الدرس في كتاب الوكالة 1، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش تعريف الوكالة في اللغة والاصطلاح وأحكامها الشرعية، مشيرًا إلى أن الوكالة عقد جائز بين طرفين في ما تصح فيه النيابة. يُوضح الشروط التي تجوز فيها الوكالة وما لا يجوز فيها مستندًا إلى القرآن والسنة.
يتناول أحكام التوكيل في الفقه الإسلامي مستندًا إلى أحاديث نبوية، مشيرًا إلى جواز التوكيل في مختلف الأمور مثل البيوع والعبادات والنكاح. يُبين أن الزيادة التي يحصل عليها الوكيل تكون لصالح الموكل.
يتناول تفصيلًا لتصرفات الوكيل ومدى صحتها ومشروعيتها بحسب ما إذا كانت محققة للمصلحة أو متضمنة للضرر، مع الإشارة إلى أدلة من القرآن والسنة. يُفرق بين حالتين: تصرف الوكيل بإحسان أو تسببه في ضرر للموكل.
يتناول مسؤولية الوكيل في حالة وجود أجرة أو عدمها، حيث يُعتبر غير مسؤول إذا لم يتقاض أجرة ولم يكن هناك تفريط، بينما يكون مسؤولاً إذا تقاضى أجرة ولم يؤدي العمل بشكل متقن.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى: قال كتاب الوكالة: يجوز لجائز التصرف أن يوكل غيره في كل شيء ما لم يمنع منه مانع. وإذا باع الوكيل بزيادة على ما رسمه له موكله، كانت الزيادة للموكل. وإذا خالفه إلى ما هو أنفع أو إلى غيره ورضي به، صح. أورد رحمه الله تعالى هاهنا كتاب الوكالة، وأكثر أهل العلم يجعلون هذا الباب أو هذا الكتاب وما يأتي بعده من الكتب القريبة حقها في كتاب البيوع؛ لأنها من عقود المعاملات. ولكنه رحمه الله أورد هنا كما سلك ذلك بعض أهل العلم، لأجل تعلق هذه الكتب وما تتضمنه من مسائل بما هو مناسب لما بعده من مسائل الصلح والقضاء والخصومات وما يلحق ذلك من كتب تجعل في آخر هذه الكتب والأبواب، وسيأتي إن شاء الله الكلام عليها قريبًا. وكما تقدم كتاب الوكالة، أي هذا مكتوب يتعلق بأحكام الوكالة؛ فكتاب «فعال» ويأتي «فعال» بمعنى مفعول كثيرًا. ومعنى الوكالة في اللغة مأخوذ من التوكيل، أي الإنابة. وأما في اصطلاح أهل العلم وفيما دلت عليه عموم الأدلّة الشرعية، فهو معنى يدور حول عقد جائز بين طرفين في كل ما تصح النيابة فيه من حقوق الله، كالزكاة والكفارة، وحقوق الآدميين، كالعقود والفسوخ من العقود: النكاح والبيع والشراء، ومن الفسوخ: الطلاق والخلع ونحوه. وقوله رحمه الله فيما ابتدأ به مسائل هذا الكتاب: «يجوز لجائز التصرف أن يوكل غيره في كل شيء ما لم يمنع منه مانع»، وهذا كما دل عليه معنى الوكالة كما تقدم؛ فهو عقد جائز، فهو عقد جائز بين طرفين في كل ما تصح النيابة فيه. فمما لا يصح ولا تجوز الوكالة فيه: لا تصح النيابة ولا تجوز الوكالة فيه، وهو معنى قوله: «يمنع منه مانع»، ما تعلق فيه تعيين عين الإنسان وشخصه، سواء أكان في حق الله، مثل الصلاة لا يصح فيها النيابة ولا التوكيل، أو كان لحق الآدميين مما لا تصح فيه النيابة والتوكيل لتعيين هذا العمل بصاحبه، ولو كان في حق الآدميين كما قلنا، مثل القسم والمبيت بالنسبة للزوج؛ فهذا لا يصح فيه التوكيل، فهو يدخل وما كان بمعناه مما منع منه مانع؛ هذه الشرع لم يأذن بمثل هذا. ففي العبادات الأصل التوقيف، وفي المعاملات ما دلت الأدلة على المنع منه. وقوله: «جائز التصرف»، خرج به غير جائز التصرف، مثل المجنون والصبي غير المميز مما جرى العرف بأنه غير جائز التصرف، ومن كان بمعنى هؤلاء. وأما دليل هذا الجواز، فقد أشار إلى عدد من الأدلة في الشرح من الكتاب ومن السنة. فمن أدلة الكتاب قول الله عز وجل في سورة الكهف في قصة أصحاب الكهف: ﴿فابعثوا أحدكم بورقكم هذه﴾، وهذا نوع ومعنى من معاني التوكيل. ﴿وكلوه أن يشتري لهم رشده﴾، وهكذا قول الله عز وجل في قصة يوسف عليه الصلاة والسلام: ﴿اجعلني على