الدرس في شرح أصول في التفسير للعثيمين 35، الدرس الخامس والثلاثون : من (3-عبدالله بن عباس ... فمات فيها سنة ثمانية وستين عن إحدى وسبعين سنة). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
كان عبد الله بن عباس ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم، وقد دعا له النبي بالحكمة والفقه في الدين، فأصبح حبر الأمة في التفسير والفقه. شهد له علماء الصحابة بعلمه الغزير.
كان عبد الله بن عباس من أفقه الصحابة وأكثرهم رواية للتفسير، ويجب التمييز بين الأسانيد الصحيحة والضعيفة في رواية التفسير عنه. يُبرز دوره في العلم والتفسير.
أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى قبول المال إذا جاء من غير مسألة، مع التمييز بين من يستطيع الكسب ومن لا يستطيع. يُحذر من رفض المال إذا كان الإنسان محتاجًا إليه.
حالة الفقر وعدم القدرة على الاكتساب أشد من مجرد الفقر. يُبين أن هذه الحالة تستدعي النظر والتمييز في التعامل معها.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخنا أبو عبد الله محمد بن صالح العثيمين، رحمه الله تعالى: قال: ثالثًا: عبد الله بن عباس، هو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولد قبل الهجرة بثلاث سنين، لازم النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه ابن عمه، وخالته ميمونة تحت النبي صلى الله عليه وسلم. وضمه النبي صلى الله عليه وسلم إلى صدره، وقال: «اللهم علمه الحكمة» وفي رواية: «الكتاب». وقال له حين وضع له وضوءه: «اللهم فقه في الدين». فكان بهذا الدعاء المبارك حبر الأمة في نشر التفسير والفقه؛ حيث وفقه الله تعالى للحِرص على العلم، والجد في طلبه، والصبر على تلقيه، فَنال بذلك مكانًا عاليًا؛ حتى كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب يدعوه إلى مجالسه، ويأخذ بقوله. فقال المهاجرون: ألا تدعو أبناءنا كما تدعو ابن عباس؟ فقال لهم: «ذاكم فتى الكهول، له لسان سؤول، وقلب عقول». ثم دعاهم ذات يوم، فأدخله معهم ليريهم منه ما رآه. فقال عمر: ما تقولون في قول الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ حتى ختم السورة؟ فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفر إذا فتح علينا، وسكت بعضهم. فقال لابن عباس: أكذلك تقول؟ قال: لا. قال: فما تقول؟ قال: هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم، أعلمه الله أنه إذا جاء نصر الله والفتح -فتح مكة- فذلك علامة أجله؛ ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾. قال عمر: ما أعلم منها إلا ما تعلم. وأصل الحديث والقصة في الصحيح. وقال ابن مسعود رضي الله عنه: «لئن نعمة رجال القرآن ابن عباس، لو أدرك أسناننا ما عاشر منا أحد». أي: ما كان نظيرًا له. وهذا معنى: ابن عباس عاش بعده ستًا وثلاثين سنة، فما ظنك بما اكتسب بعده من العلم؟ وهذه شهادة من عالم آخر من علماء الصحابة، ومن أهل المعرفة بالتفسير لعبد الله بن عباس؛ لتعلم العلم الذي فَلَغه عبد الله بن عباس. وقال ابن عمر لسائل سألوه عن آية: «انطلق إلى ابن عباس، فاسأله؛ فإنه أعلم من بقي بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم». وقال عطاء: «ما رأيت قط أكرم من مجلس ابن عباس؛ الذي عنده، قط يصوّب». قال: «أكرم من مجلس ابن عباس فقهًا، وأعظم خشية؛ إن أصحاب الفقه عنده، وأصحاب القرآن عنده، وأصحاب الشعر عنده؛ يصدرهم كلهم من واد واسع». يعني: أنه إمامهم، وقدوتهم، وأعلمهم بذلك. وقال أبو وائل: «خطبنا ابن عباس وهو على الموسم -أي: والٍ على موسم الحج- من عثمان رضي الله عنه، فافتتح سورة النور، فجعل يقرأ ويفسر؛ فجعلت أقول: ما رأيت ولا سمعت كلام رجل مثله، ولو سمعت فارس والروم والترك؛ أسلمت». يعني: من العلم الذي بثه، وفيما فيه إظهار لحكمة الله جل وعلا، وآياته في هذه الآيات الشرعية التي أنزلها. ولاه عثمان على موسم الحج سنة خمس وثلاثين، وولاه علي على البصرة، فلما قتل مضى إلى الحجاز، فأقام في مكة، ثم خرج منها إلى الطائف، فمات فيها سنة ثمان وستين، أو نحو إحدى وسبعين سنة. أورد رحمه