الصحيح المسند من دلائل النبوة 174

الصحيح المسند من دلائل النبوة 174

الدرس في الصحيح المسند من دلائل النبوة 174، الدرس الرابع والسبعون بعد المائة:(قال البخاري رحمه الله:حدثنا محمد بن بشار ... بينما هو ليلة يقرأ في مريد وذكر نحو حديث أسيد الذي في البخاري ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

نزول السكينة والملائكة عند قراءة القرآن

يروي قصة نزول السكينة والملائكة عند قراءة القرآن لبراء بن عازب وأسيد بن حضير. هذا يدل على عظمة قراءة القرآن وتأثيرها.

أهمية كرامات الأولياء في إثبات النبوة

يشرح أهمية كرامات الأولياء في إثبات صدق نبوّة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وتأييد الله لهم. هذه الكرامات علامة على الحق.

شرح حديث أسيد بن حضير ودلالاته العملية

يفسر حديث أسيد بن حضير ويبرز دلالاته على فضل الصحابة وحرصهم على العلم والعمل الصالح. يتطرق إلى مسائل متعلقة بقيام الليل وتخفيف الصلاة.

ختام وتحليل لأهم الدروس المستفادة

يختتم بتلخيص أهم المسائل المذكورة ويشير إلى أن ما تم سرده كافٍ. يشدد على أن الله تعالى أعلم بكل شيء.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا عبد الرحمن مقبل ابن هادي الوادعي رحمه الله تعالى في كتابه «الصحيح المسند من دلائل النبوة»: قال البخاري رحمه الله تعالى: حدثني محمد بن بشار، وهو الملقب ببندار لكثرة علمه رحمه الله، قال: حدثنا غندر، وهو محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، وهو أبو بستام أمير المؤمنين في الحديث، قال: عن أبي سحاق، وهو السبيعي، قال: سمعت البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: قرأ رجل ﴿الكهف﴾، وهو في الدار، والدابة -يعني الخيل- وهذا هو الغالب، وقد يكون غيرها، قال: فجعلت تنفر، فسلم، فإذا ضبابة غشيته. ومعنى أنه كان يصلي، فقرأ في صلاته بسورة الكهف. ومعنى الضبابة، أي كالضباب، أي كالضباب، وهو شبيه بالسحاب إلا أنه أخف منه. وجاء في رواية الصحيحين: ضبابة أو سحابة. قال: فذكره للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: اقرأ فلان، فإنها السكينة نزلت للقرآن أو تنزلت للقرآن. قال البخاري رحمه الله: وقال الليث، وهو ابن سعد، قال: حدثني يزيد بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم. قال الشيخ محمد بن إبراهيم: لم يدرك سيد بن حضير، لكن سيأتي إن شاء الله في الإسناد الذي بعده، قال: والمعتمد في وصل الحديث على الطريق الثاني -يعني ما سيأتي إن شاء الله- قال: عن سيد بن حضير رضي الله عنه قال: بينما هو يقرأ من الليل سورة البقرة، وفرسه مربوطة عنده، إذ جالت الفرس، فسكت فسكنت، فقرأ فجالت الفرس، فسكت وسكنت الفرس، ثم قرأ فجالت الفرس. ومعنى جالت، يعني فارت واضطربت، كأنها رأت شيئًا شغلها. قال: فانصرف، وكان ابنه يحيى قريبًا منها -يعني خاف على ابنه رضي الله عنه- قال: فأشفق أن تصيبه -أي بحركتها- وكانت بيوتهم ضيقة، قال: فلما اجتره رفع رأسه إلى السماء حتى ما يراها، قال: فلما أصبح حدث النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: اقرأ يا ابن حضير، اقرأ يا ابن حضير -يعني هذا الفضل والخير لا تتردد فيه، فأنت في خير، ليس شيء يخيفك ولا يضرك- قال: فأشفقت يا رسول الله أن يطأ يحيى، وكان منها قريبًا -يعني الفرس- قال: فرفعت رأسي، فانصرفت إليه، فرفعت رأسي إلى السماء، فإذا مثل الظلة فيها أمثال المصابيح، يحكي للنبي صلى الله عليه وسلم، قال: فخرجت حتى لا أراها. قال: وتدري ما ذاك؟ قال: لا، قال: تلك الملائكة دنت لصوتك، ولو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها لا تتوارى منهم -يعني لو قرأت لأصبح الناس يرونها كما رأيت أنت- قال ابن الهاد: وحدثني هذا الحديث عبد الله بن خباب، عن أبي سعيد الخدري، عن أسيد بن حضير. وفي رواية حديث أبي سعيد عن أسيد بن حضير لم يذكر أبو سعيد رضي الله عنه السورة التي قرأها. ولهذا حمل بعض الحفاظ أن قصة حديث البراء هي نفسها قصة أسيد بن حضير، فيكون هو الرجل الذي ذكر في حديث البراء. وأما ذكر سورة البقرة وهناك سورة الكهف، فبعضهم حملها أنه قرأ السورتين جميعًا، وبعضهم حمل ذلك أنها قصة أخرى له رضي الله عنه. قد أشار الحافظ بن حجر في شرح الحديث إلى أن أسيد بن حضير هو صاحب قصة سورة الكهف. أورد شيخنا رحمه الله هذا الحديث في سياق ذكره لدلائل نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم، وفي الفصل الذي جعله في كرامات بعض أتباع النبي صلى الله عليه وسلم. والشاهد منه أن هذه الآيات أو هذه الكرامات التي وقعت في حق أصحابه رضي الله عنهم أرضاهم هي علامات أنهم على الحق، وأنهم تابعوا نبيًا صادقًا على الحق. ولهذا قال العلماء: كرامات الأولياء هي من علامات آيات الأنبياء، هي من علامات آيات الأنبياء. فكون أتباع النبي صلى الله عليه وسلم يؤتون هذه الكرامات، هذا يدل أنهم أهل حق، وأراد الله عز وجل أن يعزهم بهذا الحق، وأن يظهر الحق الذي وفقوا له، وهو من باب أولى يدل على أنهم اتبعوا نبيًا حقًا وصدقًا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهي علامات على دلائل نبوته وصدق رسالته عليه الصلاة والسلام. وأشار في هذين الحديثين -حديث البراء وحديث سيد بن حضير- إلى هذه الكرامات التي أوتيها بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم. وقد اشتهر معناها بأحاديث منها هذين الحديثين، وما أشار إليه في حديث أبي سعيد الذي قال بعده: وحدثني حسن بن علي الحلواني، وحجاج بن الشاعر، وتقارب في اللفظ، قال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا يزيد بن الهاد، أن عبد الله بن خباب حدثه، أن أبا سعيد الخدري حدثه، أن أسيد بن حضير بينما هو ليلة يقرأ في مربده -والمراد بالمربد الموضع الذي يجفف فيه التمر، يسمى مربدًا لأنه يربد فيه- قال: وذكر نحو حديث أسيد الذي في البخاري. وهذه الأحاديث الثلاثة تدل على هذه الكرامات التي هي من الدلائل على صدق نبوته ورسالته عليه الصلاة والسلام. ففيها إثبات الكرامات لأولئك الصحابة، وفيها كذلك إثبات دلالة النبوة لرسولنا صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما تقدم من باب أولى. وفي هذه الأحاديث الثلاثة مجموعة من المسائل من أهمها ما سبقت الإشارة إليه. ففيه أولًا إثبات كرامات الأولياء على ما دلت عليه أدلة الكتاب والسنة. فكرامة الولي هي ما يكرم بها الولي من معاني التأييد والنصر والرفعة والمكنة في الدنيا، وهي تكون للمؤمن التقي، تكون للمؤمن التقي. ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، الذين آمنوا وكانوا يتقون. فالولي هو المؤمن التقي، وبه نعرف ضلال طائفتين اثنتين ظلت في هذا الباب. طائفة ظلت بإنكار هذه الكرامة كالعقلانية من المعتزلة ومن وافقهم، وطائفة ظلت في الغلو في معنى هذه الكرامة حتى أثبتوها بمعاني فاسدة توسعًا، وحتى استلزم عندهم فيها ما يقتضي الشرك بالله سبحانه وتعالى كالمتصوفة ومن وافقهم. والحق بين هؤلاء وهؤلاء، فكرامات الأولياء دلت على إثبات أدلة الكتاب والسنة وبالمعاني الشرعية الصحيحة. فهي ما يكون فيه معنى التأييد، وكذلك ظهور الحق لصاحب هذه الكرامة وما هو عليه، فهي تكون علامة على الحق الذي هو عليه، يؤيده الله بها في الدنيا، وهي بإذن الله من عاجل بشراه في كرامته بالدار الآخرة، وهي لا تكون إلا للمؤمن التقي، لا تكون إلا