كتاب الإجارة  5

كتاب الإجارة 5

الدرس في كتاب الإجارة 5، تابع باب الإحياء والإقطاع . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أحكام الإحياء والإقطاع للأراضي الموات

تناول المقطع أحكام الإحياء والإقطاع للأراضي الموات، موضحًا أحقيتها لمن يحييها وجواز الإقطاع من قبل الإمام. كما ناقش عدم جواز إحياء أرض تعلقت بها مصالح عامة.

حرمة الأراضي والطرق والممتلكات وحدودها الشرعية

ناقش المقطع حرمة الأراضي والطرق والممتلكات استنادًا إلى النصوص الشرعية والأحاديث النبوية وآثار الصحابة. تم التأكيد على أهمية هذه الحرمة لضمان عدم الإضرار بالآخرين.

تفاصيل أحكام إحياء الأرض والانتفاع بالمعادن والمياه

شرح المقطع أحكام إحياء الأرض والانتفاع بالمعادن والمياه، مع التركيز على الشروط والضوابط لتجنب الضرر والاعتداء على حقوق الناس. تم التأكيد على أهمية مراعاة مصالح الناس.

ختام الباب وتأكيد العلم الإلهي

تم ختام الباب بعد مناقشة موضوعاته، مع التأكيد على أن الله تعالى أعلم بكل شيء. لم يكن هناك تعقيب أو إضافة أخرى على الموضوع المطروح.

