الدرس في القواعد والأصول الجامعة 78، الدرس الثامن والسبعون : من : ( ومن حلف عدة أيمان ... وجب عليه كفارات لكل واحدة منها إذا حنث والله أعلم ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول حكم تعدد الكفارة عند الحلف على شيء واحد والحنث عدة مرات، حيث تكفي كفارة واحدة. يُوضح أن تكرار الحلف على نفس الشيء لا يستوجب تكرار الكفارة.
يشرح حكم الحلف على أشياء متعددة، حيث يُفرق بين الحلف على أشياء مقترنة أو متباينة المقاصد، ويُبين أن لكل حلف كفارة مستقلة إذا كانت الأيمان مختلفة المقاصد.
يتناول تفاصيل كفارة اليمين عند تكرار الحنث بسبب واحد أو أسباب متعددة، ويُوضح أن تكرار الحلف بسبب واحد مع الحنث يستوجب كفارة واحدة.
يشرح تأثير تكرار الحلف بسبب واحد أو أسباب مختلفة على وجوب الكفارة، ويُبين أن تكرار الحلف بسبب جديد بعد كفارة سابقة يستوجب كفارة جديدة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. مر معنا في الدرس الماضي الكلام على قاعدة اجتماع العبادات وتداخلها بعضها ببعض، وأخذنا في العبادات بعض الأمثلة، وعلمنا أن لصحة تداخل العبادة بعضها ببعض شروط. من هذه الشروط: أن يكون أحدهما ليس مقصودًا لذاته. قال رحمه الله تعالى: «ومن حلف عدة أيمان على شيء واحد وحنث فيه عدة مرات قبل التكفير، أجزأه كفارة واحدة عن الجميع». والآن انتقل من باب العبادات إلى باب المعاملات، والأيمان فيها معنى العبادة، وفيها كذلك بما يكون من الحلف عليه شيء من المعاملات. فيقول: إذا حلف عدة أيمان على شيء واحد، ولاحظ قوله «على شيء واحد»، يعني لم ينو العدد وإنما نوى الجنس. قال: «وحنث فيه عدة مرات قبل التكفير، أجزأته أو أجزأه كفارة واحدة عن الجميع». قال: مثلا «والله لا أدخل بيت فلان، والله لا أدخل بيت فلان»، حلف أن لا يدخل بيت فلان، ثم دخل مرة ومرتين وثلاث وأربع وخمس وعشر وعشرين، هل تجب عليه عشرين كفارة؟ الجواب: لا، ما تجب عليه عشرين كفارة، بل كفارة واحدة، ما دام أنه نوى في حلفه جنس الدخول. بخلاف ما إذا نوى العدد، فإذا نوى العدد فإنما الأعمال بالنيات. ولهذا قال: «على شيء واحد»، يعني أراد ذاك العمل جنس ذاك العمل. قال: «فإن كان الحليف على شيئين فأكثر وحنث في الجميع، فكذلك على المشهور من المذهب». واختار الشيخ تقي الدين في هذه المسألة الأخيرة أن الكفارة تتعدد بتعدد المحلوف عليه. قال: «وأما إذا كانت الكفارات متباينة مقاصدها...». طيب، هذه مسألة ثالثة. ننظر أولًا المسألة الثانية. يقول: «فإذا كان الحليف على شيئين فأكثر وحنث في الجميع». وفي الحقيقة هذه المسألة لها صور: أن يحلف على شيئين مقترنين، وأن يحلف على شيئين مفترقين. الأول صورة، والثاني صورة. مثاله: يقول «والله لا أدخل بيت فلان ولا آكل من طعامه». انظر: لا أدخل بيت فلان ولا آكل من طعامه، حلف على شيئين. فهنا إذا حلف على شيئين مقترنين، فالصحيح أن فيها كفارة واحدة؛ لأن الثاني هو تبع للأول، والنية وقعت على عدم قربان هذا الرجل، البيت والطعام، هذا الغالب. فإذا كان كذلك، ففيه كفارة واحدة. وصورة أخرى أن يحلف على شيئين مفترقين غير مقترنين، يحلف على شيئين مفترقين. مثاله: «والله لا أدخل بيت عمر ولا بيت زيد»، إذن حلف أنه لا أدخل بيت عمر ولا أدخل بيت زيد. فإذا دخل بيت عمر وبيت زيد، ففي دخوله بيت عمر كفارة، وفي دخوله ببيت زيد كفارة أخرى. وهذا هو الصحيح كما رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وما أشار إليه المؤلف رحمه الله تعالى. فخلصنا بهذا أنه إذا حلف على شيئين فأكثر، فإن كان هذا الشيء فأكثر مقترنًا بعضه ببعض، ففيه كفارة واحدة. وإن كان غير مقترن بعضه ببعض، فلكل واحد كفارة. وهذا التفصيل هو الذي تدل عليه عمومات الأدلة، وعموم قوله عليه الصلاة والسلام: «إنما الأعمال بالنيات». ثم قال رحمه الله تعالى: طيب، إذا قال قائل: الأصل أنه حلف على شيء متعدد، فلماذا نقول في الصورة الأولى كفارة واحدة؟ نقول: في الصورة الأولى كفارة واحدة ولو كان اليمين وقع على شيئين؛ لأن الشيئين متلازمين، ولأن النية وقعت على عمل يدخل بعضه ببعض. وفي الحديث: «إنما الأعمال بالنيات». وأما إذا كان مفترقين، فنعم، فهو عمل متعدد، ونية متعددة تستلزم كفارة متعددة ومختلفة لكل عمل كفارة. قال رحمه الله: «وأما إذا كانت الكفارات متباينة مقاصدها، ككفارة ظهار...». ككفارة ظهار ويمين بالله، أو للوطأ في نهار رمضان، وجب عليه كفارات لكل واحد منها إذا حنث. والله أعلم. إذا كانت كفارات متباينة مقاصدها، يعني كل واحدة غير مرتبطة بالأخرى، كل واحد له سببه الخاص، وله كذلك حكمه الخاص. فكفارة الظهار سببه ماذا؟ وقوع الرجل في حكم الظهار، كان يقول لزوجته: «أنت علي كظهر أمي»، فتجب عليه كفارة الظهار. أو يمين بالله كفارة يمين، أو وطأ في نهار رمضان كفارة وطأ في نهار رمضان، كفارة المجامع في نهار رمضان له كفارة. طيب، هذه كفارة، وهذه كفارة، وهذه كفارة، هل تدخل بعضها ببعض؟ الجواب: لا، ما يدخل بعضها ببعض، كل واحد له حكمه الخاص. وهذا قوله رحمه الله: «وجب عليه كفارات لكل واحد منها إذا حنث». كل واحد له حكم خاص، كفارة الظهار على حكمها، واليمين على حكمها، والمجامع في نهار رمضان على حكمه. قال: «إذا حنث»، يعني إذا وقع منه ما ينافي هذا الفعل، سواء الظهار أو اليمين أو الوطأ في نهار رمضان. وبهذا تكون انتهت القاعدة، بقيت مسائل أخرى نتركها إن شاء الله إلى الدرس اللاحق. في شيء بهذا؟ نعم، إذا حلف، فإن كان الحلف على شيئين فأكثر، أو حلف عدة أيمان على شيء واحد، نعم يدخل معه إذا كان نفس العمل. يعني الآن هذه صورة أخرى. صورة إذا حلف يمين واحد وحنث مرات، مثل ما مثلنا. والصورة الثانية إذا حلف عدة أيمان، كان يقول: «والله لا أدخل بيت فلان»، ثم حلف مرة أخرى «والله لا أدخل بيت فلان»، كرر، ثم حنث في ذلك. هنا يفصل بهذه المسألة: إن كان الحلف متكرر لأسباب متعددة، فكل سبب وقع فيه الحنث وجبت فيه كفارة، ولو لم يكفر إلا في الأخير. فكل سبب وقع فيه الحنث وجبت فيه كفارة أخرى. بخلاف إذا كانت الأيمان متعددة والحنث متعدد لسبب واحد، فإن فيه كفارة واحدة. مثلا حلف أن لا يدخل بيت فلان؛ لأن فلان هذا مثلا أغضب أحد أبنائه في سبب من الأسباب، فلأجل هذا حلف أن لا يدخل بيت فلان، ثم حلف مرة أخرى ومرة ثالثة ورابعة وخامسة، ثم دخل مرات كثيرة، فهل تجب عليه كفارات؟ الجواب: لا، سبب واحد، ولو تعددت الأيمان، ولو تعدد الحنث، ففيه كفارة واحدة. وإذا كان السبب متعدد، حلف أن لا يدخل لأجل هذا السبب، وحلف أن لا يدخل لأجل سبب آخر، إما أنه أغضبه شخصيا أو أنه أخر عليه شيء أو غير ذلك، ثم سبب ثالث، سبب رابع، فكلما تعددت الأسباب صار شيئا جديدا؛ لأنه أنشأ له حلف جديد بنية جديدة. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إنما الأعمال بالنيات». تبقى الآن صورة ثالثة: إذا كانت الأسباب متعددة، أو الأول أما إذا كانت الأسباب متعددة فلا إشكال، إذا تعددت الأسباب تعددت الكفارات. لكن إذا كان السبب واحد، ولكن وقعت منه أيمان مع حنث متعاقب، يعني مثلا حلف يمين، ثم حنث، رجع فدخل، ثم حلف يمين مرة أخرى، ثم دخل، ثم حلف يمين مرة أخرى، ثم دخل، فهل تجب فيه كفارة واحدة؟ فيها قولان، والصحيح أن فيه كفارة واحدة. وإذا كفر، ففي كل مرة يخالف عليه كفارة أخرى. واضح، يعني مثلا حلف أن لا يدخل بيته فلان لنفس السبب، دخل فكفر عن يمينه، ثم حلف مرة أخرى أن لا يدخل بيته فلان، ثم دخل، فهل يكفر مرة أخرى؟ أو تجزئ الكفارة السابقة؟ الجواب: لا، ما تجزئ الكفارة السابقة، لكن تلزمه هنا كفارة جديدة. وأما إذا وقع ذلك كله قبل، فتجزئه كفارة واحدة، ما دام السبب واحد. والله تعالى أعلم.