شرح العقيدة الواسطية للهراس 103

شرح العقيدة الواسطية للهراس 103

الدرس في شرح العقيدة الواسطية للهراس 103، الدرس الثالث بعد المائة:من( وله صلى الله عليه وسلم في القيامة ثلاث شفاعات ... والأحاديث المستفيضة المتواترة ترد على زعمهم وتبطله ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في الشفاعة يوم القيامة

يبدأ الحديث عن الشفاعة يوم القيامة بأنواعها المختلفة، حيث ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ثلاث شفاعات للنبي صلى الله عليه وسلم. الشفاعة تثبت بشروطها الثلاثة: الرضا عن الشافع والمشفوع له والإذن.

تفصيل الشفاعة وأنواعها

يتم تفصيل مفهوم الشفاعة في يوم القيامة، حيث تثبت الشفاعة بشروطها ويوجد شفاعة مثبتة ومنفية. الشفاعة المنفية تخص المشركين أو تتم بغير إذن الله، بينما الشفاعة المثبتة تكون بإذن الله.

أنواع الشفاعة للنبي صلى الله عليه وسلم

توجد عدة أنواع من الشفاعة للنبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة، تشمل الشفاعة العظمى لأهل الموقف، والشفاعة لدخول الجنة، والشفاعة في تخفيف العذاب. هذه الشفاعات مثبتة بالأدلة الشرعية.

