الصحيح المسند من دلائل النبوة  158

الصحيح المسند من دلائل النبوة 158

الدرس في الصحيح المسند من دلائل النبوة 158، الدرس الثامن والخمسون بعد المائة:من( علامات شتى ... دعونا بأعظم رجل في في الركب وأعظم جمل في الركب وأعظم كفل في الركب فدخل تحته ما يطأطئ رأسه ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

فضائل الأفعال والآداب في الصلاة

يتناول هذا الفصل فضل إنظار المعسر والصلاة في ثوب واحد، ويحذر من البصق في المسجد ويعلم آداب البصق أثناء الصلاة.

توجيهات النبي في الرحلات والتعاملات اليومية

يبرز هذا الفصل توجيهات النبي صلى الله عليه وسلم في التعامل مع البعير وتطييب المساجد والتوضؤ من ماء واحد، ويظهر عظيم خلقه ولين جانبه.

معجزة إطعام الجيش وإظهار نعمة الله

يروي هذا الفصل معجزة إبراز الماء من بين أصابع النبي وإلقاء حوت ضخم على الشاطئ لإطعام الجيش، مما يظهر نعمة الله على عباده.

خاتمة وتأكيد على فوائد الحديث

يشير هذا الفصل إلى أن الحديث يحتوي على فوائد كثيرة ويختتم بالتأكيد على أن الله تعالى أعلم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. قال شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي، رحمه الله تعالى، في كتابه "الصحيح المسند من دلائل النبوة": قال رحمه الله: "علامات شتاء". قال مسلم، رحمه الله: "حدثنا هارون بن معروف ومحمد بن عباد، وتقارب في لفظ الحديث والسياق لهارون، قال: حدثنا حاتم بن إسماعيل عن يعقوب بن مجاهد أبي حرزة عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، قال: خرجت أنا وأبي نطلب العلم في هذا الحي من الأنصار قبل أن يهلكوا، فكان أول من لقينا أبا اليسر، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعه غلام له، وعلى أبي اليسر بردة ومعافري، وعلى غلامه بردة ومعافري". قال له أبي: "يعم، إني أرى في وجهك سفعة من غضب". قال: "أجل، كان لي على فلان بن فلان الحرام مال، فأتيت أهله، فسلمت، فقلت: هل هو موجود؟ قالوا: لا. فخرج علي ابن له جفر -يعني صغير- فقلت له: أين أبوك؟ قال: سمع صوتك فدخل آريكة أمي -يعني اختبأ- والآريك: الكرسي ومحلوب، بمعناه، مما يجلس ويقعد عليه". قال: "فقلت: أخرج إلي؛ فقد علمت أين أنت. فخرج، فقلت: ما حملك على أن اختبأت مني؟ قال: أنا والله أحدثك ثم لا أكذبك؛ خشيت والله أن أحدثك فأكذبك وأنا عائدك -يعني ليس عنده ما يعطيه من حقه-". وهكذا الدين يوقع صاحبه في الحرج. قال: "وكنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكنت والله معسرا". قال: "قلت: آه الله". قال: "الله". قلت: "آه الله". قال: "الله". قلت: "آه الله". قال: "الله". قال: "فأتى بصحيفته، فمحاها بيده، فقال: إن وجدت قضاء فاقضني، وإلا أنت في حل". قال: "فأشهد بصر عيني هاتين -ووضع إصبعيه على عينيه- ومعنى الله -يعني استحلفه ثلاثا- قال: وسمع أذني هاتين -وعاه قلبي هذا- وأشار إلى مناط قلبه -رسول الله صلى الله عليه وسلم- وهو يقول: من أنظر معسرا أو وضع عنه أظله الله في ظله". وفي هذا فضل إنظار المعسر والوضع عنه، إما بعضه وإما كله. قال: "فقلت له: أنا يا عم، لو أنك أخذت بردة غلامك وعطيته معافريك -يعني حتى يكون لباسك أكمل وأجمل- فأنت أخذت شيئا جميلا