الدرس في كتاب الإجارة 3، تابع كتاب الإجارة . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
شرح مسائل الإجارة وفقا لمتن الدرر للشوكان، وتوضيح شروطها وضوابطها. الإجارة عقد له شروط وضوابط محددة.
عقد الاستصناع له شروط مثل معرفة الجنس والنوع والقدر والوصف، وأهلية العاقدين. يجوز وضع شرط جزائي في العقد بما لا يخالف الشرع والعرف.
يناقش أحكام المقاولات والاستصناع في الفقه الإسلامي، مشيرًا إلى جواز وضع شروط جزائية في العقود. المقاولات تنقسم إلى نوعين: ما يلحق بالإجارة وما يلحق بالاستصناع.
تم اختتام الدرس بنكتفي بهذا القدر من المعلومات، وسيتم استكمال الباقي في درس لاحق. يشير إلى أن الدرس انتهى بنجاح مع الإشارة إلى أن هناك المزيد سيأتي فيما بعد.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. تتمة لما سبق من مسائل الإجارة التي أشار إليها الإمام الشوكان رحمه الله في كتابه «متن الدرر»، قال رحمه الله تعالى: «ويجوز أن تكرى العين مدة معلومة بأجرة معلومة». أي ومن مسائل الإجارة يجوز إكراء العين، والعين يشمل العين الثابتة أو المتحركة، الثابتة كالعقار من أرض أو حائط أو كذلك بنيان أو بستان أو غير ذلك، أو متحرك كالمركوبات. وقوله «مدة معلومة» أي لابد من تحديد المدة، وقد مر معنا ذلك في شروط البيع أو في شروط الإيجارة، فشروط الإجارة أن يكون هناك معرفة للمنفعة ولأجلها إذا كان هناك أجل حتى تنقطع الخصومات. وقوله «بأجرة معلومة» أي لابد من تحديد الأجرة على ما سبق في شروط الإجارة. ومر معنا أن عقد الجعالة أوسع من الإجارة، ففي الإجارة قد تكون الشروط أضيق، وفي الجعالة الشروط أوسع، والسبب في ذلك أن الجعالة تكون بتنازل من قبل أحد الطرفين عن بعض الشروط، إما لأن العمل من أبواب الخير كما سبق، فالقربات يجوز فيها الجعالة ولا تجوز فيها الإجارة. والجعالة لا يجوز في العمل المعلوم وفي المجهول، ولا يجوز ذلك في الإجارة، فلهذا ذكر هذه الشروط. ثم أشار في الشرح إلى دليل ذلك بما ورد في حديث رافع بن خديج، وتقدم معنا في الباب المتقدم أو المسائل المتقدمة في باب المزارعة، وفيه ﴿وهو في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم نهاهم عن إكراء الأرض بما خرج منها﴾ لأنهم لم يكونوا يحددوا ذلك ولا يمكن تحديده، فيكون فيه شيء من الجهالة، كما جاء في بعض الروايات «ربما قالوا هذه الجهة لك وهذه الجهة لي»، فربما أثمرت هذه وخرجت معيبة تلك. فلما كان فيه شيء من الجهالة والغرر نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم وأمرهم أن يفعلوا ذلك بالورق، أي بالفضة أو بما معناه من النقد. ولهذا قال في بعض الروايات «فأما بالورق فلم ينهني»، لماذا بالورق؟ هل لأنه خاص الحكم بالورق؟ الجواب لا، لأنه بالورق يكون معلوما غير مجهول. فاستدل به أن كل نوع من أنواع الإجارة فيها جهالة وغرر لا يجوز، هذا وجه الاستدلال بهذا الحديث. ولهذا جاء كما أشار ورحمه الله بالشرح في بعض ألفاظ الحديث في الصحيح مسلم وغيره «فأما شيء معلوم مضمون فلا بأس به». وهذا يدل على ما تقدم من أن العلة في النهي ليس لأجل كونها أرض، فلا يجوز فيها إلا بالنقد، ولكن لأجل الجهالة الموجود فيها، فإذا لم تكن جهالة فلا بأس. وهذا الحكم فيما يتعلق بمعنى الإجارة، وأما ما كان أوسع من ذلك من مدلة الأدلة الشرعية على جوازه فيجوز، لكن بضوابط وشرط أخرى. فمر معنا مثلا في باب السلم تجوز أشياء لا تجوز مثلها في باب الإجارة، ففي باب السلم كما تقدم معنا يجوز أن يسلم في شيء غير موجود لكنه بالذمة، لكنه بالذمة لا يجوز أن يشتري الثمرة قبل بدو صلاحها، هذا في باب البيوع محرم. وهكذا كذلك لا يجوز الاستئجار في الإتيان بثمرة قبل بدو صلاحها لأنه إجارة في شيء مجهول، لكن في باب السلم يجوز، ولكن بالشروط الخمسة التي تقدمت معنا في باب السلم. وهكذا كذلك يقال في بعض أنواع العقود التي تشبه بالإجارة وليست بإجارة، مثل ما مر معنا قبل قليل عقد الجعالة، فهو يجوز على عمل معلوم وعلى عمل غير معلوم. فأنت تعطي هذا الإنسان أجرة، لكن تعطيه أجرة إما على شيء معلوم وإما على شيء غير معلوم، كأن تقول: «أريدك أن تعمل معي لمدة سنة تساعدني في عملي بكذا وكذا»، فأنت ترضى بهذا تسامحا لغرض السكنة مع هذا الرجل أو كذلك للانتفاع بشيء معنوي أو نحو ذلك. ومر معنا قصة موسى عليه الصلاة السلام مع والد المرأتين. وهكذا في هذا الباب ينبه على عقد الاستصناع، فعقد الاستصناع الذي هو وصفه أن يعمل أحد الطرفين بطلب من الطرف الآخر شيئا يصنعه، فيكون فيه الأجرة، هل هذا العقد الذي يتم لمثل هذا العمل عقد إجارة أم هو بيع أم هو سلم؟ اختلف أهل العلم في ذلك على هذه الأقوال الثلاثة وغيرها. فمثلا لو جاء رجل إلى إنسان وقال له: «أنا أريد أن تعمل دولاب وصفه كذا ونوعه كذا وكذا إلى آخره»، فهذا الآن الطلب ماذا يعتبر؟ هل هو إجارة فتشترط فيه شروط الإجارة؟ أم هو بيع فيكون فيه ما فيه البيوع من الشروط؟ أو هو سلم؟ أم ماذا؟ اختلف أهل العلم في ذلك. فذهب أكثر أهل العلم إلى أنه سلم، وروي هذا عن إمام أحمد ومالك والشافعي. وذهب بعضهم إلى أنه أقرب إلى البيع، وروي عن بعض الحنفية. وبعضهم ذهب إلى أنه إيجارة. ومن رأى في وصف عقد الاستصناع وأحواله وكذلك صفاته خصوصا في وقتنا المعاصر، علم أنه ليس يشابه البيع ولا الإجارة ولا حتى السلم. فإن شابه السلم فتشترط فيه شروط السلم التي تقدمت معنا في دروس سابقة. وإن لم يشابه السلم، وهذا هو الغالب، فهو عقد آخر يختلف عن هذه، سماه العلماء بعقد الاستصناع، وذكروا له شروطا بما دلت عليه أدلة الكتاب والسنة بعموماتها، وكذلك ما ورد في مسائل شبيهة. والشرع يلحق المتشابهات بعضها ببعض، فذكر العلماء من هذه الشروط الشرط الأول في عقود الاستصناع معرفة الجنس والنوع والقدر والوصف، أن يعرف جنس المطلوب وأن يعرف نوع المطلوب وأن يعرف قدر المطلوب وأن يعرف كذلك وصفه. فمثلاً لو طلب دولاب، هذا جنس الدولاب جنس، ثم الدواليب أنواع يحدد النوع، وإذا حدد النوع يحدد كذلك القدر، إن كان أبواب كم أبواب، إن كان بالمتر كم متر بحسب عرف الناس، وهكذا يحدد الوصف من شكله ومن نوعية خشبه أو نحو ذلك. وكل هذا يدخل تحت عموم ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في النهي عن بيع الغرر. ولأن هذا من معاني البيع فاشترط فيه إزالة كل ما فيه غرر. والشرط الثاني من هذه الشروط أهلية العاقدين، فلا يصلح العاقد في مثل هذا النوع من العقود وهو معنى من معاني البيع مع من ليس عنده أهلية. فلابد أن يكون العاقد مع من هو أهل يتم العقد بما يكون من هو أهل. والشرط الثالث أنه عمل في الذمة، لأنه لو لم يكن عمل في الذمة لكان معنى من معاني الجهالة. وقد تقدم معنى أن عقد السلم جاز لأنه عقد في الذمة، ولو لم يكن عقد في الذمة لما جاز. لا يجوز أن يبيع الإنسان الشيء قبل بدوء صلاحه، لكن لأنه كان عقد في الذمة جاز، لكن بشروطه. والشرط الرابع معرفة الأجل، وبهذا الشرط سمى بعضهم هذا العقد نوع من أنواع السلم. وعلى هذا اشترط شرطا خامسا وهو ماذا؟ أن يقدم الثمن كله أو بعضه على الأقل، يعني أن يكون هناك دفع الثمن كاملا مقدما حتى يوافق شروط السلم أو أكثره على قول بعض أهل العلم. وعلى القول أنه ليس بسلم فيجوز أن يؤجل الثمن إذا تراض الطرفان على ذلك، والمسلمون على شروطهم ولو كله. وهكذا كذلك يجوز كذلك عدم تحديد الأجل، واستدل له العلماء بقصة ذي القرنين فيما أخبر الله عز وجل عنه في أمر السد، قال الله عز وجل ﴿قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سد﴾ قال ابن عباس: «خرجا أي أجرا عظيما». واستدل العلماء بهذا على جواز شرط الاستصناع، لأنهم سيعطونه أجرا عظيما ليس عمل خيري، ومع ذلك ماذا قال لهم؟ «قال لهم ما مكنني فيه ربي خير»، ما مكنني ربي فيه خير، فاعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردما. فقوله «ما مكنني فيه ربي» لم يحدد الأجل، كأنه قال ما يسره ربي فسأعمله لكم بما يسره الله. وهذا يخرج عن معنى الإجارة ويخرج عن معنى كذلك السلم، لأن من شروط السلم أن يكون الأجل معلوم. قال النبي عليه الصلاة السلام: «من أسلم فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم إلى ماذا؟ إلى أجل معلوم». فعلم أن هذا ليس بسلم وليس بإجارة، فإذن وليس ببيع كذلك، إذن ما هذا الذي يجوز فيه الأجرة وبغير تحديد الأجل؟ قال العلماء: هو عقد آخر من معاني عقود الإجارة لكنه ليس بإجارة، وهو الاستصناع. فاستدل به على جواز عقد الاستصناع إذا توفرت فيه الشروط المتقدمة. ولأن إجازة هذا النوع من العقد من مصالح الناس التي يحتاجونها، فيندفع عنهم به حرج وتقضى به مصالح ويكون من الحلال الذي أحله الله، وهو الأصل في البيوع، ويبتعدون به عن معنى الحرام. فالناس لهم طلبات في أعمال يصنعونها بمواصفات وشروط، ومن الصعب أن يوجد الإنسان هذه الشروط والمواصفات أو يجدها موجودة، فهو يحتاجها بالطلب. فإذا كان كذلك جاز أن يتم عقد بيع بينهما، ولكن بشروط توافق الشرع وتبعد عنهم معاني الخصومة. فهذه الشروط التي ذكرها العلماء من الشروط التي دلت عمومات الشريعة عليها وتقضي بإزالة الخصومات بين الناس. فإذا شروط الاستصناع أولها عدم الجهالة في الجنس والنوع والقدر والوصف، وثانيها أهلية العاقدين، وثالثها أنه في الذمة، ورابعها أنه كذلك الأفضل أن يكون فيه أجل، والأفضل