  • 27 جمادى الآخرة 1431هـ - 09/06/2010مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة، فيما سبق فيما ذكره المؤلف -رحمه الله- من باب الإحياء والإقطاع. قال -رحمه الله تعالى-: من سبق إلى إحياء أرض لم يسبق إليها غيره، فهو أحق بها، وتكون ملكًا له. ومر معنا في هذا الباب شيئًا من المسائل، وما أشار إليه من الأدلة إلى مسألة إحياء الأرض الموات، وعلمنا ما هي الأرض الموات. وهكذا كذلك ما أشار إليه: «ويجوز للإمام أن يقطع من في إقطاع مصلحة شيئًا من الأرض الميتة أو الميتة». وهاتان مسألتان مرتبطتان ببعضهما البعض؛ لأن الإقطاع يكون من الأرض كذلك الداثرة. فلما كان الإقطاع من الأرض الداثرة صار يلحق حكمه بحكم إحياء الأرض الموات، من جهتي: أن من أقطع أرضًا فهو أحق بها، ولا يملكها حتى يحييها. فالإقطاع بمعنى الإحياء، يعني حكمها حكم إحياء الأرض الموات. إلا أن الأرض الموات بالنسبة لمن سبق إليها فأحياها فهي له، ومن سبق إليها ولم يحيها فهو أولى بها من غيره، فيعطى مهلة، إن أحياها وإلا رجعت لغيره. وهكذا الإقطاع، من أقطع أرضًا على من تقدم ممن يستحقون هذا الإقطاع باجتهاد الإمام أو من يوكله وينيبه، فهو أحق بهذه الأرض من غيره؛ لأنها أقطعت له، لكنه لا يملكها حتى يحييها. فإذا أحياها فهو المالك لها. «من أحيا أرضًا مواتًا فهي له»، فإذا لم يحيها يمهل المدة بحسب العرف والمصلحة، إما أن يحييها وإما أن تنتزع منه وتعطى لغيره. ولهذا ذكر العلماء حكم الإقطاع مع باب الإحياء. إلا أن الإقطاع يختلف عن الإحياء؛ أنه يكون من الإمام. وأشار إلى بعض الأحاديث التي فيها مشروعية الإقطاع، وبعضها صحيح كحديث «أسماء» في الصحيحين في الأرض التي أقطع النبي -صلى الله عليه وسلم- الزبير. وهكذا كذلك بعضها خارج الصحيح، وهي منها ما هو حسن، ومنها ما هو يحتمل الحسن معناه أو أصله صحيح. وأشار إلى بعض تلك الأحاديث، وأشار المخرج إليها، فمنها ما فيه ضعف، ومنها كذلك يشتد ضعفه فيرتقي إلى الحسن، كحديث «وائل بن حجر» أقطعه النبي -صلى الله عليه وسلم- أرضًا بحضرموت. ومن مسائل الإحياء أنه إذا استبق اثنان في أرض، قلنا: من سبق إلى أرض ليست لأحد فهو أولى بها من غيره، فإن أحياها فهي له، وإن لم يحيها يعطى مهلة ومدة، وإلا رجعت لغيره، وجاز انتزاعها منه؛ لأن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: «من أحيا أرضًا ميتة فهي له». مفهومه: إذا لم يحيها فليست له، ويجوز أن تنتزع منه. فإذا استبق اثنان فماذا يصنع بهما؟ قال العلماء: يقرع بينهما. يقرع بينهما اثنان استبقيا على أرض، كل منهما يريد أن يأخذ هذه الأرض، فيعمل بينهما قرعة عملًا بعمومات الأدلة في القرعة في مثل هذه المقامات. وهكذا من مسائل الإحياء والإقطاع التي نبه عليها العلماء: أنه لا يجوز إحياء أرض تعلقت بها مصلحة من المصالح العامة. فلا يجوز إحياء أرض فيها مصلحة الماء أو الكلأ أو كذلك الحطب؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «الناس شركاء في ثلاث». فأرض كانت على مسيل الماء أو عليها بئر وعين ينتفع منها الناس، أو كذلك فيها محل رعي واحتطاب الناس، فلا يجوز أن يؤخذ ذلك على الناس. بل حتى الإمام، قال العلماء: لا يجوز له أن يقتطع ما يضر الناس؛ لعموم قوله -عليه الصلاة والسلام-: «لا ضرر ولا ضرار». وإذا تعلقت به مصالح فهو أشد، خصوصًا هذه الثلاث؛ لقوله -عليه الصلاة والسلام-: «الناس شركاء في ثلاث». بل حتى نص العلماء: أن المصالح ولو كانت بغير هذه، إذا كان فيه مصلحة للناس فلا يجوز. فما كان مثلًا محل مقبرة، لا يجوز أن يعتدى عليها. بل نص العلماء: أنه حتى ولو كان مكنسة -يعني محل زبالة القرية- مثلًا، لا يجوز أن يعتدى على هذا المكان. لا يقول قائل: هذا محل زبالة، طيب محل الزبالة فيه منفعة للناس، أين يرمون الناس ما عندهم من زبالات؟ إذا اعتديت أنت على هذا المكان أدخلت الضرر عليهم. فلهذا نص العلماء على مثل ذلك. وهكذا كذلك من باب أولى إذا كانت فيه حقوق خاصة، فلا يجوز إحياء أرض تتعلق بها الحقوق الخاصة فيضر بها. ولهذا نص العلماء في هذا الباب إلى ذكر ما نص الشرع أن له حرمة. فمثلًا البئر له حرمة، صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في مسند الإمام أحمد، من حديث أبي هريرة: أنه جعل -عليه الصلاة والسلام- حريم البئر أربعين ذراعًا. وما حولها -يعني للبئر حرمة- حرمته أربعون ذراع، فلا يأتي إنسان ويقول: مثلًا بئر فلان التي يملكها عشرة أذرع، عشرة أذرع، وما بعد العشرة أذرع هي أرض موات دافرة، أنا سأحييها وأحفر فيها بئر. فيقال له: لا؛ لأن صاحب البئر الأول الشرع جعل له حرمة، حرمة بئره أربعون ذراعًا، لا يجوز لك أن تحفر بئر تضر به إلا بعد خمسين ذراع. فما بعد خمسين ذراع جاز لك أن تحفر. وهذا الحديث روي من أوجه عن أبي هريرة وعبد الله بن المغفل، وجاءت فيه روايات مراسيل، وهو حديث حسن بمجموع طرقه. قال فيه النبي -عليه الصلاة والسلام-: «حريم البئر أربعون ذراعًا من حولها كلها لأعطان الإبل والغنم وابن السبيل وأول شارب، ولا يمنع فضل ماء ليمنع به الكلأ». الحديث -عنه عليه الصلاة والسلام-. وجاء مرسلًا عن سعيد المسيب: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «من السنة أن يكون حريم البئر البدي خمسة وعشرين ذراعًا، وحريم البئر العادي خمسون ذراعًا». ومعنى أن البئر الجديد الذي حفر حرمته خمسة وعشرون ذراعًا، والقديم ضعف ذلك، خمسون ذراعًا. وهذا المرسل عن سعيد المسيب صحيح. وبعض أهل العلم -كما مر معنا في دروس سابقة- يرى مراسيل سعيد صحيحة ولها حكم ولها حكم الرفع؛ لأنه لا يروي إلا عن الصحابة. ورويت فيه روايات مرفوعة، أشار إليها الدارقطني -رحمه الله- ورجح المرسل عن سعيد الذي رواه أبو عبيد في كتابه الأموال بإسناد صحيح. فهذا الأثر أو المرسل، مع حديث أبي هريرة، مع مراسيل مع أسانيد أخرى تؤيد هذا الحكم لهذه المسألة. فلهذا لا يجوز الإقطاع، ولا يجوز إحياء أرض موات في حدود حرمة ما هو ملك لإنسان آخر، ولو كان ملك هذا الإنسان دون هذه الحرمة، فإن له حرمة. وهكذا نص العلماء: أنه لا يجوز الإحياء، ولا يجوز الإقطاع بما فيه إضرار بالآخرين في حرمة الطريق. فقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- فيما جاء عند النسائي والترمذي وابن ماجة بإسناد حسن عن أبي هريرة -رضي الله عنه- وأصله في صحيح مسلم: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إذا تدارأتم في الطريق فاجعلوه سبعة أذرع». قال العلماء: وفي هذا دليل أن حرمة الطريق سبعة أذرع. يعني لا يجوز لأحد أن يأخذ أرضًا مواتًا، كما لا يجوز لولي الأمر أن يعطي إقطاع بما فيه المضايقة على من يملك أرض بأقل من سبعة أذرع -يعني بينه وبين الأرض الأخرى-. أما إذا كانت الأرض كلها إقطاع، يجوز ابتداء بتراضي من الجميع أن تلغى بعض تلك الطرق للمصلحة. بخلاف ما إذا كان قد سبق المالك من قبل. انتبه لهذا. فإذا وجد مالك لأرض، فلا يجوز الاعتداء عليه، ويقال: أنت حدودك إلى حد الجدار فقط، ما بعد الجدار ليس لك. لا، هذا ليس بصحيح. ولو كان يملك إلى الجدار، إلا أن الشرع جعل له حرمة، وهي سبعة أذرع الطريق. سبعة أذرع الطريق. وهذا مع ما فيه موافقة السنة، ففيه كذلك شيء من دلائل نبوته وصدق رسالته -عليه الصلاة والسلام- وكمال هذه الشريعة؛ إذ مثل هذا الحكم تكون به مصالح الناس، وتنتفي به المضار. فالناس ينتفعون بهذه المتنفسات، خصوصًا في البلاد الحارة. وهكذا كذلك يكون به الانتفاع في وقت الضرورات. فالبيوت العشوائية التي ليس لها حرمة طرق بين بعضها البعض، تحصل فيه مفاسد كثيرة. لو حصل حريق، ما استطاعوا أن يطفئوا البيت الذي يحترق. لكن إذا عمل بالسنة، وجعل المتنفس، وجعل كذلك الحدود والحرمة، حصلت بهذا المصالح الكثيرة للناس. ومن ذلك كذلك أن السنة كذلك جعلت للأشجار حرمة. فقد صح في حديث أبي سعيد -رضي الله عنه- في قوم اختصموا في حرمة نخلة، فقضي فيها بأن