الدرس في التقريرات السنية على المنظومة البيقونية 58، تابع الحديث الـمدبـج . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
رواية الأقران هي رواية الرواة المتقاربين في السن أو الإسناد عن شيخ واحد أو مشايخ في طبقة واحدة، وتنقسم إلى قسمين: المدبج وغير المدبج. المدبج هو أن يروي القرينان كل واحد منهما عن الآخر.
الحديث المدبج يُشتق من ديباجتي الوجه، ويُقصد به التزيين والحسن في الإسناد، إما لاجتماع قرينين أو لأحد الوجهين الترجيحيين في الرواية. يُرجح أن يكون التدبيج مدحًا للإسناد المتساوي أو المرجح بوجوه معينة.
المدبج هو أن يروي كل من راويين متقدمين أو متقاربين في الطبقة عن الآخر، مثل رواية عائشة وأبي هريرة عن بعضهما. فائدته تجنب الظن بوجود خطأ في السند أو في استخدام "عن" للدلالة على الرواية.
اعترض الحافظ العراقي على تمثيل ابن الصلاح للحديث المدبج، مشيرا إلى أن المثال المذكور ليس صحيحا لأنه من القسم الأول من المدبج. العراقي أشار إلى أن مسعر روى أيضا عن سليمان التيمي.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال المعلق رحمه الله تعالى: قال الأقران هم الرواة المتقاربون في السن والإسناد، وربما اكتفى الحاكم أبو عبد الله فيه بالتقارب في الإسناد وإن لم يوجد التقارب في السن. ومعنى التقارب في الإسناد أن تكون مرتبتهما متقاربة، بأن يروي كل منهما عن شيخ واحد أو عن مشائخ في طبقة واحدة. قال: وأما قوله وإن لم يوجد التقارب في السن، يعني ولو كان أحدهما كبيرا والآخر صغيرا، أي في السن، ما دام التقارب وجد في كونهما من أهل طبقة واحدة يرويان عن شيخ واحد يشتركان في شيخ أو في مشايخ في طبقة واحدة. اعلم أن رواية القرين عن القرين تنقسم إلى قسمين: المدبج وغير المدبج. المدبج: وهو أن يروي القرينان كل واحد منهما عن الآخر. قال الحافظ العراقي: ما المناسبة المقتضية لتسمية هذا النوع بالمدبج؟ ومن أي شيء اشتقاقه؟ قال: ولم أر من تعرض لذلك، إلا أن الظاهر أنه سمي بذلك لحسنه، فإن المدبج لغة هو المزين. قال: وديباجة الوجه حسن بشرته، ومنه تسمية ابن مسعود الحواميم ديباج القرآن، يعني محاسنه لقصر آياته، وكذلك اجتمالها على المعاني العظيمة مع القوافي. قال: وإذا كان هذا منه، يعني أن الحديث المدبج مأخوذ من المعنى التزيين والحسن، فإن الإسناد الذي يجتمع فيه قرينان أو أحدهما أكبر والآخر من رواية الأصاغر عن الأكابر، إنما يقع ذلك غالبا فيما إذا كان عالمين أو حافظين أو فيهما أو في أحدهما نوع من وجوه الترجيح. قال: ويحتمل أن يقال أن القرينين الواقعين في المدبج في طبقة واحدة بمنزلة واحدة، فشبها بالخدين، فإن الخدين يقال لهم الديباجتان. قال: وجزم بهذا المأخذ في شرح النخبة، فإنه قال: لو روى الشيخ عن تلميذه، فهل يسمى مدبجا؟ فيه بحث، والظاهر لا، لأنه من رواية الأكابر عن الأصاغر، والتدبيج مأخوذ من ديباجتي الوجه، فيقتضي أن يكون مستويا من الجانبين. قال: ويحتمل الثالث أنه سمي بذلك لنزول الإسناد، فإنهما إن كان قرينين نزل كل منهم درجة، وإن كان من رواية الأكابر عن الأصاغر نزل درجتين. قال: وقد روين عن يحيى بن معين قال: الإسناد النازل قرحة في الوجه، وروين عن علي بن المديني وأبي عمر المستملي قال: النزول شؤم. قال: فعلى هذا لا يكون المدبج مدحا له، ويكون ذلك من قولهم رجل مدبج قبيح الوجه والهامة. قال: والظاهر أنه إنما هو مدح لهذا النوع، يكون من الاحتمال الثاني، والله أعلم. قال: مثاله في الصحابة عائشة وأبو هريرة رضي الله عنهما، روى كل واحد منهما عن الآخر. قال: وفي التابعين رواية الزهري عن عمر بن عبد العزيز، ورواية عمر عن الزهري. قال: وفي أتباع التابعين رواية مالك عن الأوزاعي، ورواية الأوزاعي عن مالك. قال: فائدته: ينبغي أن يعتنى بمعرفة هذا النوع، فإن لمعرفته فائدة عظيمة، منها ألا يتوهم الناظر في الحديث من هذا النوع أن ذكر أحد المتقارنين قد وقع في السند خطأ من أحد الرواة. قال: ومنها ألا يفهم أن «عن» التي تذكر أحيانا بين الراوي والمروي عنه قد ذكرت خطأ، وأن صوابها والعطف التي تدل على أنه مشترك في كون كل منهما قد حدث. قال: وقد ألف الحافظ الدارقطني في المدبج كتابا حافلا، فيه مجموعة كبيرة من الحديث فيها معنى المدبج. قال: وهو أول من سماه بذلك، ولكنه لم يتقيد في ذلك بكونهما قرينين، بل كل راويين روى كل واحد منهما عن الآخر فهو تدبيج عنده. قال: ثانيا غير المدبج، وهو أن يروي أحد القرينين عن الآخر ولا يروي الآخر عنه. قال: ومثاله رواية زائدة بن قدامة عن زهير بن معاوية، ولا يعلم لزهير رواية عنه. قال: فكل مدبج رواية أقران، وليس كل رواية أقران مدبج، واضح بينهما عموم وخصوص. قال: قد مثل ابن الصلاح لغير المدبج برواية سليمان التيمي عن مسعر، ولا نعلم لمسعر رواية عن التيمي. قال: واعترض على هذا التمثيل الحافظ العراقي في نكته على ابن الصلاح، فقال: إن هذا المثال ليس بصحيح، وهو من القسم الأول أي المدبج. قال: فقد روى مسعر أيضا عن سليمان التيمي، كما ذكره الدارقطني في كتاب المدبج. وبهذا نكون قد انتهينا من هذا النوع من أنواع الحديث. والله تعالى أعلم.