كتاب الإجارة  2

كتاب الإجارة 2

الدرس في كتاب الإجارة 2، تابع كتاب الإجارة . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

حكم أخذ الأجرة على الأذان والإمامة وتعليم القرآن

يناقش حكم أخذ الأجرة على الأذان والإمامة وتعليم القرآن، ويستدل بحديث النبي صلى الله عليه وسلم لعثمان بن أبي العاص، ويفرق بين الإجارة والجعالة.

الخلاف بين العلماء في أخذ الأجرة على الطاعات

يبين الخلاف بين العلماء في أخذ الأجرة على الطاعات والقربات مثل التعليم والأذان، ويرجح الأخذ عند الحاجة، ويشير إلى أهمية مراعاة المصالح والمفاسد في الفتوى.

الجمع بين الأحاديث المختلفة في الباب

يتم الجمع بين الأحاديث المختلفة في الباب الواحد، مثل حديث عمران وغيره، مع ما ورد من جواز بنحو هذا الجمع، ويتم الفتوى بهذا القدر.

  • 27 جمادى الآخرة 1431هـ - 09/06/2010مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فتتمة لما سبق من المسائل التي ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الفصل والموضع من كتاب البيوع، والذي جعله في أحكام الإجارة، فجعل له هذا العنوان كتاب الإجارة. قال رحمه الله تعالى: وهجرة المؤذن كذلك مما لا ينبغي أن تتخذ فيه الأجرة. أجرة المؤذن ومر معنا في معنى الإجارة جعل مال معلوم لمن يعمل له عملا معلوما أو على منفعة في الذمة. وعلمنا أن الإجارة تنقسم إلى قسمين: قسم في الأمر المعلوم، إما بالزمن كالساعة واليوم والشهر أو السنة، وإما بالعمل، وهو كذلك بحسب العرف قد يكون بالمتر وقد يكون كذلك بالعدد ونحو ذلك مما جرى به عرف الناس في الأعمال. ونوع آخر يكون بالذمة، فهو لا يحدد فيه زمن ولا يحدد فيه عدد، ولكن يحدد فيه عمل يتعلق بذمة العامل كأهل الصناعات. فأنت تتفق منه على أجر معلوم في ذمته، مثلا أن تستأجر إنسانا في عمل دولاب أو نحو ذلك من أنواع الأعمال التي تكون في الذمة. وعلمنا بما سبق أن للإجارة شروطا، فمن شروطها أن تكون في المنافع المباحة، فلا تكون في المحرمة والممنوعة. وهو يشير بهذه البيوع التي ثبت النهي فيها أنها تدخل في الممنوع، ومنها أجرة المؤذن. وأشار بالشرح إلى حديث عباد بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعثمان بن أبي العاص: «واتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرا». والحديث صحيح كما أشار إليه بالشرح وله طرق. وكذلك أشار في التعليق إلى تصحيح إسناد بهذا الحديث. فهذا الحديث فيه النهي عن اتخاذ المؤذن الذي يأخذ أجرا. وهل هذا معنى أنه يجب أن يتخذ مؤذن لا يأخذ أجرا ولو كان بغير مشارطة، وأنه يحرم أن يعطى مؤذن أجرا ولو كان سيؤدي إلى تعطيل الأذان؟ الجواب: لا. ولكن الصحيح من أقوال أهل العلم أن معنى هذا الحديث وما جاء بمعناه من أحاديث أخرى هو النهي عن المشارطة في القربات، سواء الأذان أو غيره من أنواع القربات. ولهذا قال العلماء: أخذ الأجرة في القربات هو من الجعل وليس من الإجارة. ومر معنا قريبا أن من الفروق بين باب الجعالة والإجارة أن الجعالة أوسع من الإجارة، فهي تجوز في القربات وتجوز في غيرها، بخلاف الإجارة لا تجوز في القربات. وهكذا كذلك الجعالة تجوز في عمل معلوم وتجوز في عمل غير معلوم، بخلاف الإجارة فإنها لا تجوز إلا في العمل المعلوم، لأنه إذا كان غير معلوم صار غررا وجهالة، وهذا لا يجوز في باب البيع. ومما يدل على جوازه في القربات ما أذن النبي صلى الله عليه وسلم في أخذ الأجرة في القرآن. وسيأتي إن شاء الله في قصة اللديغ، قال عليه الصلاة والسلام: «إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله». وهنا قال: «واتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرا». وهكذا سيأتي معنا حديث النهي عن أخذ الأجرة في القرآن فيمن علم، وأنه قال: «قوسا من نار»، فرد القوس. فكما مر معنا أن ما ورد من أدلة ظاهرها التعارض ينبغي أن يسلك فيها مسلك الجمع إذا أمكن الجمع، فإذا لم يمكن الجمع واضطر الناظر فيها إلى الترجيح سلك مسلك الترجيح. وهنا يمكن الجمع. ومن أوجه الجمع ما ذكره العلماء من التفريق بين باب القربات وغيره، أن باب القربات لا يجوز فيه الإجارة وتجوز فيه الجعالة، وفرق بين الأمرين. لأن باب الإجارة قد يكون فيه انتقاص لهذه القربات والطاعات وذهاب المقصد الشرعي التي لأجلها شرعت. وأما باب الجعالة ليس كذلك، لأنه إعانة على أداء القربات. فالناس لهم أعمال ومصالح، فإذا لم يعن من يقوم بهذه الأعمال ربما أدى ذلك إلى تعطيل هذه القربات. وأول ذلك كما ذكر أهل العلم في إمرة أبي بكر رضي الله عنه. فإن أبا بكر رضي الله عنه أول ما أخذ الخلافة استمر في تكسبه ليتعيش ويتعيش أهل أبي بكر. فأشار عليه عمر رضي الله عنه -وأصل القصة في صحيح البخاري وغيره- أن يجعل له من بيت المال نفقة تغنيه عن تعيشه، فإن المسلمين يحتاجون لأبي بكر أعظم من تفرغه للتعيش. فأبى أبو بكر رضي الله عنه في أول الأمر حتى راجعه عمر وكرر عليه المراجعة، فشرح الله صدر أبي بكر لرأي عمر رضي الله عنه. وكانت سنة الخلفاء الراشدين التي هي من سنة النبي صلى الله عليه وسلم أن يعانى الخليفة من بيت المال ما يغنيه عن التعيش لأهله. وهذا من العبادات والقربات والطاعة. وهكذا كذلك سائر الأبواب الأخرى، فمساجد المسلمين تحتاج لمؤذنين وتحتاج لأئمة وتحتاج كذلك إلى من يقوم بها بأنواع وصنوف الأعمال. فهل تغطى هذه على وجه الاحتساب؟ الجواب: إن وجد هذا فهذا حسن. فإذا لم يوجد، فهل تعطى للمساجد عن الأذان والإمامة عن الأئمة بسبب أن الإسلام يفرض على الناس أن يكون هذا على وجه الاحتساب؟ هذا لا شك أن فيه إضرارا بهذه الطاعات وربما تعطيل لشعائر الإسلام. ولهذا كان قول جمهور أهل العلم جواز أخذ الأجرة على القربات عند الحاجة. وهذا ما بوب عليه الإمام في كتبهم. وهكذا نص عليه العلماء في كتب الفقه والتفسير والحديث وشروح الحديث وغير ذلك. فقد بوب الخطيب البغدادي رحمه الله في كتابه الكفاية بابا فقال: «باب كراهة أخذ الأجرة في التحديث»، ثم أتبعه بباب آخر فقال: «باب ذكر بعض الأخبار عن من كان يأخذ العوض على التحديث»، ثم ذكر بعض الأخبار المروية