حرمتها بطول أغصانها. حرمتها بطول أغصانها. إن كانت الشجرة طويلة فحرمتها بمنتهى ما يصل إليه الغصن، وإن كانت الشجرة قصيرة فالحرمة بحسب ذلك. وانظر إلى هذه الشريعة الحكيمة التي جاءت وعمت تفاصيلها في مثل هذه القضايا التي يكون بها حل النزاع. ولو نظرت إلى القوانين الوضعية لوجدت فيها اختلاف يجعل الناس تنازعون ويتخاصمون. لكن من فضل الله -عز وجل- على أهل هذا الدين أن جعل لهم مثل هذه الأحكام الدقيقة والتفاصيل في هذه الشريعة، ما يكون به حل الخصومات والنزاعات بين الناس. ثم قال -رحمه الله تعالى-: «أو المعادن أو المياه». يعني كذلك الانتفاع بالمعادن والمياه، فهو يلحق بالانتفاع بالإقطاع، وبما كذلك يكون من إحياء الأرض. وفي هذه المسألة اختلاف. والصحيح: أن ما كان من المعادن يخرج بكلفة وبجهد الإنسان، فهو يلحق بالأرض. وما كان ليس كذلك، فهو على نوعين: نوع له مالك، فيرجع إلى مالكه كالكنز. وما كان بمعنى ونوع ليس له مالك، فإنه إن كان مما يشترك فيه الناس، فيجب أن يبقى مصلحة للجميع؛ لعموم قوله -عليه الصلاة والسلام-: «الناس شركاء في ثلاث». فلا يجوز لإنسان -كما قلنا- يحيي أرضًا أو حتى لولي أمر أن يقطع أرضًا بما فيه الإضرار بالناس وتعطيل مصالحهم. حتى نص العلماء: المكنسة، فكيف بالماء؟ الماء من باب أولى. إلا أرض فيها مياه كثيرة، بعض الأراضي فيها مياه كثيرة، عيون وأنهار وغيول. فمثل هذه الأراضي التي يكثر فيها المياه، فيشق أن يكون الإقطاع والإحياء في أرض ليس فيها ماء. فهنا الأمر سهل. فما جاء من أرض فيها ماء، امتلكها تبعًا لامتلاك الأرض إذا أحيى الأرض. ومع ذلك لا يمنع الناس من فضل الماء، لا يجوز له أن يمنع الناس من فضل الماء. لكن إذا كانت الأرض ليس فيها إلا عين واحدة، فلا يقول قائل: أنا أحييت هذه الأرض، فالعين لي، تبع لإحياء الأرض؛ لأنه بهذا يتصلط الأغنياء على الفقراء. يأتي الغني فيأتي إلى العين في وسط الجبال، ويبني حولها البناء، ويقول: من أحيا أرضًا مواتًا فهي له. يقول: نعم، من أحيا أرضًا مواتًا فهي له، بشرط لا ضرر ولا ضرار، وبشرط الناس شركاء في ثلاثة. فلا يجوز لك أن تعتدي على حقوق الناس، الناس يحتاجون لهذه الماء، وهذا مما أمر الإسلام بالاشتراك فيه، فلا يجوز لك الاعتداء عليه. حتى لو قال قائل: أنا عندي صك من ولي الأمر بأن أمتلك هذه الأرض، وقد أعمرتها وأحييتها، فهي لي بنص الشرع وبإذن ولي الأمر. فيقال: نعم، هي لك، لكن بشرط لا ضرر ولا ضرار، وأنت بهذا تضر بالناس. فقوله -رحمه الله- «أو المعادن أو المياه» ليس على إطلاقه، ولكن المعادن المياه الذي لا يكون فيها إضرار بالناس، ولا مما يشترك فيه الناس. وما يخرج بكلفة، فما كان فيه ضرار بالناس، أو ما كان الناس فيه شركاء، أو ما كان له مالك، أو مما تعرف أنه من الأملاك العامة، فمثل هذا لا يمتلك. فمثلًا قلنا: الكنز قد يكون له مالك، إلى علم أن أرضًا مثلًا معينة فيها بقايا لبعض بيوت قبيلة معينة، وهي داثرة في الوقت الحاضر، فأقطعت. فإذا وجد فيها كنز، الأصل أن الكنز لمن لأهل هذه البيوت. وهكذا كذلك خصوصًا إذا كان ليس بكنز الجاهلية. وهكذا ما سبق مما فيه مصالح للناس، حتى ولو كانت مكنسة ومزبلة، لا يجوز الاعتداء عليها. ومن باب أولى المياه والمعادن التي يشترك فيها الناس. يعني بعض الحديد يكون ظاهر على سطح الجبل، فمثل هذا مما ينتفع به كل الناس، فليس لأحد أن يتحايل على الناس بماله، فيبني البناء حول ما فيه الحديد مثلًا، ويقول: من أحيا أرضًا مواتًا فهي له. يقال له: بشرط أن لا تضر بالناس، وأن لا تحجر ما جعله الله رزقًا لكل الناس. وهكذا كذلك ما كان بالعرف أنه من الأملاك العامة -يعني يرجع لبيت المال- مثل: بعض المعادن المعاصرة كالنفط والغاز ونحوه، فهذا ليس ملك بالإقطاع، ولا بإحياء الأرض الموات، بل هذا ملك للدولة، يرجع لبيت مال الدولة. وبهذا نكون قد انتهينا مما يتعلق بهذا الباب. هل هناك شيء في هذا؟ إلى هنا والله تعالى أعلم.