للمؤمن التقي. فلا إفراط ولا تفريط في هذا الباب. وأما دلائل الأنبياء فقد مر معنا في دروس سابقة في هذا الكتاب ما يدل على معناها. وهكذا كذلك في هذا الحديث من المسائل فضل أسيد بن حضير رضي الله عنه أرضاه. وأسيد بن حضير هو أحد خيار الصحابة من الأنصار، فقد كان أحد النقباء، وكانوا اثني عشر نقيبًا، تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس. والنقباء هم الذين بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم قبل الهجرة، وكانت هذه البيعة في ليلة العقبة، العقبة الأولى والعقبة الثانية. وكانت العقبة الأولى قبل الهجرة بسنة وبضعة أشهر، وكانت العقبة الثانية بعد الأولى بسنة، وكانت قبل الهجرة ببضعة أشهر، قيل ثلاثة أشهر، بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على نصرة وتأييده، وما جاء معناه في سورة الممتحنة. وفيه من المسائل كذلك إثبات هذا المعنى من نزول الملائكة وتعظيمها لكلام الله عز وجل، وحصول مثل هذه الآيات، ولا مانع أن يتكرر مثله لمن بعدهم رضي الله عنهم وأرضاهم. وفيه من المسائل تعظيم القرآن كلام الله سبحانه وتعالى، فلعظمته تخضع له المخلوقات، حتى تكون مثل هذه المعاني التي يدل على عظمة كلام الله سبحانه وتعالى. وفيه من المسائل فضل الصحابة رضي الله تعالى عنهم وحرصهم على العلم النافع والعمل الصالح. وهكذا ينبغي أن يكون المؤمن، فالمؤمن الحقيقي هو الذي يعمل بإيمانه. ولهذا قالوا: الكرامة تكون للمؤمن التقي. أما كرامات المتصوفة فهي عندهم يجعلونها للمشعودين والسحرة ومن هو بعيد عن العمل بمعنى الإيمان. وهذا الحديث يدل أن هذه الكرامة حصلت بكمال علمهم وكذلك عظيم عملهم، فهذا قليل من كثير مما كان من عملهم رضي الله عنهم أرضاهم، كما قال الله عز وجل في وصفهم فيما يتعلق بهذا المعنى: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾، وغيرها من الآيات في هذا الباب. وفيه فضل قيام الليل، وفيه كذلك أهمية كذلك مراجعة القرآن لحافظه، وأن من أحسن ما تحصل به المراجعة والتلاوة هو صلاة الليل. وفيه كذلك من المسائل جواز صلاة الليل إلى الفجر، لقوله: «ولو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليك»، ولا ينافيه قول النبي صلى الله عليه وسلم لحديث عبد الله بن عمر: «نم نصفه وقم ثلثه، ثم نم سدسه». فمعناه نم ثلثي الليل وقم ثلثه، فإن السدس مع النصف يساوي ثلثين، فلا ينافيه، لكن فيه أن هذا هو الأفضل والأكمل أن يجعل الإنسان إذا علم أنه لا يمنعه هذا ولا يثقله عن صلاة الفجر أن يختم صلاة الليل براحة يسيرة قبل الفجر، كما جاء معناه في الأحاديث الأخرى. أن المؤذن يؤذن بالأذان الأول ليقوم النائم ويرتاح القائم، ليقوم النائم ويرتاح القائم، هذه هي سنة النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب، وهذا الأفضل والأكمل. ولا مانع أن يحصل خلاف هذا كما أشير إليه في هذا الحديث بأن يستمر في قيامه إلى الإصباح. وفيه من المسائل كذلك جواز تخفيف الصلاة للمصلحة الدينية والدنيوية. فظاهر الحديث أنه انصرف من صلاته، إما بأنه خففها أو قطعها، والغالب الأول لأجل خوفه على ولده. ومما أشار إليه العلماء وتتم به الفائدة ما ذكروه من أن يحيى ابن أسيد بن حضير الذي كني به رضي الله عنه أرضاه توفي، حتى أن أسيدًا قيل: إنه لم يكن له عاقب بعده، رضي الله عنهم جميعًا وأرضاهم. وفي هذا إشارة إلى ما أشار إليه العلماء وكذلك وقوع معنى ذلك، ولله الحكمة في هذا، أنه لا حذر مع قدر، ما حرصه على ولده رضي الله عنه إلا أنه مات عليه بغير هذا السبب، ولله الحكمة البالغة في هذا. هذا خلاصة ما يذكر في هذا الحديث مما يظن أنه أهم مسائله، وبه نكتفي، والله تعالى أعلم.