شرح أصول السنة 17

شرح أصول السنة 17

الدرس في شرح أصول السنة 17، الدرس السابع عشر : (ثم عثمان بن عفان ... ولو عملوا كل أعمال الخير ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

فضل الصحابة وترتيبهم

يُبيّن الشيخ فضل الصحابة وترتيبهم في الفضل، حيث يُحدد أن أفضلهم بعد النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان. يُظهر أن الترتيب يرتبط بالخلافة ويستدل بأحاديث نبوية وأقوال الصحابة.

تفصيل ترتيب الصحابة في الفضل

يتناول ترتيب الصحابة في الفضل بدءًا بأهل الشورى والعشرة المبشرين بالجنة، ثم أهل بدر، وأخيراً بقية الصحابة حسب مدة صحبتهم للنبي. يُشدد على تفاوت الفضل حسب الصحبة والسابقة في الإسلام.

منزلة صحبة النبي صلى الله عليه وسلم

يُوضح أن صحابة النبي أفضل من التابعين ولو عملوا كل أعمال الخير، ويُفسر الحديث النبوي الذي يدل على تعظيم أعمال الصحابة القليلة مقارنة بأعمال غيرهم الكثيرة.

فهم الحديث بشكل صحيح

يُنبّه على خطأ فهم الحديث ويوضّح أنّ الفهم الصحيح يتطلب دراسة وتأويلا صحيحا، ويختم بالتأكيد على أهمية العلم الصحيح والصلاة على النبي.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. مر معنا في الدرس الماضي الكلام على أصل من أصول أهل السنة، ألا وهو الكلام على فضل الصحابة وخيريتهم. وعلمنا أن أفضل الصحابة بعد النبي صلى الله عليه وسلم، بل خير هذه الأمة بعد نبينا عليه الصلاة والسلام، أبو بكر الصديق، ثم عمر بن الخطاب، ودلة دلة كثيرة كما مر معنا الإشارة إلى شيء يسير منها على هذا المعنى. وهكذا كذلك عثمان، ثم عثمان رضي الله عنه، ثم عثمان بن عفان، فهو خير هذه الأمة بعد نبيها صلى الله عليه وسلم، وبعد أبي بكر وعمر. وذلك لما أشار إليه من حديث عبد الله بن عمر، وأصله في البخاري وغيره، قال: كنا نعد أو نعد ورسول الله صلى الله عليه وسلم حي وأصحابه متوافرون: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان، ثم نسكت. فيرون أن أفضل الناس بعد النبي عليه الصلاة والسلام هؤلاء الثلاثة. وهكذا كذلك جاء معناه في البخاري من حديث محمد بن الحنفية، قال: قلت لأبي: أي الناس خير بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: أبو بكر. قال: قلت: ثم من؟ قال: ثم عمر. قال: وخشيت أن يقول عثمان، فقلت: ثم أنت؟ فقال: ما أنا إلا رجل من المسلمين، ما أنا إلا رجل من المسلمين. فدل هذا على هذا المعنى، وهو أن التخيير في زمن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان على تقديم أبي بكر، ثم عمر، ثم عثمان. وهكذا كذلك بعد عثمان، فقد أجمع الصحابة ومن بعدهم على أن ترتيب الصحابة في الفضل كترتيبهم في الخلافة. أن ترتيب الصحابة في الفضل كترتيبهم في الخلافة. وقوله رحمه الله تعالى: نقدم هؤلاء الثلاثة، ما قدمهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يختلفوا في ذلك، كما قلنا بحديث عبد الله بن عمر، ولا يعلم له مخالف. وقول الصحابي إذا لم يعلم له مخالف، فهو إقرار من الآخرين غالبا. وهكذا كذلك يؤيده حديث علي رضي الله عنه الذي مر معنا. وقد جاءت في عثمان فضائل كثيرة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم بشره بالجنة