الدرس في القواعد والأصول الجامعة 94، الدرس الرابع والتسعون: من (القاعدة الثانية والخمسون ... لهذا الظاهر والقرينة على غيرها ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
تنص القاعدة الشرعية على تقديم القرائن القوية على الأصل عند التعارض، وتظهر تطبيقاتها في الشهادات والأحكام الشرعية. الأمثلة تشمل شهادة العدلين وتأثيرها على الأحكام.
يتم تناول أربع حالات للتعارض بين الأصل والظاهر في الأحكام الشرعية، حيث يشرح كيفية التعامل معها وفقًا للقواعد والأحكام الفقهية. يشمل ذلك قبول قول الأمين وإخبار المسلم الثقة.
ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية إلى الرجوع إلى العادة في مسائل الشك، مثل النفقة والشك في طلوع الفجر، ويعتبر هذا المذهب أعدل الأقوال. يتم التفصيل حسب العرف والقرائن الموجودة.
تم توضيح الصواب في المسألة التفصيلية، وأشير إلى استكمال ما تبقى في الدرس اللاحق. يمثل هذا ختامًا للدرس الحالي.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى: القاعدة الثانية والخمسون: «إذا قويت القرائن قدمت على الأصل». قال: وهذا أصل نافع، وهو أن القرائن التي تحتف بالأحكام قد تقوى فتقدم على الأصل. ولهذا أمثلة، لنأخذ شيئًا يسيرًا في بداية هذه القاعدة، وذلك أن نتعارض الأصل مع القرائن أو نقول مع الظاهر، لها أحوال. فمن هذه الأحوال أن يتعارض الأصل بالظاهر، يوجد تقديم الظاهر على هذا الأصل، وذلك إذا احتف بهذا الظاهر شيء من القرائن التي تقوي الظاهر على الأصل. ومثل له بالشهادة، شهادة العدلين الذين هما خاليين من الموانع وكاملي صفات الشهادة، بدين على إنسان، مع أن الأصل براءة هذا الإنسان من الدين. فالأصل هي الأصل براءة، لكن خرجنا عن هذا الأصل بهذا الظاهر من الشهادة، لوجود القرائن القوية التي تؤكد ذلك، وهو شهادة العدلين الكاملين الخاليين من الموانع. وهكذا كذلك خصوصًا إذا وجدت قرينة أخرى تؤكد هذه الشهادة، مثل أن يكون مدعي الدين لم يعرف بفساد، وليس فيه مضنة التهمة، وكان كذلك العكس في نافي الدين، ما يوجب تصديق ثبوت الدين عليه، إما من اجتهاره بالتدين أو غير ذلك من القرائن. فهذه القرائن كلها تخرج الإنسان عن هذا الأصل إلى هذا الظاهر. وأحيانًا لا يلتفت إلى الأصل إذا كان هذا الأصل معه شيء من الشك، مثلًا رجل شك بأنه لم يأت بركن من أركان الصلاة بعد انتهائه من الصلاة، فهنا نقول: الأصل بقاء ما كان على ما كان انتقل الأصل الآن، لأن الأصل صحيح أن الأصل هو العدم، عدم الإتيان بالفعل، لكن ما دام أنه انتهى من صلاته، والأصل العكس، أن المسلم إذا انتهى من صلاته فقد انتهى منها تامة كاملة، فهو في نهايتها فالأصل بقاء ما كان على ما كان. وهكذا كذلك له صور كثيرة. والحالة الثانية من أحوال التعارض، وبمعرفة هذه الأحوال نستطيع أن نعرف أقسام هذه القاعدة وأحوالها. قلنا: الحالة الثانية من أحوال التعارض أن يعارض الأصل الظاهر المحتف بغلبة الظن، فهنا إذا عورض الأصل بالظاهر المحتف بغلبة الظن، يعني ليست حوله قرائن كثيرة، ولكن غلبة الظن. مثل قول الأمين في تلف المال، قول الأمين في تلف المال، فالأصل أن قوله مصدق، وهو محسن، والله يقول: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾. صحيح أن الأصل أن هذه الأمانة تلزمه، والأصل بقاؤها في ذمته، لكن إذا أتى الأمين بما يدل على أنه لم يفرط في هذا المال، فالأصل قبول قوله. وهنا نعمل بغلبة الظن ونخرج عن هذا الأصل، وهو أخف من الذي قبله. ومثله كذلك إخبار المسلم الخبير الثقة بغروب الشمس، مع ظهور علامات الغروب بما يغلب على الظن تصديق خبره. وهنا كذلك بغلبة الظن نقبل خبر هذا المسلم. ومنه أذان المؤذن، فإن الأصل أن أذان المؤذن في الوقت الصحيح بمن عرف أنه يتحرى. والحالة الثالثة من أحوال تعارض الأصل مع الظاهر ما يكون محل شك، ما يكون محل شك، وذلك إذا استوى التعارض بين الأصل والظاهر. مثاله مسألة طهارة الأرض النجسة بالجفاف والشمس والريح، فإن الأصل هو بقاء وصف النجاسة في هذه الأرض الذي استيقنا وقوع النجاسة فيها، لكن لما زال أثر النجاسة، لا يوجد لون ولا يوجد ريح ولا يوجد طعم، فليس هناك أثر للنجاسة، مع استيقانك أن هذا المكان وقعت فيه نجاسة، فهل نقول بطهارة هذه الأرض أو لا نقول؟ ذهب جماعة من أهل العلم بأنهم يقولون أن الأرض طهرت، فقيل لهم: ما هو المطهر؟ قالوا: التشميس والريح والجفاف، والحكم يدور مع العلة وجودًا وعدمًا. وذهب آخرون إلى أن الأرض على أصل النجاسة، فإذا ثبت حكم النجاسة فلا نزول عنه إلا بيقين. وتوقف قوم، وكان الإمام أحمد رحمه الله ممن يتوقف في هذه المسألة، لأنها محل شك. وهذا هو الأحوط، لأن أصل النجاسة ثبت بيقين، وإن كان أثرها لا يرى، فالأحوط التوقف في هذه المسألة، إلا إن أراد أن يخرج نفسه من الشك بأن يصب عليه ذنوبًا من ماء كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام، فهذا هو الأسلم والأحوط. المسألة الرابعة أو الحالة الرابعة من أحوال التعارض تعارض الأصل مع الظاهر هو ما يكون محل إشكال، والصحيح فيه التفصيل. فإذا تعارض الأصل مع القرائن، وكان لهذه القرائن عرف تتنازعه أوجه، فعند ذلك اختلف العلماء. مثاله: ادعت امرأة أن زوجها لا ينفق عليها، وادعى الزوج أنه ينفق على زوجته. وهنا اختلف أهل العلم، قال بعض أهل العلم: يعمل بالأصل، وهو أنه ينفق عليها ما دامت في بيته. وذهب بعض أهل العلم إلى القول بأن قولها يقبل مع يمينها. وذهب بعض أهل العلم إلى الرجوع إلى العادة والتفصيل، وهذا مذهب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، الرجوع إلى العادة والتفصيل، يعني ليس دائمًا القول قول الزوج، وليس دائمًا القول قول المرأة في مثل هذه القضية، لأن لمثلي هذا عادة وعرف. فإن جرت العادة أن المرأة عندها ما تنفق به على نفسها ولو كانت في بيت زوجها، فهنا نقول للزوج: أثبت أنك تنفق على هذه المرأة، ونقول للمرأة: قولها يقبل مع اليمين، البينة على المدعي واليمين على من أنكر. وإن كان العرف يرجح قول الزوج قبل قوله، وقيل للمرأة: ايتي بالبينة. لأن الأصل في العرف يقضي بأن الزوج ما دامت زوجته في بيته فهو ينفق عليها. وهذا القول الذي ذهب إليه شيخ الإسلام رحمه الله هو أعدل الأقوال في هذه المسألة، وهو الذي يوافق كذلك عادة الناس، والله تعالى أعلم. وهكذا كذلك منه من شك في طلوع الفجر بوجود قرائن، وجد قرائن تدل على أن الفجر طلع، لكنه شاك غير متأكد، فهنا ماذا نقول؟ هل الأصل العدم حتى يتبين أم لا؟ فالجواب: إذا شك فهنا ينظر إلى الصحيح التفصيل، لا نقول أنه دائمًا يكون الصواب في عدم قبول هذه القرائن ووجوب التبين، لأن الله عز وجل أمر به: ﴿فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ يعني يحصل غاية الاتضاح وعدم الشك. وكذلك لا يقال: أنه لا يعمل بالقرائن ويقال أن الفجر قد طلع، فإذن يرجع بذلك إلى العرف، فيفصل في المسألة. فإن كانت القرائن بالعرف تدل على أنها قوية، مثل أن المؤذن معروف بالاحتياط والتحري والحرص على السنة، فمثل هذا القرائن تدل أن أذانه أذان صحيح، ولو رأيت أنت فيما ترى أن الفجر لم يطلع. أحيانًا الإنسان يشك، صحيح يصل في بعض البلاد يظن أن الفجر لم يطلع، ويرى المؤذن السني يؤذن، فهل يأخذ بعلمه أم بعلم المؤذن؟ الجواب: في مثل هذه الحالة يأخذ بعلم المؤذن، ما دام يثق بديانته وبسنيته وبحرصه، فإنه يأخذ بقوله، وهذا أسلم من أن يأخذ بقول نفسه، لأنه غريب على هذه البلاد، فربما فيها من الأشياء ما لا يعرفها فيكون مخطئًا بذلك. وهكذا العكس إذا كان المؤذن لا يعرف عنده بتثبت، ورأى من القرائن ما يدل أن الفجر لم يطلع بعد، فإنه في هذه الحال عليه أن يعمل بما أمره الله حتى يتبين، يعني يستيقن دخول الفجر. وهذا هو الصواب في هذه المسألة التفصيل. طيب نكتفي بهذا ونكمل ما تبقى في درس اللاحق، والله تعالى أعلم.