عن الأئمة فيمن كان يجيز بقوله وفعله أخذ الأجر على التحديث. وبهذا يتبين أنه كان يرى التفصيل في هذه المسألة، وليس الإطلاق بالمنع أو الإطلاق بالجواز. وهذا هو الصواب. وهكذا كذلك ابن قدامة رحمه الله ذكر في المغني عن عدد من الأئمة فيمن رخص في أخذ أجور المعلمين وغيرهم، وذكر هذا عن أبي قلابة وأبي ثور وجماعة. وهكذا ابن المندر والقرطبي كذلك ذكر الخلاف في المسألة، ثم ذكر أن قول أكثر أهل العلم منهم مالك والشافعي وأحمد القول بجواز أخذ الأجرة على القربات والطاعات، ومنه التعليم. وهكذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مواضع من كتبه أشار إلى الخلاف في هذه المسألة، وبيّن رحمه الله أن القول العدل في ذلك مذهب الإمام أحمد ومن وافقه من الأئمة في جواز ذلك عند الحاجة، أي أخذ الأجرة عند الحاجة. والأفضل والأكمل لا شك ترك أخذ الأجرة لمن استطاع أن يحتسب. وقد روي عن الإمام أحمد رحمه الله أنه كان يقول: «أجرة التعليم خير من جوائز السلطان، وجوائز السلطان خير من عطايا أو قال: صلة الإخوان». ويريد بذلك رحمه الله أن أجرة التعليم ليس فيها منة من أحد، لا أحد يمن عليك بها. وجوائز السلطان أي ما يأتي من جهة السلطان قد تكون فيه منة عليك، وقد يكون فيها كذلك سبب للتنازل عن بعض الحق. وجوائز السلطان خير من صلة الإخوان لأن صلة الإخوان أكثر منه، بخلاف جوائز السلطان، السلطان بعيد، وهذا من الواجبات عليه أن ينفق على العلماء كما ينفق على المدرسين وينفق على الأئمة وينفق على غيرهم من بيت المال. فلهذا هو خير من صلة الإخوان. وبهذا يشير رحمه الله إلى أن حامل العلم والمؤدي للقربة والطاعة إذا احتاج للأجرة أو كانت الأجرة سببا للقيام بهذا الفرض والواجب، فهنا تأخذ الأجرة. وهب أن المسألة مثلا وهي على ثلاثة أقوال كما مر معنا، وأشار إلى ذلك عدد من أهل العلم، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية: منهم من قال بالمنع، ومنهم من قال بالجواز مطلقا، ومنهم من قال بالتفصيل. هب أنك يا طالب العلم ممن يقول بالمنع مطلقا، تأتي هنا عندك مسألة أخرى وهي أن هذه المسألة مسألة خلافية. وإن كنت تقول بالمنع، فغيرك من أهل العلم منهم من يقول بالجواز، ومنهم من يقول بماذا؟ بالتفصيل. فإذا عارض قولك هذا مفسدة متحققة، فالقواعد الشرعية تدفعك إلى الذهاب إلى القول المرجوح دفعا لما هو أعظم مفسدة، تكون به تعطيل شرائع الدين. وهذا من الفقه الذي ينبغي أن يتنبه له طالب العلم. ليس كل مسألة أنت تقول بها معناه أنك تفرضها على الناس وتلزم الناس بها، لا راعي في هذا المصالح والمفاسد. فإن الدين يأمرك بذلك. فأنت لا تتغافل ولا تتجاهل قول غيرك من العلماء. فمثلا أنت نصب داعي إلى الله في مجتمع من المجتمعات تمثلت أهل السنة. فجاء من يسألك في حكم هذه المسألة. عندهم مساجد تحتاج إلى مؤذنين، تحتاج إلى أئمة، تحتاج إلى معلم قرآن ومدرسين للعلم الشرعي. وهؤلاء جميعا لا يمكن في ذاك المجتمع الذي أنت فيه أن يحتسبوا هذه الأعمال، لأنهم أرباب أسر وأصحاب حياة