في مواضع، وقرن ذكره بأبي بكر وعمر في مواضع، وذكر من خصال الخير فيه أشياء كثيرة. ولو لم يكن إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم زوجه بابنتيه، لكان هذا كافيا في فضله. فإن الرجل في الغالب لا يزوج ابنته إلا من رضي عنه، لا يزوج ابنته إلا من رضي عنه، من ظنه أنه خير رجل لابنته، فإنه يرتضي أن يكون زوجا لها. فهو ارتضاه لابنته الأولى حتى ماتت، فارتضاه لابنته الثانية، وهذا تأكيد على تأكيد فضله، رضي الله تعالى عنه أرضاه. وهكذا كذلك قوله: نقدم هؤلاء الثلاثة كما قدمهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يختلفوا بذلك. ثم بعد هؤلاء الثلاثة أصحاب الشورى الخمسة: علي بن أبي طالب، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد، كلهم يصلحوا للخلافة. وهذا برأي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أرضاه، وإقرار الصحابة. فإن عمر رضي الله عنه جعل الخلافة بعده شورى بين هؤلاء الخمسة، يختارون الأصلح أن يكون خليفة. وأما أبو بكر، فإنه اختار بعده عمر، كما أن النبي صلى الله عليه وسلم اختار بعده أبا بكر، ولكن تلميحا لا تصريحا. وهكذا كذلك ينبه هنا إلى أن هذا لا يعني أنهم في الفضل سواء، بل لعلي فضل وفضائل مقدم بها على من ذكر من هؤلاء الخمسة. وكلهم أهل فضل، وكلهم كما قال: يصلحوا للخلافة. وما ذلك إلا لفضلهم، رضي الله عنهم أرضاهم. فإن عمر رضي الله عنهم وضعهم أن يختاروا منهم خليفة، فترك، وهذا إن دل على شيء، دل على فضلهم. وانظر كيف أن الله سبحانه وتعالى ينزل العباد على قدر أعمالهم. سبحان الله، مهما عمل الإنسان ومهما قال أو ادعى، هو في الحقيقة لن ينزل منزلة إلا على قدر عمله. لن ينزل إلا على قدر عمله. انظر من أول من آمن بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الرجال؟ أبو بكر، دل ذلك على ماذا؟ على فضله، على فضله رضي الله عنه أرضاه. من أكثر من لازم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفداه بنفسه وماله وكل ما يملك؟ أبو بكر رضي الله عنه، أسبق الناس بذلك، فدل ذلك على ماذا؟ على فضله رضي الله عنه أرضاه. وهكذا كذلك ترى منازل الصحابة على قدر فضلهم، وفضلهم على قدر عملهم. فضلهم، فضلهم رضي الله عنهم على قدر عملهم. وهكذا كذلك سائر الناس. وفي هذا آية وعبرة للإنسان أن يحسن من عمله، فإنه إذا أحسن في عمله، أنزله الله سبحانه وتعالى منزلته التي تليق به. منزلته التي تليق به. وإذا لم يحسن من عمله، فإنه مهما تلبس من لباس أو تكلف وتقمص من وصف، فإنه لن يعدو أن يكون ذلك شيئا مؤقتا، ثم يرجع إلى ما كان عليه. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب»، يعني يحق الله الحق، ما يكون إلا الحق الذي أراده الله سبحانه وتعالى. وهكذا كذلك ينبغي أن تعلم أن أعمال الناس هي تبيِّن فضلهم وترتب مراتبهم. وفي هذا فائدة ولفتة ومناسبة أن ننبه أنفسنا ونذكر أنفسنا بها، وهي أن المسلم ينبغي أن يحسن في عمله. فإن إحسانه في عمله يجعل له مرتبته في الدنيا وفي الآخرة. وعلى قدر عمله تكون، أو على قدر الأعمال تكون المراتب في كل شيء، في كل شيء تكون المراتب على قدر الأعمال في الدنيا وفي الآخرة. فإن الله جل وعلا يعطي من صدق وعمل ما لا يعطي غيرهم. ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾، فالإمامة في الدين تنال بالصبر واليقين. يتنزل الناس مراتب بقدر ماذا؟ بقدر صبرهم وبقدر يقينهم، تكون منازلهم في الدنيا ومنازلهم في الآخرة. وهكذا كذلك في مواضع الفتن وفي أيام الفتن، فإن منازل الناس في الحقيقة تكون على قدر أعمالهم. منازل الناس تكون على قدر أعمالهم. من عمل غير العمل الذي يرضي الله سبحانه وتعالى، وكان في عمله خلل، ما يمكن أن يتنزل في منزلة ليست له، مهما تقدم ومهما تأخر ومهما تقمص ومهما تكلف، فإنه سينزل منزلته التي تليق به. وما ربك بظلام للعبيد، الذي يسعى في الخير ينزله الله عز وجل منازل أهل الخير. والذي غير ذلك ينزل المنازل التي تليق به. وهكذا يمتحن الناس بذلك، يمتحن الناس بذلك. فمن كان خراجا ولاجا، فسيبقى خراجا ولاجا. ومن كان مرتابا شكاكا، سيبقى مرتابا شكاكا. ومن كان على يقين من أمره وعلى ثبات وعلى استجابة لله ولرسوله ولشرع الله ولأهل العلم، فإنه سيبقى على ثباته، ولا تضره فتنة. حتى أهل الفضل يتفاوتون، وهم أهل الفضل يتفاوتون في الفضل. فيوجد من أهل الفضل من هو في مرتبة عالية من الفضل، فهذا سيبقى على تلك المرتبة العالية. وآخرون ليسوا كذلك، ليسوا على تلك المرتبة، ربما يكون له شيء، لكن في النهاية لن ينزل إلا منزلته التي هي له. كل واحد سينزل في منزلته التي هي له. وما ربك بظلام للعبيد. ونحن نستفيد من هذا أننا نحسن في عملنا، ونصلح ما بيننا وبين الله سبحانه وتعالى. فالله جل وعلا ينزل الناس في الدنيا وفي الآخرة على قدر أعمالهم، وعلى قدر صدقهم معه سبحانه وتعالى. حتى الأعمال التي لم توفق إليها، فإنك ستوفق بأضعافها إذا كان عندك صدق، وإذا كان عند نكذلك حرص، كما حصل لبعض من تأخر في إسلامه، فإنه وفق بصدقه وبإخلاصه وحرصه، وما كان من خصال الخير عنده، إلى ما لم يوفق غيره. فانظر هؤلاء أهل الشورى، تراجع ثلاثة عن هذا الأمر، كل منهم أعطى الأمر لآخر، فبقي ثلاثة، فبقي ثلاثة من الستة. فترك أحد الثلاثة، وبقي اثنان: عثمان وعلي رضي الله تعالى عنهما. فجعل بعد ذلك لعثمان رضي الله عنه، وبايعه علي رضي الله تعالى عنهم أرضاهم. فأهل الشورى هم أفضل الناس بعد أبي بكر وعمر، بإقرار الصحابة لصنيع عمر رضي الله عنه. فإن عمر لم يختر من الصحابة إلا أفضلهم. إذن هم أخص العشرة. وبعد هؤلاء أهل الشورى الذين كانوا خمسة، يأتي من؟ يأتي العشرة الذين بشرهم النبي عليه الصلاة والسلام بالجنة في حديث واحد، كما في حديث سعيد بن زيد وغيره. ومن هؤلاء العشرة؟ من يذكرهم؟ من هؤلاء العشرة؟ ها من يذكر العشرة؟ ها يا عبد الله، أين عبد الله؟ بكري وهو موجود؟ عبد الله، ها. علي، العشرة: أبو بكر، عمر، عثمان، علي، سعد بن أبي وقاص. لا، لا تذكر إلا الخمسة أصحاب الشورى أولا. أولا قدمهم بالفضل. فمن الخمسة أصحاب الشورى؟ عثمان وعلي، ثم عبد الرحمن بن عوف، زبير، لا، قبل طلحة. أصحاب الشورى: سعد بن أبي وقاص، فهؤلاء تتمة سبعة، بقية ثلاثة: سعيد، وأبو عبيد، وطلحة. نعم، أبو طلحة؟ أبو عبيد وطلحة وسعيد. وأبو عبيد من هؤلاء من أهل الشورى بنص قول عمر. فإن عمر رضي الله عنه قال: لو كان أي أبو عبيد موجودا لكان قد ولاها الخلافة. يعني كما أوله تأوله بعضهم. جعله مع هؤلاء أهل الشورى. جعله مع هؤلاء أهل الشورى. فهو من أهل الشورى، يعني هو سادس أهل الشورى بنص قول عمر رضي الله عنه، ولكنه مات قبل ذلك. ثم طلحة وسعيد رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم. هؤلاء هم العشرة، وهم بعد هؤلاء في الفضل. قال رحمه الله تعالى: كلهم يصلح للخلافة، وكلهم إمام. ونذهب في ذلك إلى حديث بن عمر: «كنا نعد ورسول الله صلى الله عليه وسلم حي وأصحابه متوافرون». وأبو بكر ثم عمر ثم عثمان، ثم نسكت. ومر معنا أن نصبه في البخاري قال: ثم من؟ بعد أصحاب الشورى أهل بدر من المهاجرين، ثم أهل بدر من الأنصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، على قدر الهجرة والسابقة أولا فأولا. بعد أهل الشورى وبعد العشر المبشرين بالجنة أهل بدر. لما ثبت في الصحيحين من حديث علي، ومعناه من حديث أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وما يدريك يا عمر؟ لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم». فأهل بدر هم مقدمون بعد العشرة على سائر الصحابة. وهؤلاء أهل بدر عدد كبير. لكن ميزهم رحمه الله بهذين التمييزين: أولا بتقديم المهاجرين على الأنصار، لأن الله قدمهم في كل موضع يذكرون فيه، قدم المهاجرين على الأنصار. قال الله عز وجل: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾، قدم المهاجرين على الأنصار. وهكذا قدمهم في سورة الحشر، وقدمهم في مواضع كثيرة. وقدمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى في الإمامة في الصلاة، أسبقهم هجرة. فلذلك كان يوم السقيفة الإقرار بتقديم المهاجرين على الأنصار. ولهذا قال: من المهاجرين ثم أهل بدر من الأنصار. والتمييز الثاني: أن أهل الهجرة كذلك يتفاوتون في الفضل. فالأسبق هجرة مقدم على غير الأسبق. الأسبق هجرة مقدم على غير الأسبق. فهذا ترتيب الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم في الفضل. ثم قال رحمه الله: ثم أفضل الناس بعد هؤلاء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، القرن الذي بعث فيهم، كل من صحبه سنة أو شهرا أو يوما أو ساعة أو رآه، فهو من أصحابه. له من الصحبة على قدر ما صحبه، وكانت سابقته معه، وسمع منه، ونظر إليه. فأدناهم صحبة هو أفضل من القرن الذين لم يروه. وهذا هو ترتيب آخر في ترتيب فضل الصحابة رضي الله تعالى عنهم. وهو أن كل من صحب النبي عليه الصلاة والسلام، وعلى قدر صحبته، فهو أفضل ممن لم يصحبه. ثم هذا الجمع كذلك فيه تمييز. فأهل البيعة مقدمون على غيرهم، كما في صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله، عن أم مبشر: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنه لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة. وهي بيعة الرضوان التي كانت في الحديبية. بيعة الرضوان التي كانت في الحديبية. وكانوا قرابة ألف وأربعمائة، كما قال جابر بن عبد الله: كان الحاضرون قرابة ألف وأربعمائة. فهؤلاء مقدمون على غيرهم ممن لم يحضروا البيعة. وطبعا أهل بدر مقدمون على أهل البيعة، وأهل البيعة مقدمون على غيرهم. فهكذا ترتيبهم في الفضل. ثم بعد ذلك كما قال: ترتيبهم بحسب من صحبه من الصحابة رضي