الله هذه الترجمة؛ ليستدل بها رحمه الله تعالى على علم عبد الله بن عباس، وكيف أنه صار من علماء الصحابة في تفسير القرآن؛ وقد نقل عن عبد الله بن عباس ما لم ينقل عن غيره من الصحابة في التفسير، فهو من أكثر الصحابة نقلًا للتفسير على الإطلاق. ومن نقل عنه من الصحابة التفسير هو عبد الله بن عباس. وعبد الله بن عباس كغيره من الصحابة؛ روي عنه التفسير منه ما هو بأسانيد صحيحة، ومنه ما هو بأسانيد ضعيفة؛ فينبغي أن تُنتقى الأسانيد الصحيحة، وتُحذر الأسانيد الضعيفة. إضافة إلى ما سبق التنبيه عليه: إلى أن بعض الصحابة نقل عنه بعض الإسرائيليات، ومن هؤلاء الصحابة عبد الله بن عباس؛ فما كان مما نقل عنه شيء من الإسرائيليات؛ فإنه يُتوقف فيه. ومن الأسانيد الضعيفة وأضعف الأسانيد مطلقًا عن عبد الله بن عباس، والتي تسمى عند أهل الحديث بسلسلة الكذب: رواية السدي الصغير محمد بن مروان، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن عبد الله بن عباس. فهذا الإسناد من أضعف الأسانيد عن عبد الله بن عباس. ومن الأسانيد الضعيفة كذلك عن عبد الله بن عباس: رواية عبد الله بن ميمون القداح، عن شهاب بن خراش، عن إبراهيم بن يزيد الخوزي، عن عكرمة، عن عبد الله بن عباس، ويسمى هذا بأضعف الأسانيد المكية عن عبد الله بن عباس. ومنها كذلك من الأسانيد الضعيفة عن عبد الله بن عباس: رواية حفص بن عمر العدني، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن عبد الله بن عباس، وهذا يسمى عندهم أنه من أضعف الأسانيد اليمانية عن عبد الله بن عباس. ومن الأسانيد الضعيفة كذلك عن عبد الله بن عباس: رواية عبد الرحمن بن مليحة، عن نهشل بن سعيد، عن الضحاك، عن عبد الله بن عباس، والضحاك لم يسمع منه بن عباس؛ فهذا كذلك إسناد خراساني ضعيف عن عبد الله بن عباس. فهذه أشهر الأسانيد التي أشار إليها أهل العلم الضعيفة عن عبد الله بن عباس. وتوجد أشياء أخرى مما فيها انقطاع، أو فيها كذلك عدم سماع، أو نحو ذلك؛ فذلك يعرف بتنبيه أهل العلم في مواضعه. فالخلاصة: أن الإنسان يحرص على الصحيح، ويجتنب الضعيف. يقول: ذكرت بدرس سابق أن من جاءه مال من غير مسألة؛ عليه أن يأخذه، وإلا قد يكون فيه شيء من الكبر. أنا هل قلت هذا الكلام يا إخوان؟ أن من جاءه مال من غير مسألة؛ عليه أن يأخذه، وإلا قد يكون فيه شيء من الكبر؟ أم بقيد: إذا كان ماذا؟ نعم، إذا كان فقيرًا؛ فهو العائل المستكبر. أنت تفحص فحصًا كما يقول بعض العامة مع أسرتك، ويأتيك المال من غير مسألة؛ فترده وتترك أهلك في هذا الظنك؛ هذا ليس بصحيح، بل تقبله. ويخشى أن تكون من العائل المستكبر. أما إنسان يستطيع أن يكتسب، وعنده أسباب؛ ما ننصحه بقبول ذلك. «اليد العليا خير من اليد السفلى»، «اليد العليا خير من اليد السفلى». لكن الرجل عنده أمراض، ما يستطيع العمل، وعنده أسرة؛ فيأتيه مال، ولا يقبل؛ يخشى عليه من هذا. فما كان بهذا المعنى هو الذي كان هاء الكلام عليه. وأما قوله: فكيف يفسر فعل بعض المهاجرين عندما عرض عليهم الأنصار أموالهم؟ لأنهم يستطيعون الاكتساب. ولهذا قال ابن عوف: «دلني -ولكن ماذا دلني- على السوق». بارك الله لك في مالك وأهلك، ولكن دلني على السوق الذي يستطيع يتسبب. وهكذا ينبغي أن يكون المؤمن متعففًا، متعففًا. وإذا احتاج استطاعًا؛ يستلف، أخذ قرضة، ومتى ما فتح الله عليه؛ سدد. وهذا كان حال الصحابة رضي الله تعالى عنهم. فهذا نبينا عليه الصلاة والسلام؛ لما أراد الهجرة، ليس عنده ما يهاجر به؛ حتى أعد له أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه راحلته، فشرط عليه النبي عليه الصلاة والسلام أن تكون بقيمتها -يعني: دين على النبي عليه الصلاة والسلام- قبلها منه، وهو مستطيع على أن تكون بقيمتها. ومن كان لا يستطيع؛ فإنه يقبلها. وزجر نبينا صلى الله عليه وسلم عمر حين أعطاه مالًا، فأبى يأخذه. وأخبره النبي عليه الصلاة والسلام أن المال إن جاءه من غير مسألة؛ فليأخذه، فإن شاء أنفق به، وإن شاء تصدق به على غيره. وهذا أوسع من قول: إذا كان فقيرًا، وليس عنده أسباب الاكتساب؛ فهذا أشد. لهنا والله تعالى أعلم.