ضعيفة، وفي فقر وفاقة. فهم يحتاجون إلى من يعينهم بأجرة، وإلا ذهبوا فتعيشوا لأنفسهم بالمال الحلال بكدي وجهدي أحدهم. ولكن معناه تعطيل تلك المساجد، تعطيل تلك المساجد عن إمامة أهل الكفاءة، وتعطيلها عن معلمي القرآن ومعلمي كذلك العلم الشرعي، وتعطيلها عن المؤذنين أهل الكفاءة. كحال بعض البلاد الفقيرة تجد المؤذن شيخ كبير، لأن ما أحد ينفق على هذه المساجد. والإمام شيخ كبير لأنه ما يستطيع العمل ولا نفقة. والمساجد خاوية لا علم ولا قرآن ولا شيء. وربما يوجد طلاب من طلاب الجامعات كالجامعة الإسلامية، لكن ما أحد ينفق عليهم حتى يتفرغ للناس للتعليم. فتجد طالبا في الجامعة الإسلامية عاملا في مزرعة، وآخر حافظا للقرآن ولكنه ربما تجده يعمل بالأجرة في المدينة يتعرض للفتن والمحن. بينما ممكن أن يفرغ هؤلاء بأجرة فينصبون لما يكون به نصرة الإسلام والمسلمين في هذه الثغرات. فأنت إذا جئت لمثل هذا المجتمع، هل تفتي بقولك الذي هو أحد هذه الأقوال الثلاثة؟ وأنت ترى المساجد عطلت، وحلقات القرآن قد عدمت. وأنت تعلم أن قيام مثل هذا يعني أخذ هؤلاء أجرة، وإلا ذهبوا يتعيشوا لأنفسهم لأنهم عندهم أسر وعندهم أبناء وعندهم أطفال. فهنا ينبغي لمثل هذا الداعي إلى الله أن يراعي قضية مراعاة المصالح والمفاسد. فربما أفتى هؤلاء بالقول المرجوح نقلا عن غيره من أهل العلم، طمعا لدرء مفسدة أكبر، ولتحقيق مصلحة أعظم. وغير ذلك كثير مما هو في مثل هذا المقام. فإذا كان كذلك، فمن باب أولى إذا كان قول القائل بالترجيح بالقول الذي هو وصب، وهو القول الراجح والله أعلم في التفصيل في هذه المسألة. فإذن قول المؤلف رحمه الله: «وأجرة المؤذن» ليس على إطلاقه. الصحيح أن أجرة المؤذن لا تجوز إذا كانت بالمشارطة والإجارة. لا يجوز أن تأتي بمؤذن فيشارط، يقول: كم ستعطونا؟ فمثل هذه المشارطة لا تكون في الطاعات والقربات. لكن يجوز أن تقول لمؤذن: نحن سنحتاج للمؤذن، ونعطيه ما تيسر. أو أنه يتخذ له مهنة أخرى، فإن تيسر أعطيه. ولو حدد هذا العطاء لأجل أن يعان، فهذا لا شك أنه أكمل وأفضل. وقوله رحمه الله: «وقفيز الطحان»، المراد به أولا دليله ما أشار إليه بالشرح من حديث أبي سعيد في نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن قفيز الطحان. أخرجه الدارقطني والبيهقي، وفيه كلام، وله طرق حسنها به بعضها للعلماء، منهم المعاصرون العلامة الألباني رحمه الله، وقبله عدد من أهل العلم. وهذا الحديث قرن في بعض ألفاظه بالنهي عن عسب الفحل، فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن عسب الفحل وقفيز الطحان. وبهذا الاقتران فهم أن المقصود هو وجود معنى الغرر والجهالة. لأن اتخاذ الأجر في عسب الفحل كما مر معنا فيه مفاسد كثيرة. ومن مفاسده أنه عقد على شيء فيه جهالة وغرر، قد لا تلقح هذه الشاة أو هذه الناقة أو البقرة. فأنت تدفع أجرة ثم بعد ذلك لا يحصل التلقيح ولا يقع الحمل، فتقع بهذا خصومات بين الناس. ومر معنا أن من شروط الإجارة البعد عن كل ما يدعو إلى الخصومات، ومنه عقود الغرر