أمثلة إضافية على الشفاعة

توجد أمثلة أخرى على الشفاعة يوم القيامة، مثل شفاعة النبي لدخول قوم الجنة بغير حساب ولا عذاب، وهي مثبتة بأحاديث صحيحة عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: وله صلى الله عليه وسلم في القيامة ثلاث شفاعات. أما الشفاعة الأولى، فيشفع في أهل الموقف حتى يقضى بينهم، بعد أن يتراجع الأنبياء: آدم، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، وعيسى بن مريم عن الشفاعة، حتى تنتهي إليه، كما جاء في الصحيحين في حديث أبي هريرة وغيره. وجاء كذلك في الصحيحين من حديث أنس. وقوله: بعد أن يتراجع الأنبياء، سمى جميع الرسل والأنبياء أنبياء، وهذا يدل أن كل رسول نبي، وليس كل نبي رسول. وهل الفرق بين النبي والرسول هو الأمر بالتبليغ وعدمه، كما قال الجمهور؟ الصحيح: لا، بل الكل مأمور بالتبليغ، لكن الفرق -على الصحيح- كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه «النبوات»: أن النبي يؤمر بتبليغ رسالة هو تابع لمن قبله، والرسول يؤمر بتبليغ رسالة جديدة أو شرع جديد. ولو تأملت حال من سمي رسولا ومن سمي نبيا، تجد هذا المعنى ظاهرا. قال رحمه الله تعالى: وأما الشفاعة الثانية، فيشفع في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة، مثل حديث أنس في صحيح مسلم. وقد مر معنا أنه أول من يستفتح باب الجنة، قال: «أنا أول شفيع في الجنة». وهكذا ما جاء في حديث حذيفة وأبي هريرة بمعناه، ومر معنا في الفصل الذي قبله. قال: وهاتان شفاعتان خاصتان له -يعني مما خص به نبينا عليه الصلاة والسلام-: الشفاعة العظمى لأهل الموقف، فإن الأنبياء جميعا يتراجعون عنها حتى يؤذن للنبي عليه الصلاة والسلام فيها، والشفاعة الثانية في دخول أهل الجنة الجنة. وهذه من خصائص النبي عليه الصلاة والسلام. والثالثة: في عمه الكافر أن يخفف عنه من عذاب النار. وإلا فالأصل أن الكفار لا يخفف عنهم شيء ولا يشفع لهم، هذا هو الأصل، لكن هذا مما خص لنبينا عليه الصلاة والسلام. قال رحمه الله تعالى: وهاتان الشفاعتان خاصتان له. وأما الشفاعة الثالثة، فيشفع في من استحق النار. وهذه الشفاعة له ولسائر النبيين والصديقين وغيرهم، فيشفع في من استحق النار أن لا يدخلها -يعني أناسا كادوا أن يدخلوا النار- فيشفع النبي عليه الصلاة والسلام أن لا يدخل هؤلاء النار. وهذا كما قال ابن القيم رحمه الله في شرح تهذيب سنن أبي داود: أنه لم يظفر له على دليل -يعني اشتهر هذا عند أهل العلم- قال: ولكنه لم يظفر على دليل يدل عليه -يعني صحيح صريح-. لعله هكذا يريد. وقد ذكر شيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى: قال: ربما يستفاد من دعائه عليه الصلاة والسلام للمؤمنين -يعني أن هؤلاء المؤمنين لولا أن النبي عليه الصلاة والسلام دعا لهم لكانوا دخلوا النار، لكن دعوته لهم كانت سببا -بإذن الله- في نجاتهم من النار. قال: ربما يستفاد من دعائه للمؤمنين بالمغفرة والرحمة على جنائزهم، نحو: «اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين» -يشير إلى حديث أم سلمة في صحيح مسلم- وهكذا كذلك مثل قول النبي عليه الصلاة والسلام: «ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلا لا يشركون بالله شيئا إلا شفعهم الله فيه» -وهو يشير إلى حديث ابن عباس في صحيح مسلم-. لكن يقال: هذا في الدنيا، وأما ما أشار إليه شيخ الإسلام وذكره العلماء هو فيما يتعلق بالآخرة، وهذا على الصحيح كما قال ابن القيم: لم يظفر له على دليل صحيح صريح يدل عليه، لكنه قد يدخل في عموم ما ورد من أحاديث الشفاعة، مثل قول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أنس وغيره الصحيح بمجموع طرقه: «شفاعة لأهل الكبائر من أمتي». فإنه يتبادر إلى الذهن -وهو الذي ينتفع به أو ينتفع بالشفاعة به- هو