أن يكون فيه أجل وهو الأحوط وليس بشرط. لأنه قد يتأخر الأجل، فقد يقول مثلا الأجل من ستة أشهر إلى سنة، الأجل من نصف شهر إلى شهر، وهكذا. وهكذا كذلك ذكر العلماء أنه يجوز وضع الشرط الجزائي في عقد الاستصناع بما لا يخالف الشرع وبما يوافق العرف، لقول النبي صلى الله عليه وسلم «لا ضرر ولا ضرار»، لا ضرر ولا ضرار. فمثلا لو اشترط إنسان على آخر أن يصنع له قاربا أو سفينة بحرية، هذا عقد من عقود الاستصناع، ربما دفع نصف المبلغ أو بعضه أو كله بحسب ما يتفقان عليه، المسلمون على شروطهم، عموم الحديث توفرت كل الشروط، ولكن لأنهم حددوا أجل فاشترط المنتفع الذي طلب هذه السفينة أن يكون هناك شرط جزائي على الصانع إن تأخر في الموعد. من أين يأخذ هذا الجزاء؟ بالعرف، قال له مثلا: «أنا أشترط عليك أن أستلم هذه السفينة في تاريخ كذا وكذا مثلا بعد شهر أو قل بعد سنة، فإن تأخر عن هذا الموعد فأنا سأستجر سفينة أخرى وأجرة السفينة الأخرى عليك في مدة التأخير»، هذا عدل أو ليس بعدل؟ عدل، لأن ذاك تخلف فيلزمه تبعة التخلف. فلو كان أجرة السفينة مثلا بعشرة آلاف يلزمه في كل يوم عشرة آلاف، هذا شرط جزائي إن وافق الطرف الصانع يلزمه ذلك، المسلمون على شروطهم، إن لم يوافق وطلب التخفيض فبما يصطلحان عليه، مثلا قال: «كثيرا تلزمني بهذا، قد يحصل لي عذر أو كذا»، خفضه إلى النصف، خفضه إلى الثلث، خفضه إلى الربع، فما يتفقان عليه هذا شرط جزائي وليس هو من الظلم. لأنه أولا حصل بسبب تفريط، وسيأتي معنا أن المفرط يلزمه تبعة ما فرط. وقد قال النبي عليه الصلاة السلام بحديث عائشة «الخراج بالضمان»، يعني كما أنك تنتفع فكذلك عليك أن تدفع الضرر بقدر ما تنتفع. وسيأتي معنا إن شاء الله. وهكذا يجوز أن يضع الصانع شرط جزائي كذلك على من على المشتري، كأن يقول له مثلا: «إذا تأخرت في دفع الأقصار هذا يؤدي إلى تأخري في شراء المواد وتأخري في شراء المواد قد يدخلني في ضرر إذا زاد سعر المواد»، فأنا ألزمك بشرط جزائي إذا تأخر دفع الأقصار أن يل، يلزمك كذلك شرط جزائي قدره كذا وكذا، بمقتضى العرف فيما يكون متوسط الخسارة إذا رفعت الأسعار مثلا أو أجرة العمال أو غير ذلك. فإن تراضي على هذا الشرط الجزائي يلزمهما الوفاء به، لقول النبي عليه الصلاة والسلام «المسلمون على شروطهم». فما دام وضعوا شروط التزموا بها، وجب عليهم الوفاء بهذه الشروط. فإذا علمنا ذلك نستفيد هذا كثيرا فيما يقع من خصومات ونزاعات في باب المقاولات. فباب المقاولات ينقسم إلى قسمين، قسم منه يلحق بمعنى الإجارة، وهو ما إذا كان المقاول ليس له إلا أجرة العمل، فهذا نوع من أنواع الإجارة، وتشمله شروط الإجارة، وتقدمت معنا في أول في أوائل هذا الفصل في الدروس السابقة. ونوع آخر من المقاولات يكون فيه أجرة العمل مع المواد، وما كان كذلك من عقود المقاولات فهو من عقود الاستصناع. هو من عقود الاستصناع، وعقود الاستصناع كما مر معنا شبيهة بالبيع وليست ببيع، لأنه يعطيه مواد ويأخذ أجر عليها، يأخذ فائدة، ويشبه الإجارة وليس بإجارة، لأنه يعمل له عمل ويأخذ أجر على هذا العمل، لكن مخلوط معه المواد، فليس هو بإجارة وليس هو ببيع وليس على القول الصحيح كذلك بسلم، لكنه عقد خاص. وعقد الاستصناع فإذا كان كذلك فيلزم في هذا النوع من المقاولات، أي ما كان فيه أجرة عمل مع المواد، يعني يقول إنسان: «أنا أريد عمارة جاهزة بكم تعملها لي؟» هذه مواصفات هذه العمارة أو هذا المبنى، أخذ المواصفات درسه، قال المقاول: «أخذه بكذا وكذا»، كم المدة؟ المدة كذا وكذا، ثم كتبوا اتفاقية في ذكر مواصفات المبنى وما يلزم كل من الطرف الأول والطرف الثاني. وربما وضعوا شروط جزائية في آخر هذا العقد، وهذا يجوز بمقتضى ما دلت عليه عمومات الشريعة على ما أشير إليه في الشروط السابقة. ثم قال رحمه الله تعالى: «ومن ذلك الأرض لا بشطر ما يخرج منها». وهذا كذلك من معاني الإجارة الجائزة، أنه يجوز كراء الأرض بأجر معلومة لا بشيء يخرج منها، إذا كان هذا الشيء مجهول، لابد أن يقيد بهذا القيد. أما إذا كان هذا الشيء معلوم فهذا جائز، وقد عامل النبي صلى الله عليه وسلم أهل خيبر بشطري أي نصف ما يخرج منها، والحديث جاء في الصحيح في البخاري ومسلم من حديث ابن عمر وغيره. فهذا الحديث يدل على جواز إعمال الأرض بشيء يخرج منها بشرط أن يكون معلوما، مثل النصف، الثلث، الربع. أما أن يكون الشيء مجهول كأن يقول مثلا: «لك الجهة الغربية ولي الجهة الشرقية، لك المقدمة ولي المؤخرة»، هذا لا يجوز، لأن المقدمة قد تثمر والمؤخرة لا تثمر أو العكس. وهذا هو الجمع بين حديث رابع ابن خديج وبين حديث ابن عمر وغيره من الأحاديث الأخرى الواردة في هذا الباب. وأما ما أشار إليه في الشرح، وطبعا من باب أولى أنه يجوز بالأجرة بالمال. وأما ما أشار إليه في الشرح أن النبي صلى الله عليه وسلم نهاهم عن المخابرة وأمرهم أن من كان له أرض فليزرعها أو ليتركها لأخيه يحرثها أو يدعها، فهذا الحديث وأمثاله، وهو حديث صحيح جاء في صيح مسلم عن جابر بن عبد الله وغيره. هذا الحديث حمله العلماء أنه حث على الأفضل وقطع لمادة الخصومات، فالسنة يفسر بعضها بعضا، خصوصا وأن أول الحديث فيه «كنا نخابر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فنصيب من القصر»، هكذا روي بفتح القاف والراء، وروي «ونصيب من القصر» بكسر القاف والراء وتجديد الياء على وزن قبطي، وكلا اللفظين يدوران حول معنى فيه معنى الجهال والغرر. ففسر ذلك بالحب في السنبل، وفسر أنهم كانوا يخابرون أي يشارطون في العمل في المزارع على ما يكون في التمر وهي ما زالت في الشجرة، وهذا كله معنى من معاني الغرر الذي يحمل أنه لأجله نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا النوع من العقود، فإذا كان كذلك فهذا ممنوع. وأما إذا كان بالذهب والفضة أو بشيء معلوم مما يخرج من الأرض بالنسبة كالثلث والنصف ونحوه فهو جائز، بدليل حديث بن عمر في قصة أهل خيبر، فإنه شاطرهم، وكذلك في حديث سعد بن أبي وقاص نهاهم أن يكروا إلا بالذهب والفضة، فحمل النهي عن الإكراء الإكراء مع معنى الغرر والجهالة. وأما إذا لم يكن غرر ولا جهالة فهو جائز. نكتفي بهذا القدر ونترك الباقي إلى درس لاحق، وإلى هنا والله تعالى أعلم.