الله تعالى عنهم. فمن صحبه أكثر كان له فضل أكثر، لأنه أخذ من العلم والعمل ما لم يأخذ غيره، ما لم يأخذ غيره. ولهذا بعض الأعراب لهم شرف الصحبة، لكن ليست مرتبتهم في الفضل كمرتبة من لازمه من خاصة صحابته رضي الله تعالى عنه وأرضاه، من المهاجرين والأنصار. من المهاجرين والأنصار. وإن كان بعض هؤلاء الأعراب يعدون من الصحابة كذلك. وقوله: كل من صحبه سنة إلى آخره، يريد أن يبين من هو الصحابي. فالصحابي هو من صحب النبي عليه الصلاة والسلام، ولقيه وهو مسلم ومؤمن، ومات على ذلك، أي على الإسلام والإيمان. وكما قال الحافظ بن حجر: وعلى الصحيح، ولو تخللته ردة، ما ضر. فالتوبة تجب ما قبلها. قال رحمه الله تعالى: ولو لقوا الله بجميع الأعمال، كان هؤلاء الذين صحبوا النبي صلى الله عليه وسلم، ورأوه وسمعوا منه، ومن رآه بعينه وآمن به ولو ساعة، أفضل لصحبته من التابعين، ولو عملوا كل أعمال الخير. وهنا ينبغي أن نميز بين أمرين: بين شرف الصحبة ومنزلة الصحابة. فشرف الصحبة كل من رآه النبي صلى الله عليه وسلم، يعني ينال معنى هذا الشرف. ولكن قد يقال: هذا من صغار الصحابة. وهو من رأى النبي صلى الله عليه وسلم، وهو غير مميز، مثل محمد بن أبي بكر الصديق، فإن أسماء بنت عميس ولدته في حجة الوداع، حنكه النبي صلى الله عليه وسلم ورآه، ومع ذلك هو من صغار الصحابة. روايته عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلة، لأنه لم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يعقل منه. بخلاف من صحبه بالنص، وهو يعقل، فإن ذلك يقتضي أن روايته رواية صحيحة موصولة. ولكن شرف الصحبة ينال كما قال رحمه الله: وآمن به ولو ساعة، أفضل لصحبته. طيب، يعني هو أفضل من التابعين، ولو كان غير مميز. لكن حقيقة معنى الصحبة، على ما ذكرها للعلم، يكون لمن أدركه وهو مميز، مثل محمود بن الربيع، أدرك من النبي صلى الله عليه وسلم مجة ماء في وجهه، وهو صغير، فهذا مثال للصغير المميز الذي يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم رواية الصحابة، فهو أرفع ممن كان دونه. قال: من التابعين، ولو عملوا كل أعمال الخير، يعني من كان له شرف الصحبة، هو أفضل من التابعين، ولو عمل هذا التابعي كل أعمال الخير. وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم، بحديث أبي سعيد في الصحيحين: «لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا، ما بلغ مد أحدهم، ولا نصيفه». «لا تسبوا أصحابي، ولو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا، ما بلغ مد أحدهم، ولا نصيفه». فدل ذلك على أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، بارك الله وعظم الله سبحانه وتعالى أعمالهم، بما كان عندهم من الصدق والإخلاص، وحسن الصحبة والاستقامة في القول والعمل، ما عظمت به أعمالهم. فصار العمل القليل منهم لا يساويه الكثير من غيرهم، بنص حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا، ما بلغ مد أحدهم، ولا نصيفه». هذا نصف المد. لو أنفق صحابي نصف مد، وأنفق إنسان مثل الجبل أحد ذهبا، ما بلغ مد أحدهم، ولا نصيفه. هذا نصيف المد، وجبل أحد جبل عظيم. إذا رأيته في المدينة، ما تكاد تحيط به نظرا، ما تستطيع أن تحيط به