أن هذه الشفاعة تكون لأهل الكبائر فيمن استحق أن يدخل النار: ألا يدخلها. وهذا يصلح للاستدلال به، لكن كما ذكر ابن القيم: ليس صريحا، ولكن معناه يدل على ذلك. وهكذا كقوله عليه الصلاة والسلام كذلك في أحاديث أخرى تدل على هذا المعنى: أن أناسا يشفع فيهم أي النبي عليه الصلاة والسلام، وتشفع الملائكة والنبيون والمؤمنون، وهذا عام يشمل الشفاعة بعد دخول النار والشفاعة قبل دخول النار، لعموم اللفظ ولعدم حصره لمن دخل النار، مثل حديث ابن سعيد في الصحيحين: فإن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر فيه الشفاعة له وللأنبياء والملائكة ولسائر المؤمنين. قال رحمه الله تعالى: ويشفع في من دخلها أن يخرج منها، كذلك من أنواع شفاعته. وليست هذه خاصة به، فهي كالتي قبلها: يشفع فيمن دخلها أن يخرج منها أو يخرج منها. ويدل عليه حديث الجهنميين كما جاء في البخاري في حديث عمران: فإن أناسا يلقون في النار، فيشفع من يشفع من الشفعاء -يشفع النبي عليه الصلاة والسلام والأنبياء والملائكة- ثم يخرج أناس لم يعملوا خيرا قط، ويحمل مع الأدل العامة: أن عندهم أصل الإيمان، فيخرجون من نار جهنم ويرمون في نهر. الحديث. قال رحمه الله تعالى: ويخرج الله من النار أقواما بغير شفاعة، بل بفضله ورحمته. ويحمل قوله: بغير شفاعة -يعني من شفاعة المخلوقين- وإلا فقد جاء في رواية في مسلم: أن الله عز وجل قال: «لم يبق إلا أرحم الراحمين». وفي رواية: «شفع الأنبياء وشفع الملائكة وشفع المؤمنون، ولم تبق إلا شفاعتي». فيحمل قوله: بغير شفاعة -يعني بغير شفاعة أحد من المخلوقين- وإلا فقد جاء في البخاري ومسلم: «وبقيت شفاعتي». وهكذا كذلك يؤكده قوله: بفضل الله ورحمته، كما جاء كذلك معناه في بعض الروايات. فإنه جاء في صحيح مسلم بحديث جابر بن عبد الله: «إن الله يخرج ناسا من النار فيدخلهم الجنة -يعني بغير عمل عملوه، ولكن بفضله ورحمته- ولكن بفضله ورحمته». وجاء في رواية عند البخاري قال: «بالشفاعة» -يعني أن الله عز وجل يخرجهم من النار ويدخلهم الجنة بشفاعته سبحانه وتعالى- ويحمل هؤلاء: أن عندهم أصل الإيمان، لعموم الأدلة في ذلك. قال رحمه الله: ويبقى في الجنة فضل عن من دخلها من أهل الدنيا -يعني يبقى فراغ- قال: فينشئ الله لها أقواما فيدخلهم الجنة. وجاء معنى ذلك في صحيح مسلم وغيره من حديث أنس رضي الله تعالى عنه. والعكس النار، فإن النار لا تزال تتزايد، فيقول الله عز وجل لها -يأمرها بأن تنزوي- وهي تقول: «هل من مزيد؟» حتى يضع الرب جل وعلا قدمه عليها -على ما يليق بجلاله وعظمته سبحانه- فينزوي بعضها إلى بعض -يعني يلتف بعضها إلى بعض- فتقول: «قط قط» -أي اكتفيت- كما جاء في الصحيحين في حديث أنس رضي الله تعالى عنه وأرضاه. قال الشارح رحمه الله تعالى: وأما قوله: «وله صلى الله عليه وسلم في القيامة ثلاث شفاعات». فأصل الشفاعة من قولنا: شفع كذا بكذا، إذا ضمه إليه. ومناسبة إيراد ذلك كما تقدم: أن المؤلف ذكر ما يؤمن به من الإيمان باليوم الآخر. وقد أنكر هذا بعض المعتزلة ومن تبعهم ووافقهم من الأشاعرة -أي أنكروا أمر الشفاعة- وظنوا أنه ينافي العدل والوفاء بالعهد، وهذا باطل، بل هذا من رحمته سبحانه وتعالى وفضله. فإن العفو عن المسيء هو مدح، وليس ذم. العفو عن المسيء مع القدرة عليه هو مدح، وليس ذم. والله عز وجل الرحيم سبحانه وتعالى أولى بمثل هذا المدح إذا قدر أنه في المخلوق، فكيف بالله عز وجل الرحيم؟ فإنه له على أكمل ما يكون ويليق بجلاله وعظمته سبحانه. ثم إن الشفاعة: شفاعتان. شفاعة منفية، وهي ما لم تتوفر شروطها. وشفاعة مثبتة، وهي ما توفرت شروطها. فما استدل به المعتزلة من أدلة نفي الشفاعة، فإنما هي الشفاعة المنفية: شفاعة المشركين، وما ظنها بمن وافقهم وقاربهم بالمعنى الباطل. ولا يعني ذلك نفي ما دلت الأدلة الشرعية من إثبات الشفاعة الأخرى، وهي ما توفرت فيها شروطها. وهذا هو الصحيح: أن الشفاعة تثبت بشروطها الثلاثة: الرضا عن الشافع، والرضا عن المشفوع له، والإذن بالشفاعة. ولا يشفعون إلا لمن ارتضى. قال رحمه الله تعالى: فأصل الشفاعة من قولنا: شفع كذا بكذا، إذا ضمه إليه. وسمي الشافع شافعا لأنه يضم طلبه ورجاءه إلى طلب المشفوع له، فانتقل من وتر إلى شفع. قال: والشفاعة من الأمور التي ثبتت بالكتاب والسنة وأحاديث متواترة. قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ فنفي الشفاعة بلا إذن: إثبات للشفاعة من بعد الإذن، وهذا ظاهر وواضح. وقد قال الله عز وجل -كما سيأتي-: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ فبين الله الشفاعة الصحيحة، وهي التي تكون بإذنه ولمن يرتضي قوله وعمله. وأما ما يتمسك به الخوارج والمعتزلة في نفي الشفاعة من مثل قوله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ وقوله: ﴿وَلَا يَقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾ وقوله: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ فإن الشفاعة المنفية هنا هي الشفاعة في أهل الشرك، وهذا ظن أهل الجاهلية. فإنهم ظنوا أن شفاعة الآخرة كشفاعات الدنيا، وأن شفاعة الدنيا لا يمكن أن ترد، فظنوا أنها كذلك في الآخرة، فنفى ذلك ربنا سبحانه وتعالى، وهذا لجهلهم بربهم سبحانه وتعالى. وإلا ملك الرب جل وعلا ليس كمثله شيء، ليس هو كملك ملوك الأرض، قد يمتنعون من رد الشفاعة رغبة ورهبة. أما ربنا جل وعلا ليس أمره كذلك. فقد رد ربنا جل وعلا بعض الأنبياء، كما قال الله عز وجل في حق إبراهيم: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ وقال بحق نوح عليه الصلاة والسلام: ﴿فَلَا تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾. قال: هي الشفاعة لأهل الشرك، وكذلك الشفاعة الشركية التي يثبتها المشركون لأصنامهم، ويثبتها النصارى للمسيح والرهبان، وهي التي تكون بغير إذن الله ورضاه. ولهذا من شروط الشفاعة: الرضا عن الشافع، والرضا عن المشفوع له، والإذن بالشفاعة. قال رحمه الله: وأما قوله: «أما الشفاعة الأولى، فيشفع في أهل الموقف حتى يقضى بينهم». فهذه الشفاعة العظمى، وهي المقام المحمود الذي يغبطه به النبيون، والذي وعده الله أن يبعثه إياه بقوله: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ -يعني بقبول شفاعته، والإذن له بالسجود بين يديه- فيلهمه الله عز وجل من المحامد والدعاء ما لم يكن يعلمه قبل، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم: «إني يحمد علي أهل الموقف جميعا». ولهذا نحن نقول: «اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة -بعد الأذان- ما نقول- قال: «قد أمرنا نبينا صلى الله عليه وسلم إذا سمعنا النداء نقول بعد الصلاة: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة، آتي محمدا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته». وقد جاء أن من فعل ذلك حلت له شفاعته يوم القيامة، كما جاء معناه عن عدد من الصحابة. قال: وأما قوله: «وأما الشفاعة الثانية، فيشفع في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة» -يعني أنهم وقد استحقوا دخول الجنة، لا يؤذن لهم بدخولها إلا بعد شفاعته- يعني ما مر في حديث أنس وغيره، كما تقدم. قال: وأما قوله: «وهتان الشفاعتان خاصتان له» -يعني الشفاعة في أهل الموقف، والشفاعة في أهل الجنة أن يدخلوها- وتنضم إليها ثالثة، وهي شفاعته في تخفيف العذاب عن بعض المشركين، كما في شفاعته لعمه أبي طالب، فيكون في ضحضاح من نار، كما جاء في الصحيحين حديث العباس. وهكذا كذلك هي خاصة به -أي بعمه أبي طالب- على الصحيح. وأما من زعم أنها لغيره كذلك -كأبي لهب ونحوهم من قرابته- فهذا ليس