خزائن الأرض﴾، وهذا معنى آخر من معاني التوكيل. والأحاديث الواردة في معنى الوكالة كثيرة جدًا، وقد أشار في الشرح إلى أن البخاري فقط أورد أكثر من ستة وعشرين حديثًا. ومما نص بالإشارة عليه حديث أبي هريرة في الصحيحين في قصة الأسيف -أي الأجير- وما وقع من زنا بامرأة الرجل العرابي، وفيه قصة، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «واغدوا يا أُنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها»، وهذا توكيل من النبي صلى الله عليه وسلم لأُنيس -رجل من أصحابه من الصحابة رضي الله عنه- أن يقوم بهذا الأمر. وهكذا كذلك من أحاديث الوكالة ما أشار إليه فيما جاء كذلك في البخاري في قصة الرجل الذي كانت له بكرة، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم -حديث برافع- فوكل النبي صلى الله عليه وسلم أبا رافع أن يقضيه -يعني من إبل الصدقة- فلم يجد إلا جملًا رباعًا خيارًا، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «اعطه، فإن خير الناس أحسنهم قضاء». ومما أشار إليه كذلك ما وقع لعلي رضي الله عنه فيما جاء كذلك في الصحيح في الحج؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم نحر البُدْن وأمر عليًا أن يكمل الباقي وأن يقسم لحمها وجلودها وجلالها -الحديث- فوكل علي رضي الله عنه بذلك. وهكذا كذلك أشار إلى حديث أبي هريرة -وهو في البخاري وغيره- في توكيله من النبي صلى الله عليه وسلم أن يحفظ زكاة الفطر حين جاءه إبليس على هيئة رجل فقير حينما قبض عليه مرات وهو يأخذ من مال الصدقة، فذكر له في الثالثة آية الكرسي، فقال: «صدقك، ووكذبك». وهكذا أشار إلى حديث عقبة بن عامر، ومر معنا وهو كذلك في الصحيح فيما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقسم لأصحابه من الضحايا، فوكل عقبة بذلك، وهو نوع من أنواع التوكيل. ومن ذلك ما أشار إليه في زواجه من ميمونة وتوكيل أبي رافع حين وكل أبا رافع ورجلًا من الأنصار بهذا الأمر. فإذا تأملنا هذه الأحاديث وجدنا أن الوكالة دخلت في أشياء كثيرة، وهو قوله رحمه الله: «أن يوكل غيره في كل شيء»، فيجوز التوكيل في البيوع، ويجوز التوكيل في العبادات، ويجوز التوكيل في النكاح ونحو ذلك مما يجوز أو يأذن الشرع لمثله بالتوكيل. والأحاديث في هذا الباب كثيرة، ومشروعية التوكيل دل عليها دليل الكتاب والسنة والإجماع. ثم ذكر رحمه الله فقال: «وإذا باع الوكيل بزيادة على ما رسمه له موكله، كانت الزيادة للموكل». وأشار في الشرح إلى حديث عروة البارقي رضي الله عنه -وفي البخاري وغيره- حين أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم دينارًا ليشتري له به شاة، فاشترى بالدينار شاتين وباع إحداهما بدينار، وجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم بشاة ودينار -يعني رجع دينار للنبي صلى الله عليه وسلم كما ذهب ومعه شاة- فسأله فأخبره بما صنع وما وقع له، فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم بالبركة في بيعه، فكان كما ذكر: لو اشترى التراب لربح فيه. والشاهد منه أنه رد دينارًا للنبي صلى الله عليه وسلم، وهو الزائد الذي أشار إليه. «وإذا باع الوكيل بزيادة على ما رسمه له موكله، كانت الزيادة للموكل؛ لأنه هو صاحب الحق». وهنا يأتي سؤال: هل هذا معناه أن يتصرف الوكيل فيما وكل به بأي تصرف بإذن أو بغير إذن؟ الجواب: الأصل أنه لا يتصرف إلا بإذن، ولكن ليس من شرط الإذن أن يكون لفظيًا؛ فالإذن قد يكون لفظيًا وقد يكون عرفيًا. وقد نص العلماء أن الإذن العرفي كالإذن اللفظي. ومما يدخل في معنى الإذن العرفي وأنه كالإذن اللفظي إذا كان على وجه الإحسان والمصلحة للموكل؛ فهذا مما جرى العرف بالإذن بمثله، مثل تصرف عروة البارقي رضي الله عنه أرضاه؛ فهنا أحسن، ومثل هذا الإحسان ولو لم يتلفظ النبي عليه الصلاة والسلام بالإذن فيه؛ فالعرف يأذن بمثله. ولهذا أتبع رحمه الله بمسألة أخرى فقال: «وإذا خالفه إلى ما هو أنفع أو إلى غيره ورضي به صح». وأشار بهذا إلى حديث معن بن يزيد حين تصدق أبوه يزيد رضي الله عنه بصدقة، فوكل رجلًا، فوقع في الصدقة في يد ابنه معن، فجاء به إلى أبيه فلم يرضَ بذلك، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، حين قال: «والله ما إياك أردت -يعني ما أردت أن تصدق عليك وأنت ابني- فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لك ما نويت يا يزيد -يعني الأب- ولك يا معن ما أخذت -يعني الابن-»؛ والمتصدق هو من الأب، والآخذ هو من الابن، لكن كان بواسطة الرجل الذي وكل. والشاهد أورد الشيخ رحمه الله -أو الشوكاني رحمه الله- هذا الحديث ليستدل به في الشرح على أن الموكل إذا تصرف تصرفًا فلا ينفذ إلا إذا رضي من وكله؛ فالموكل يتصرف ويمضي هذا التصرف سواء كان فيه منفعة وافق أو خالف بإذن الموكل. والصحيح في هذا التفصيل -لأن يدخل تحت هذا المعنى مسائل كثيرة- والصحيح في هذا التفصيل بما دلت عليه عمومات الأدلة: أنه إذا تصرف تصرفًا مما فيه كما تقدم معنى الإذن اللفظي أو العرفي وهو محسن؛ فليس عليه شيء ولا يبطل تصرفه لقول الله عز وجل: ﴿ما على المحسنين من سبيل﴾. وإذا تصرف تصرفًا فيه ما لا يكون معه الإذن من إلحاق الضرر بمن وكله؛ فهذا تحته معنيان اثنان: إما أن يكون هذا الضرر وقع مع العلم به؛ فهنا على الموكل الضمان؛ لأنه يكون بهذا اعتدى وتصرف في شيء ليس له فيه إذن لا لفظًا ولا عرفًا. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار»، وهذا من الضرر. وأما مثاله: أن يشتري شيئًا فيه عيب وهو يعلمه؛ يشتري الموكل لمن وكله شيئًا فيه عيب وهو يعلمه، يعلم أن هذا عيب ورآه ومع ذلك اشتراه؛ فهنا يقال: أنت تصرفت بشيء لا يؤذن بمثله؛ فهو لم يأذن لك أن تشتري شيئًا معيبًا، والعرف لا يأذن لك أن تشتري بمثله، وهذا فيه ضرر؛ فهنا أنت تضمن «لا ضرر ولا ضرار»، وهو نوع من التعدي والتفريط في هذه الأمانة. وأما إذا كان الضرر وقع بغير علمه، كأن يكون وقع في البيع مثلًا شيء من الغش، وقع في البيع شيء من الغش وهو لا يعلم به؛ فهنا ما دام محسنا فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ما على المحسنين من سبيل﴾؛ فهنا إن استطاع أن يرده لمن اشتراه منه رده؛ الشرع يأمر بذلك «من غش فليس منا» وغيره من الأدلة الكثيرة التي تدل على أن مثل هذا العيب وما كان بمعناه يرجع به إلى صاحبه. فإن لم يستطع الرجوع إلى صاحبه البائع -إما لذهابه أو أنه لم يجده أو غير ذلك- فهنا الصحيح أنه لا ضمان عليه؛ لأنه محسن، وما على المحسنين من سبيل. وهذا الغش قد يقع حتى على الموكل، فما دام كذلك فنعم. وهل يفرق بين ما إذا كان هذا الغش وقع بسبب تفريط أو بغير تفريط؟ الجواب: نعم يفرق. وجعل العلماء هناك فرق ما إذا كان هذا الموكل وكل وكيله بجعل وأجرة أو وكله بغير جعل ولا أجرة؛ فإن وكله بغير جعل ولا أجرة وكان هذا الضرر حصل بما يشك أن فيه شيء من التفريط مع عدم الجزم؛ فلا يلحق الضرر لعموم قوله سبحانه: ﴿ما على المحسنين من سبيل﴾. وأما إذا كان بجعل وأجرة؛ فإنه يلحقه الضمان؛ لأجل أنه أعطي أجرة، فكان عليه في مقابل هذه الأجرة أن يتقن عمله، أن يتقن عمله، وهو لم يتقن عمله. وكما نرى المؤلف رحمه الله ذكر أهم ما يذكر من مسائل على وجه الاختصار بما يناسب هذا الكتاب في اختصاره، وإلا فمسائل كتاب الوكالة كثيرة في كتب الفقه التي هي أبسط وأطول من هذا. وإلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبيه محمد وآله وصحبه.