ومعه شيء ليس بجميل أو ليس بأفضل". قال: "واخذت معافريه وعطيته بردتك". قال: "فكانت عليك حلة وعليه حلة -يعني وإن لم تستوي- فأنت السيد وهذا الغلام". قال: "فمسح رأسي، وقال: اللهم بارك فيه -يعني حين تفطن لهذا الأمر- فعلم أن فيه نباهة وذكاء، فدعا له". قال: "يا ابن أخي، بصر عيني هاتين -أو قال: بصر عيني هاتين- وسمع أذني هاتين ووعاه قلبي هذا -وأشار إلى مناط قلبه- رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يقول: أطعموهم مما تأكلون وألبسوهم مما تلبسون -يعني من تحت أيديكم من العبيد-". قال: "وكان أن أعطيته من متاع الدنيا أهوى علي من أن يأخذ من حسناتي في يوم القيامة". ومعنى أنه عمل بما سمع ورأى من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ووصيته في هذا الباب. وهذا هو الخلق الأفضل والأكمل، ولا يعني أن دونه إثم، لكنه إحطاط. قال: "ثم مضينا حتى أتينا جابر بن عبد الله في مسجده، وهو يصلي في ثوب واحد مجتملا به، فتخطيت القوم حتى جلست بينه وبين القبلة". ومعنى مجتملا: يعني غط الأعلى والأسفل. قال: "فقلت: يرحمك الله، أتصلي في ثوب واحد ورداؤك إلى جنبك؟ فقال بيده في صدر هكذا، وفرق بين أصابعه وقوسها -يعني هكذا فرق وقوس هذا التقويس في صدره-". قال: "أردت أن يدخل علي الأحمق مثلك فيراني كيف أصنع فيصنع مثله -يعني عمدا فعلت ذلك لأجل أن يتعلم الجاهل أن هذا مما رخص وأذن فيه- لأنه صح عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن الصلاة في الثوب الواحد، ولكن جاء في أحاديث أخرى أنه عليه الصلاة والسلام رخص إذا قد غط العاتق أن يصلى بالثوب الواحد". قال: "أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجدنا هذا، وفي يده عرجون بن طاب". والعرجون: هو الجذع الذي يحمل أوراق النخل، يسمى عرجون، يصل بين أوراق النخل، وهي التي تسمى شماريخ؛ لأنها في الحقيقة: ليست أوراقا. ويصل بين جذع النخلة، كما قال الله عز وجل: "حتى عاد كالعرجون القديم". يعني إذا قدم يتقوس وينحف. وهكذا الهلال يكون. وقوله: "ابن طاب": نوع من النخل، تمره طيب، من الأنواع الجيدة من التمر، من تمر المدينة. قال: "فرأى في قبلة المسجد نخامة، فحكها بالعرجون، ثم أقبل علينا، فقال: أيكم يحب أن يعرض الله عنه؟ قال: فخشعنا". ثم قال: "أيكم يحب أن يعرض الله عنه؟ قال: فخشعنا". ثم قال: "أيكم يحب أن يعرض الله عنه؟ قلنا: لا أينا يا رسول الله -يعني لا أحد يحب هذا- وكونهم خشعوا: تأسفوا أن ذلك في المسجد، فهو وقع من أحد المصلين، وتأسفوا كذلك أنه لم يزلها أحد، حتى أزالها رسول الله صلى الله عليه وسلم". قال: "قلنا: لا أينا يا رسول الله -يعني لا أحد يحب ذلك أن يعرض الله عنه- قال: فإن أحدكم إذا قام يصلي فإن الله تبارك وتعالى قبل وجهه، فلا يبصقن قبل وجهه، ولا عن يمينه، وليبصقن عن يساره تحت رجله اليسرى". فإن عجلت به بادرة -يعني إن كانت لا يمكن أن يجعلها في أسفل القدم- قال: "فليقل بثوبه هكذا، ثم طوى ثوبه بعضه على بعض -يعني هكذا يطوي طرف التوب بعضه على بعض هكذا- فيجعلها في طرف توبه، ثم بعد ذلك يغسلها إن شاء". وهذا حين كان مسجده عليه الصلاة والسلام من الحصيب، ليس مثل مساجدنا اليوم من الفرش. فإذا كان المسجد فيه تراب يمكن أن يبصق عن