بصحيح، لأنه أولا يحتاج إلى دليل، ولأنه ثانيا دل الدليل على خلافه. فأبوي النبي عليه الصلاة والسلام دل الدليل أنهما ليس من ينجو من أهل الجنة. ولو كانوا من أهل الفترة، لكن ليس كل أهل الفترة يمتحن. فإن من أهل الفترة من قامت عليه الحجة، ومن أهل الفترة من لم تقم عليه الحجة. فمن قامت عليه الحجة فإنه يكون من أهل النار، ومن لم تقم عليه الحجة فإنه يمتحن، كما جاءت الأدلة في ذلك عن النبي عليه الصلاة والسلام. وقد صح أنه قال: «أبي وأبوك في النار». وقال -كما في صحيح مسلم-: «استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي، فزار قبرها وهو يبكي عليه الصلاة والسلام». وهكذا أعمام النبي عليه الصلاة والسلام، كأبي لهب، قال الله: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ إلى آخر السورة. وبه تعرف كذلك تلك العقيدة الخرافية التي يدندن بها بعض القبورية والمتصوفة -كدحلان ومن على طريقته- في الدفاع فيما زعم عن أبوي النبي عليه الصلاة والسلام: أنهما من أهل الجنة، وفي عمه أبي لهب وجميع قرابته ونحو ذلك. ما فعله بعض الرافضة والشيعة، فكل ذلك باطل، كل ذلك باطل. فالأدلة دلت على خلاف ذلك، حتى عمه أبو طالب، العجيب يزعمون أنه لم يمت على الكفر، بل أسلم. بينما جاء الحديث الصحيح الصريح -كما في البخاري ومسلم- حديث سعيد بن المسيب عن أبيه المسيب بن حزن: أنه مات على الكفر، دعاه النبي عليه الصلاة والسلام والإسلام وهو يحتضر، فكان آخر ما قال: «إنه على ملة عبد المطلب». قال رحمه الله: كما ورد بذلك الحديث -يعني حديث ابن العباس- «ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار» -في الصحيحين حديث العباس-. قال رحمه الله تعالى: وأما قوله: «وأما الشفاعة الثالثة، فيشفع في من استحق النار» إلى آخره. وهذه الشفاعة التي ينكرها الخوارج والمعتزلة، فإنما ذهبهم: أن من استحق النار لا يدخلها -لابد أن يدخلها- ومن دخلها لا يخرج منها إلا بشفاعة ولا بغيرها. والصحيح: أن من دخلها جاز أن يخرج منها بإذن الله عز وجل، بالشفاعة وبفضل رحمته سبحانه وتعالى. ومن استحقها فإنه يجوز أن لا يدخلها إذا أذن الله عز وجل وأذن بالشفاعة سبحانه وتعالى. فقد علمنا أن هذا الجزء الأول من هذه الشفاعة الثالثة دلت عليه عمومات، وأن الجزء الثاني من هذه الشفاعة دلت عليها دلالة صريحة. فقد جعل شيخنا رحمه الله في الصحيح المسند من الشفاعة فصلا في هذا الباب، ولكنه لم يذكر شيئا صحيحا صريحا كذلك. فرجعنا إلى قول ابن القيم رحمه الله تعالى. والله تعالى أعلم. يقول: هل صح أن النبي صلى الله عليه وسلم يشفع في أهل العراف؟ الجواب: لا أعرف بهذا شيئا صحيحا صريحا. يقول: هل صح شيء في الشفاعة في رفع الدرجات في الجنة؟ ذكر العلماء في ذلك أنواعا من الشفاعات الأخرى. فمن هذه الشفاعات: شفاعة كذلك فيمن دخلها أن يخرج منها -بالوصف الخاص- كشفاعة الجهنميين ونحوهم. ومن هذه الشفاعة كذلك: شفاعة في زيادة الدرجات لأهل الجنة -يعني أناسا يكونون من أهل الجنة فيزاد لهم في درجاتهم- قال ابن القيم في التهذيب -أي في شرح تهذيب السنن-: قد يستدل بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم لأبي سلمة: «وارفع درجته في المهديين» -يشير إلى حديث أم سلمة في صحيح مسلم- فهذا فيه دليل على أن بعض الناس ترفع درجاتهم في الجنة بشفاعته عليه الصلاة والسلام. وهذا -كما قلنا قبل- يحمل أنه في الدنيا. وأما في الآخرة فليس بممتنع إذا ثبت مثله بالدنيا، لا يمتنع أن يثبت نظيره في الآخرة. وهكذا من أنواع الشفاعة: قوم يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، كما جاء في حديث عكاشة بن محصن، وجاء في حديث أبي هريرة في الصحيحين، وحديث عمران وغيرها من الأحاديث الأخرى. فالشاهد: أن هناك شفاعات أخرى. والله تعالى أعلم.