بنظرك، ما تستطيع أن تراه كله، ترى طرفه وترى الطرف الآخر، وترى أشياء ما تراها، فهو جبل عظيم. لو أنفق الصحابي نصف مد، ما بلغ، يعني لو عمل مثل جبل أحد، هذا المد أو نصف المد. وإن دل على شيء، دل على تعظيم الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وأن الله جل وعلا جعل أعمالهم القليلة عظيمة عنده سبحانه. ولا يبلغها الأعمال الكثيرة من غيرهم. فإن قال قائل، كما علق بعض المعلقين: كيف نصنع بما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من الأحاديث التي أخبر بها فيما يكون في آخر الزمان، أنه يمر على الناس أيام، الصبر فيها يكون للصابر فيها كأجر مئة أو خمسين شهيد، أو قال: خمسين رجل من الصحابة، أو قالوا: مننا يا رسول الله، منهم؟ قال: منكم. قال: منكم؟ فكيف الجمع بين هذين الحديثين؟ الجمع الذي يجمع به بين هذين الحديثين، على القول الصحيح الذي اعتمده جماعة من المحققين، وألمح إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أنه يفرق بين العمل الكثير، فإنه يكتب لغيرهم لأجل صبرهم، يكتب لهم أجر مئة أو أجر خمسين. لكن لا يعني ذلك أنهم أفضل من الصحابة، لا يعني ذلك أنهم أفضل من الصحابة. هم يعملون كثيرا، ويؤجرون كثيرا، لكن مهما أجروا من الأجر الكثير، فإن الأجر الكثير لن يبلغ الأجر الذي يكون عند ذاك الصحابة. وأضرب لكم مثالا، وأقرب: لو أن رجلين، كل منهما صلى، هذا صلى ركعتين، فيهما من الخشوع والإخلاص والصدق، وحسن التوجه والإخبات لله سبحانه وتعالى، ما ليس عند الآخر، الذي صلى عشر ركعات. أي الصلاتين أعظم؟ الركعتين من العشر، الركعتين أعظم، ولو كانت أقل. فإذن العمل القليل قد تكتنفه من الصفات ما يجعله أفضل وأعظم من العمل الكثير. ولذلك لو أجر إنسان أجرا كثيرا، لا يعني ذلك أنه يسبق من لا يؤجر مثل أجري، لأنه ربما عمل أعمالا أخرى هي أعظم أجرا من هذا العمل. فأبو بكر رضي الله عنه كان يومه على سبيل المثال عامرا بالطاعة. تعرفون الحديث: سأل النبي صلى الله عليه وسلم بغير سابق إنذار: «من أصبح اليوم منكم صائما؟» قال أبو بكر: أنا. «من تصدق اليوم؟» قال أبو بكر: أنا. «من عاد مريضا؟» قال أبو بكر: أنا. «من تبع جنازة؟» قال أبو بكر: أنا. اجتمعت فيه هذه الخصال بغير سابق أمر. إن دل على شيء، دل على إعمال أوقاتهم بالأعمال الصالحة. بينما هذا الذي يؤجر أجر مئة أو أجر خمسين، لا نقول: أن وقته فقط عامر بالأعمال الصالحة، لكن ربما تكون له هنات وزلات، بسبب ما هو فيه من مجتمع لا يعين على طاعة الله. وهذا هو الواقع، لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه. فمن رحمة الله بعباده، ورفقه، وسعة حكمته بهم: أنه عظم لهم الأجر، لعله يكفر عنهم من السيئات. فالذي يقبض على دينه، لا يعني أنه ما يحصل له زلات، قد تحصل له زلات، قد تحصل له زلات، فيكون في هذه الأجور الكثيرة حسبة أن تكون مكفرة لتلك الزلات. لكن لا يعني أنه بالأجور هذه يسبق الصحابة. وبه نعرف خطأ قول بعض المعلقين: بأن هذا فيه دليل على أن بعض غير الصحابة أفضل من بعض الصحابة. وهذا خطأ، أن بعض غير الصحابة أفضل من بعض الصحابة. هذا خطأ، ليس هكذا يفهم الحديث. طيب، نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.