يساره، إذا لم يكن عن يساره أحد، ويدفن هذه التفلة أو البصقة. وأما إذا كان المسجد ليس كذلك كمساجدنا اليوم، فلا شك أنه لا يجوز أن يبصق في المسجد في أي مكان منه؛ لأن ذلك تلويث له، ونحن أمرنا أن نعظم شعائر الله وبيوت الله. قال: "ثم طوى ثوبه بعضه على بعض، فقال: أروني عبيرا". فقام فتى من الحي يشتد إلى أهله، فجاء بخلوق في راحته. والعبير: يعني أي شيء طيب يتناول الطيب، وما دونه مما يكون به التطيب. وفي هذا إشارة إلى أنه إذا لم يمكن الطيب فبغيره تزال الرائحة الكريهة والشيء المستقبح. قال: "فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعله على رأس العرجون -يعني لم يباشر بيده- وفي هذا كذلك الإشارة إلى هذا الأدب في إزالة ما يستقبح، لا يكون بمباشرة اليد إذا أمكن الحائل". ولهذا استحب من استحب من أهل العلم، وهكذا جاءت الأدلة بالجمع بين الحجارة والماء في الاستجمار؛ حتى لا تلامس اليد عين النجاسة. قال: "ثم لطخ به على أثر نخامة، فقال جابر: فمن هناك جعلتم الخلوق في مساجدكم -يعني اتباعا لسنة النبي صلى الله عليه وسلم-". وفيه استحباب تطييب المساجد. قال: "سرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة بطن بواط، وهو يطلب المجدي بن عمر الجهني، وكان الناضح يعقبه من الخمسة والستة والسبعة". فدارت عقبة رجل من الأنصار على ناضح له. ومعنى أنهم يتناوبون على البعير، لكنه البعير الشديد. والبعير الشديد؛ لأن الناضح هو الشديد من الإبل التي تتحمل حمل الماء الذي ينضح به، وقيل: الأنثى إذا اشتدت. فكل المعنيين يقصد منه الشديد الذي يتحمل، وإلا فحتى البعير يحتاج إلى راحة. فإذا كان ضعيفا أو صغيرا فإنه ينبغي أن يجعل له فسحة فيرتاح، ليس كل السفر وهو يحمل على ظهره ما يحمل. قال: "فأناخه فركبه، ثم بعثه، فتلدن عليه بعض التلد". ومعنى تلدن: يعني تتاقل ولبس في مكانه، ما أراد أن يقوم. قال: "له: شأ، لعنك الله". وشأ: كلمة تقال للبعير إذا أريد إثارته وإقامته. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من هذا اللاعن بعيره؟ قال: أنا يا رسول الله". قال: "إنزل عنه، فلا تصحبن بملعون". وهنا قال العلماء: أن هذا حكم شرعي، وقيل: تأديب له وزجر؛ حتى لا يلعن أحد بعيرا ولا غيره من ولد أو مال. قال: "لا تدعو على أنفسكم، ولا تدعو على أولادكم، ولا تدعو على أموالكم، لا توافق من الله ساعة يسأل فيها عطاء فيستجيب لكم". قال: "سرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كانت عشيشية -ومعنى تصغير لعشية: يعني حتى إذا دخل أول العشاء-". قال: "ودنون ماء من مياه العرب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من رجل يتقدمنا فيمدر الحوض فيشرب ويسقينا؟ ومعنى يمدر: يعني يضع المدر والطين في الحوض؛ حتى يجتمع الماء فيشرب الناس وتشرب الإبل ويمسك الماء في هذا الحوض". قال جابر: "فقمت، فقلت: هذا رجل يا رسول الله -يعني أنا- فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي رجل مع جابر؟ فقام جبار بن الصخر، فانطلقنا إلى البئر، فنزعنا في الحوض سجلا أو سجلين، ثم مدرناه -يعني كما تقدم سويناه بالطين- حتى لا يخرج الماء". قال: "ثم نزعنا فيه حتى أفهقناه -يعني ملأناه حتى صار الماء يخرج من أطرافه- قال: فكان أول طالع علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أتأذن أن؟ قلنا: نعم يا رسول الله". وفيه من عظيم خلقه ولين جانبيه عليه الصلاة والسلام. قال: "فأشرع ناقته، فشربت، شنق لها فشجت فبالت". وهذا حال النوق أنها تبول بعد الشرب، وهو كثير في الشتاء. قال: "ثم عدل بها فأناخها، ثم جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحوض، فتوضأ منه، ثم قمت فتوضأت من متوضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم". وفي هذا كذلك موضع من مواضع التبرك بفضل وضوئه عليه الصلاة والسلام. قال: "فذهب جبار بن الصخر يقضي حاجته، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي، وكانت علي بردة ذهبت أن أخالف بين طرفيها فلم تبلغ لي -يعني كانت قصيرة ما استطاع أن يربطها على عنقه فيستر عاتقه بها-". قال: "وكانت لها دباذب -يعني دنادل مثل بعض المعاوز السباعيات التي يأتي لها دنادل في أطرافها وخيوط زائدة- قال: فنكستها، ثم خالفت بين طرفيها، ثم تواقصت عليها -يعني نكستها جعل طرفها إلى الأسفل وطرفها إلى الأعلى حتى يمكن بذلك أن تطول قليلا فيستطيع لف بعض تلك الدنادل على عنقه فتستر طرفه الأعلى أو جسده الأعلى-". قال: "ثم جيت حتى قمت عن يسار رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ بيدي فأدارني حتى أقامني عن يمينه". وفيه مقام المأموم مع الإمام إذا كان واحدا عن يمينه، كما جاءت به الأحاديث الكثيرة. قال: "ثم جاء جبار بن الصخر، فتوضأ، ثم جاء فقام عن يسار رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدينا جميعا، فدفعنا حتى أقامنا خلفه". فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يرمقني وأنا لا أشعر، ثم فطنت به، فقال: "هكذا بيده -يعني شد وسطك-". فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: "يا جابر". قلت: "لبيك يا رسول الله". قال: "إذا كان واسعا فخالف بين طرفيه، وإذا كان ضيقا فاجدده على حقك". وفي هذا كذلك مقام المأموم إذا كان أكثر من واحد من الذكور، فإنهم يكونون خلف الإمام. قال: "سرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان قوت كل رجل منا في كل يوم تمرة، فكان يمصها ثم يصرها في ثوبه -يعني حتى الحبة يقصطها تقصيطا على نفسه حتى يستعين بها ويتنشط في سفره الطويل-". قال: "وكنا نتخبط بقسينا -يعني نضرب على ونخبط على أوراق الأشجار ونأكل- حتى قرحت أشداقنا -يعني تجرحت من كثرة أكل الورق-". قال: "فأقسم أخطئها رجل منا يوما -يعني أقسم رجل أنه لم يعط تمرته- قال: فانطلقنا به ننعشه، فشهدنا أنه لم يعطها، فأعطيها، فقام فأخذها". ويدل كذلك على ما كان من شدة حتى التمرة كان لها عظيم ثمن، وكذلك على ما قد يقع من خطأ في مثل هذه المواقع والوقائع، ويكون بالشهادة إثبات الحق. قال: "سرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلنا واديا أفيحا، فذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقضي حاجته، فاتبعته بإداوة من ماء، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ير شيئا يستتر به". فإذا شجرتان بشاطئ الوادي، فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى إحداهما، فأخذ بغصن من أغصانها، فقال: "انقادي علي بإذن