والجهالة. وما أكثر الأشياء المحرمة التي حرمت لأجل هذا. ومنه عسب الفحل وقفيز الطحان. وقفيز الطحان فسر بتفاسير كثيرة، أقربها وأشهرها أنه كما قال الشارح بشرحه: أن يطحن الطعام بجزء منه -عندكم بالياء، وصوابه بالباء- بجزء منه. يعني أن يأتي بالطعام ويقول: أطحن لك هذا الطعام بقفيز. والقفيز نوع من الكيل. وهذا فيه جهالة وغرر، لأنه قد يكون كثيرا وقد يكون قليلا. فلأجل هذا جاء النهي في هذا الحديث على القول بصحته عن هذا النوع من الإجارة. لكن الصواب أن يقول مثلا: الكيلو بكذا وكذا، الصاع بكذا وكذا، يكون بشيء معلوم. أما أن يكون بشيء مجهول هذا لا يجوز. ومنه لو قال مثلا: الزيت ب لتر، أنا آخذ في كل طحنة لتر. طيب اللتر هذا في كم في كيس في نص كيس في قليل في كثير؟ يقول: أنا كل طحنة آخذ عليه هكذا، هذا لا يجوز لأن فيه معنى من معاني الغرر. فقفيز الطحان المقصود به هو ما يأخذه الطحان من أجره، فيه معنى الغرر والجهالة. قال رحمه الله تعالى: «ويجوز الاستئجار على تلاوة القرآن لا على تعليمه». وهذا تفصيل من المؤلف رحمه الله جمعا بين الأدلة الواردة في المنع والجواز. وأشار بالشرح إلى قصة الذي في حديث ابن عباس في الصحيح في القوم الذين نزلوا بقوم فلم يضيفوهم، فلما لدغ سيدهم وجاءوا يطلبون من يعالجه، قرأوا عليه بفاتحة الكتاب واشترطوا عليهم أن يعطوهم على ذلك أجرة. فكان به إكرامهم. فأقرهم النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، وقال: «إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله». وفي حديث أبي سعيد كما أشار: «أصبتم وأمروه من يقسموا ويضربوا له معهم بسهم». فهذه الأحاديث تدل على مشروعية أخذ الأجرة على القرآن. لكن فصل المؤلف رحمه الله هنا بأنه يجوز على تلاوة القرآن لا على تعليمه. وهذا قول لبعض أهل العلم. والصحيح ما تقدم: أنه ليس يفرق في التلاوة وفي التعليم، ولكن يفرق بين الأجرة وبين الجعل. فإذا كان على وجه الأجرة فيمنع، وإذا كان على وجه الجعل مع الحاجة فإنه يجوز. وإن كان في التعليم يشدد أكثر حتى لا يزهد الناس في تعلم القرآن. فلذلك ينبغي أن لا يؤخذ الأجر على تعليم القرآن، هذا هو الأفضل والأكمل. لكن مع ذلك عند الحاجة لا شك أنه يجوز. وقد سئل شيخنا الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله، وهكذا شيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمهم الله عن حكم أخذ الأجر على تعليم القرآن. فأفتوا جميعا بجواز ذلك، وأن هذا إعانة على نشر القرآن. فإن إعانة المعلمين سبب لتفرغهم لتعليم الناس. وهذا هو الواقع. فبفضل الله عز وجل انتشرت في بلاد المسلمين مدارس تحفيظ القرآن. وكان من أسباب انتشارها ما هو تفريغ المدرسين لتعليم أبناء المسلمين القرآن. فإذا لم يفرغ هؤلاء المدرسون فإنهم سيحتاجون إلى أسباب لمعيشتهم وأسرهم. وعند ذلك ماذا سيحصل؟ سيذهب حفاظ القرآن، وسيبقى أبناء المسلمين بغير معلمين. فإن القليل من الناس من عنده سبيل معيشة يستطيع به أن يكفي نفسه ويقوم بالاحتساب في تعليم أبناء المسلمين القرآن. والقليل من الناس من يستطيع ذلك. وأكثر الناس خصوصا من حملة القرآن هم من الفقراء وهم من ضعفة الناس الذين يحتاجون إلى أسباب معيشة. فإذا لم يعانوا هؤلاء فإنهم سيحتاجون إلى أن يكتسبوا بأسباب أخرى. وعند ذلك سينصرفون عن تعليم الناس. وهذا فيه مفسدة كما تقدم. ولهذا كانت فتوى أهل العلم وهي فتوى صائبة حكيمة: جواز أخذ الأجر على تعليم القرآن عند الحاجة. وحصل بهذا خير كثير ومصالح كثيرة. وهذا هو الصواب في هذه المسألة. وأما ما أشار إليه من حديث أبي -فيما استدل به المؤلف رحمه الله في الشرح على عدم جواز أخذ الأجر على تعليم القرآن- والذي فيه أنه علم رجلا القرآن فأهدى إليه قوسا، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم. فقال: «إن أخذتها أخذت قوسا من نار». قال أبو: «فرددتها». قد أجيب عن هذا الحديث بأجوبة. من هذه الأجوبة أن الحديث ليس بذاك القوة، بل فيه ضعف. وقد أشار المؤلف في شرحه إلى ضعفه، قال: أخرجه ابن ماجه والبيهقي، وقد أعل بالانقطاع، وأعل أيضا بجهالة بعض رواته. وأشار المعلق في شرحه إلى تضعيف العلماء لهذا الحديث، فقد قال في الزوائد: «إسناده مضطرب». وهكذا كذلك ذكر البيهقي أنه منقطع، وأنه روي عن الدرداء كذلك وفيه ضعف. وعلى القول بصحته -لأنه وردت له طرق وقد حسنه بعض أهل العلم، ومنهم العلامة الألباني رحمه الله في مواضع من كتبه- فعلى القول بصحته أجاب العلماء بجواب ثان. وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر عليه لأجل أخذ الأجرة على التعليم، ولكنه أنكر عليه لأنه أخذ منه شيئا كثيرا وهو فقير، ويمكن الاحتساب في ذلك. فأمره بأن يرد ذاك الكثير لذاك الفقير. وأجيب كذلك بأن الرد أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يحثه على الاحتساب. وأن الرد لم يكن من النبي عليه الصلاة والسلام وإنما الرد كان من أبي، فهو الذي ردها، ولم يأمره النبي عليه الصلاة والسلام بردها. وأجيب رابعا -وهو أحسن الأجوبة- على التفصيل الذي تقدم: بأن هذا المراد منه ما يكون في معنى التنفير عن تعليم القرآن. وأن تأخذ الأجرة من نفس المتعلم. فإذا كان في هذا مفسدة في أخذ الأجرة من نفس المتعلم مع ضعفه، ربما هذا أدى إلى زهده في التعلم. وأما إذا كانت الأجرة من غير المتعلم -يعني من جهات أخرى كالسلطان أو بعض المحتسبين أو مجموعة الآباء وأولياء الأمور- فتكون الأجرة يسيرة عليهم بتعاونهم. فمثل هذا جائز. والأول ممنوع. وبهذا يجتمع هذا الحديث -لو صح- مع حديث ابن عباس وأبي سعيد في قصة اللديغ. فإن قصة اللديغ فيها أن الأجرة كانت من مجموع أهل القرية. بينما قصة أبي: الأجرة كانت من من؟ من نفس المتعلم فقط، رجل واحد. وهذا يؤيد قول من قال بأنه يجوز أخذ الأجرة عند الحاجة وعدم المفسدة. وهذا هو الصحيح في هذه المسألة. وكل ما ورد في هذا الباب كحديث عمران الذي أشار إليه، وغيره من الأحاديث الأخرى فيجمع بينها وبين ما ورد من جواز بنحو هذا الجمع الذي سمعنا. نفتي بهذا القدر، ونترك ما تبقى في درس لاحق. والله تعالى أعلم.