلام للضرورة كرد السلام أو تشميت العاطس، مستدلين بحديث: «لا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن». كما يُنهى عن إقامة الحلق في قوارع الطرق لما تسببه من تشويش على المصلين والقارئين.

حضور القلب والخشوع في تلاوة القرآن

تجب قراءة القرآن بخشوع وسكينة مع اجتناب العبث باليد أو اللسان أو النظر، اقتداءً بهدي الصحابة الذين كانوا يسكنون كأن على رؤوسهم الطير. كما يُكره التثاؤب أثناء التلاوة لكونه من الشيطان ومشتتاً للقلب، ويؤمر بترك القراءة حتى يزول لجمع الفكر وحضور القلب عند كلام الله.

آداب مجالس العلم وتصفية النفس للمتلقي

على طالب العلم في مجالس العلم تجنب الموانع كخوف شديد أو فرح زائد أو جوع أو مدافعة الأخبثين، وأن يفرغ نفسه منها أولاً ليستفيد استفادة كاملة. ويختتم المقطع بالترقب للدرس القادم لاستكمال آداب الطلب.

التفريغ النصي الكامل

موقع دار الحديث بالفيوش يقدم هذه المادة: شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن للإمام النووي عليه رحمة الله، شرح فضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرع العدني رحمه الله تعالى. يَارَفْعَ رَحْمَةَ اللهِ، والحمد لله، والحمد لله إلى الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد: قال: فصل، ومما يعتنى به ويتأكد الأمر به احترام القرآن، من أمور قد يتساهل فيها بعض الغافلين القارئين، ها بعض الغافلين القارئين مجتمعين. نعم، فمن ذلك: اجتناب الضحك واللغط والحديث في خلال القراءة. قال: اللغط. قال النووي رحمه الله: اللغط بفتح الغين المعجمة وإسكانها لغتان، هو اختلاط الأصوات. قال: إلا كلامًا يضطر إليه، وليمتثل أمر الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. نعم، القرآن كتاب الله عز وجل، قال الله عز وجل: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾. فمن احترام مجالس العلم والقرآن ينبه ابن الصلاح رحمه الله على أمور قد يفعلها الذين يقرأون مجتمعين، وهي على خلاف الأدب مع كتاب الله سبحانه وتعالى. قال: من ذلك اجتناب الضحك واللغط والحديث في خلال القراءة، واستدل بالآية الكريمة: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. فهذا أمر من الله عز وجل: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾، لأجل أن يستفيد القارئ، وأن يستفيد المستمع. فأهل المجلس معمورون بالاستماع والإنصات حتى لا يتشوش القارئ، ولئلا يحرم المستمع الفائدة باللغط والضحك والصراخ والإزعاج. يحرم إما القارئ الأجر، وإما المستمع الاستفادة والإنصات. ومن هنا يأخذ أن أهل المجلس إذا لم يكونوا مهيئين لسماع القرآن فقد أمروا بالاستماع والإنصات له. يأخذ أن الإنسان لا يلجئهم إلجاءً إلى الاستماع والإنصات وهم ليسوا مهيئين. مثلا: هم في وقت تهيئة العفش على سفر، سيسافرون، لا بد هذه اللحظات وقت العمل، فيذهب وهذا يقول: ائتِ بالشنطة، وهذا يقول: انزل هذا، وهذا يقول: تعال. فالوضع وضع عمل، فيذهب يشغل قرآنًا يريدهم أن ينصتوا، وما أحسنهم لأنهم معمورون بالإنصات والاستماع، وهم ليسوا مهيئين الآن للاستماع والإنصات، فيكون هذا أخطأ الذي ألجأهم إلجاءً إلى الاستماع وهم ليسوا مهيئين. فمن هذا الأدب نأخذ اجتناب الضحك واللغط أيضًا، واجتناب التحلق مثلا في حلق القرآن في قوارع الطرق، لأن هذا يمنع من التوجه والاستفادة غالبًا. قوارع الطرق تمنع غالبًا من خلو القلب. إذا ذهب يعمل لهم حلقة في قوارع الطرق، يأتيهم من الإزعاج والفوضى والتشويش، فهذا ما لا يحسن. قال: فمن ذلك اجتناب الضحك واللغط والحديث في خلال القراءة. نعم، الضحك واللغط... النبي صلى الله عليه وسلم في شأن القرآن يقول: «لا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن، فكلكم يناجي ربه». لا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن، في بعض الروايات: في الصلاة، «فكلكم يناجي ربه». قالوا: الحديث في خلال القراءة إلا كلامًا يضطر إليه، كرد سلام. هو على أن يقرأ ولا ينقطع عن قراءة إلا في أمر لا بد منه، كرد سلام. دخل داخل ويسلم، ولم يوجد أحد رد السلام، فتتعينون رد السلام، فرد كفاية على من ألقي عليهم السلام. كرد سلام، أو تشميت عاطس. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا عطس أحدكم وحمد الله كان حقًا على كل من سمعه أن يقول له: يرحمك الله». إذا عطس أحدكم وحمد الله كان حقًا على كل أحد سمعه أن يقول له: يرحمك الله. ومن هنا أخذ بعض أهل العلم أن تشميت العاطس لمن حمد الله يكون فرض عين، وأخذ بهذا الحديث. ومن هؤلاء شيخنا الإمام الوادعي رحمه الله، كان يقول: على كل واحد أن يشمت العاطس إذا حمد الله، ويستدل بهذا الحديث: «كان حقًا على كل من سمع أن يقول له: يرحمك الله». وهكذا، يعني يتكلم إذا دعت الحاجة، مقتضى الضرورة يتكلم بأمر الله، لا يقطع القراءة ويتكلم. وليقتدي بما رواه ابن أبي داود عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان إذا قرأ القرآن لا يتكلم حتى يفرغ مما أراد أن يقرأه. رواه البخاري في صحيحه، وقال: لم يتكلم حتى يفرغ منه. ذكره في كتاب التفسير في قول الله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾. وقال عبد الله بن عون: كان ابن سيرين يكره أن يقرأ الرجل القرآن إلا كما أنزل. يكره أن يقرأ ثم يتكلم ثم يقرأ. أخرج أبو عبيد في كتاب الفضائل بسند صحيح. قال عبد الله بن عون: كان ابن سيرين يكره أن يقرأ الرجل القرآن إلا كما أنزل. فسر هذا قال: أكره أن يقرأ ثم يتكلم ثم يقرأ. أخرج أبو عبيد في كتاب فضائل القرآن بسند صحيح. قالوا: من ذلك العبث باليد وغيرها، فإنه يناجي ربه سبحانه وتعالى، فلا يعبث بين يديه. نعم، يترك أنواع العبث والانشغال، ويلزم الأدب في مجلس العلم، والذي على مجلس القرآن، كما كان حدب السلف في مجالس العلم ومجالس النبي صلى الله عليه وسلم. ففي الصحيح من حديث أبي سعيد أن الصحابة كانوا إذا حضروا مجلس النبي صلى الله عليه وسلم سكتوا كأن على رؤوسهم الطير. وهكذا هو في حديث وائلة بن الأسقع: سكتوا كأن على رؤوسهم الطير. هو معنى كأن على رؤوسهم الطير: أنهم يسكنون ولا يتحركون، وأنهم يغضون أبصارهم، لأن الطير لا يسكن إلا على ساكن، الطير لا يبقى إلا على ساكن. فهذه صفة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في مجالسه عليه الصلاة والسلام: كأن على رؤوسهم الطير. فالذي يسكن هذا السكون لا يعبث بيد، ولا بقلب، ولا بنظر، ولا بكلام، ولا بأي نوع من أنواع الانشغال، بل يقبل إقبالًا كليًا. وهكذا مما ذكر العلماء من الآداب: أنه إذا تثاءب أنه لا يستمر في قراءة، بل يسكت حتى يكف عن تثاؤبه، لأن التثاؤب من الشيطان. وأرشد النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا تثاءب أحدكم فليكظم ما استطاع، فإنه إذا تثاءب ضحك منه الشيطان». وهذا أيضًا قول مجاهد، الإكرام أن من تثاءب ويقرأ فليمسك عن القراءة حتى يذهب تثاؤبه. أخرجه أبو عبيد وغيره وهو ثابت. قال مجاهد: المكي ابن جبر، وعكرمة مولى ابن عباس: أن من تثاءب عليه أن يمسك عن القراءة احتراما للقرآن. قال: ومن ذلك النظر إلى ما يلهي ويبدد الذهن. المقصود هو اجتماع الفكر، اجتماع القلب. فكل ما يبدد الفكر ويلهي فهذا أمر غير مرغوب فيه. وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم في شأن الصلاة يقول: «لا صلاة بحضرة طعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان». يعني المقصود هو تحصيل حضور القلب، فلا يصلي في حال جوع مفرق، أو في حال انشغال. وكذلك في مجالس العلم: إذا كان في خوف شديد، أو في فرح زائد، أو في جوع، أو في مدافعة، فيحاول أن يفرغ حتى تتم الاستفادة. وصل إن شاء الله في الدرس القادم. إلى هنا والحمد لله.