الله". فانقادت معه كالبعير المخشوش الذي يصانع قائده -يعني تنجر بشيء من الثقل- وهذه آية وموضع آخر من مواضع دلائل النبوة وصدق رسالة عليه الصلاة والسلام. قال: "تحرق الشجرة من مكانها، وانجرارها له عليه الصلاة والسلام". قال: "حتى أتى الشجرة الأخرى، فأخذها بغصن من أغصانها، فقال: انقادي علي بإذن الله، فانقادت معه كذلك". قال: "حتى إذا كان بالمنصف مما بينهما -يعني بين الشجرتين- لأما بينهما -يعني جمعهما- فقال: التئما علي بإذن الله، فالتأمتا". واستدل بعض أهل العلم بهذا أن آيات الله ودلائل النبوة تكون بأسباب يجعلها الله ويجعل لها أسبابها. قال: "فخرجت أحضر -مخافة أن يحس رسول الله صلى الله عليه وسلم بقربي فيبتعد- يعني تباعد قليلا حتى لا يؤذي النبي عليه الصلاة والسلام". قال: "وقال محمد بن عباد -يعني الراوي في الحديث كما تقدم أحد رواة الحديث- قال: فجلست أحدث نفسي، فحانك مني لفته، فإذا أنا برسول الله صلى الله عليه وسلم مقبلا، وإذا الشجرتان قد افترقتا". وفي هذا الأدب أنه لا ينبغي مراقبة من يقضي حاجته ولو كان مستترا. قال: "فقامت كل واحدة منهما على ساق -يعني كما كانت- وهذه آية". قال: "فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف وقفة، فقال برأسي هكذا". وأشار أبو إسماعيل برأسي يمينا وشمالا، ثم أقبل. فلما انتهى إلي، قال: "يا جابر، هل رأيت مقامي؟ قلت: نعم يا رسول الله". قال: "فانطلق إلى الشجرتين، فاقطع من كل واحدة منهما غصنا، فأقبل بهما حتى إذا قمت مقامي، فأرسل غصنا عن يمينك وغصنا عن يسارك". قال جابر: "فقمت، فأخذت حجرا، فكسرته وحسرته، فانذلق لي، فأتيت الشجرتين -يعني حتى جعله حادا يمكن أن يقطع به غصن من الشجرة- فقطعت من كل واحدة منهما غصنا، ثم أقبلت أجرهما حتى قمت مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، أرسلت غصنا عن يميني وغصنا عن يساري، ثم لحبته". قلت: "قد فعلت يا رسول الله". فعما ذاك؟ يعني لما فعلت هذا؟ قال: "إني مررت بقبرين يعذبان، فأحببت بشفاعتي أن يرفه عنهما ما دام الغصنان رطبين". وهذا يفسر تحريك النبي صلى الله عليه وسلم رأسه يمينا وشمالا حين مر بذاك الموضع؛ يعني سمع عذابهما، سمع عذابهما، فحرك رأسه يمينا وشمالا متأسفا ومترحما لهما. قال: "فأتينا العسكر". وهل هذا يشمل كل قبر؟ الصحيح لا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أعلم بالغيب، وأطلعه الله على بعض الغيب، فعلم أن هذين الرجلين -أو في هذين القبرين- من يعذب، ففعل ذلك. ففعل الناس بذلك ظنا بأصحاب القبر أو بصاحب القبر، ولم يكن كذلك من سنة الصحابة بعده عليه الصلاة والسلام؛ إذن هو مما خص به؛ لأنه له سبب لا يمكن وجوده عند غيره. قال: "فأتينا العسكر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا جابر، نادي بوضوء". قلت: "وضوء، ألا وضوء، ألا وضوء -يعني هل عندكم ما يتوضأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم-". قال: "قلت: يا رسول الله، ما وجدت في الركب من قطرة". قال: "وكان رجل من الأنصار يبرد لرسول الله صلى الله عليه وسلم الماء في أشجاب له على حمارة من جريد". ومعناه أنه عنده ماء قليل جدا، بقي في هذا الشجيب، وهو من الجلد الذي يبرد به الماء. قال: "فقال لي: انطلق إلى فلان ابن فلان الأنصاري، فانظر هل في أشجابه من شيء؟ قال: فانطلقت إليه، فنظرت فيها، فلم أجد فيها إلا قطرة في عزلاء شجب منها -لو أني أفرغه لشريبه يابسه-". وهكذا الجلد إذا كان في طرفه الأسفل قطرة ماء والأعلى يابس، فإذا أردت أن تصب الماء، فبمروره على اليابس سيشرب ماذا؟ اليابس هذا الماء، فلن يخرج شيء من هذا الشجب. قال: "فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله، إني لم أجد فيها إلا قطرة في عزلاء -يعني في واحدة معتزلة منها- لو أني أفرغه لشريبه يابسه". قال: "اذهب فأتني به". فأخذه بيده، فجعل يتكلم بشيء لا أدري ما هو، ويغمزه بيده -يعني يضع يده في هذا الموضع- وهذا كذلك من التسبب. قال: "ثم أعطانيه، فقال: يا جابر، نادي بجفنة". والجفنة: الوعاء الكبير. قلت: "يا جفنة الركب -يعني هاتوا ما معكم من أوعية كبار-". قال: "فأتيت بها تحمل، فوضعتها بين يديه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال بيده في الجفنة هكذا، فبسطها وفرق بين أصابعه، ثم وضعها في قعر الجفنة، وقال: خذ يا جابر، فصب علي وقل بسم الله". فصببت عليه، وقلت: بسم الله، فرأيت الماء يفور من بين أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم من أثر تلك القطرة، ثم فارت الجفنة ودارت حتى امتلأت -يعني انصب فيها الماء حتى ملأها-". قال: "يا جابر، نادي من كان له حاجة بماء". فأتى الناس، فاستقوا حتى رووا. قال: "فقلت: هل بقي أحد له حاجة؟ فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده من الجفنة وهي ملآة -يعني كأنه لم ينقص منها شيء- وقد أخذ الناس ما أخذوا من الماء وملوا وعيتهم". قال: "وشك الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجوع، فقال: عسى الله أن يطعمكم". فأتينا سيف البحر -يعني ساحله- قال: "فزخر البحر زخرة، فألقى دابة، فأورينا على شقها النار -أو فأورينا على شقها النار- فأطبخنا واشتوينا وأكلنا حتى شبعنا". وهذا كذلك موضع آخر من مواضع التسبب. قال جابر: "وفيه دليل على حل ميتة البحر". قال جابر: "فدخلت أنا وفلان وفلان -حتى عد خمسة- في حجاج عينها -يعني حدود العين ما يراه أحد حتى خرجنا- يعني دخلوا فيها فغابوا، دل أن عينها كبيرة تسع خمسة فتغطيهم". قال: "حتى خرجنا، فأخذنا ضلعا من أضلاعها -أو من أضلاعه الحوت- فقوسناه، ثم دعونا بأعظم رجل في الركب وأعظم جمل في الركب وأعظم كفل في الركب، فدخل تحته ما يطأطئ رأسه -يعني يمر من تحت الظلع وهو راكب على الرحل- ولا يلمس الرأس، فيدل أنه حوت ضخم كبير". أورد شيخنا رحمه الله هذا الحديث الطويل العظيم الذي تضمن عددا من دلائل النبوة، ولهذا قال: "علامات شتى -يعني في حديث واحد طويل-". وقد تناول هذا الحديث فوائد جمة ومسائل عديدة، ومنها ما أشير إليه مما أراده الشيخ رحمه الله من مواضع دلائل النبوة وصدق رسالته عليه الصلاة والسلام. فمن تلك التي مرت معنا: أمر الشجرتين، وأمر كذلك فوران الماء، وكذلك التبرك بفضل وضوئه، وكذلك رؤية جابر من خلفه، وكل ذلك من دلائل نبوته وعلامات صدق رسالته عليه الصلاة والسلام. كما تناول فوائد أخرى كثيرة جمة، يشق ذكر ذلك في هذا المقام اليسير، ولكن يكفينا ما أشير إليه في ثنايا قراءتنا لهذا الحديث، فنكتفي بهذا. والله تعالى أعلم.