كتاب الحج 64

كتاب الحج 64

الدرس في كتاب الحج 64، الدرس الرابع والستون : من : (آداب الزيارة ... ومنهم حمزة بن عبدالمطلب رضي الله عنه ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

حكم شد الرحال إلى المسجد النبوي وزيارته

يشرع شد الرحال إلى المسجد النبوي للصلاة فيه لأنها مضاعفة، ولا يجوز شد الرحال إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم. الصلاة في المسجد النبوي أفضل من ألف صلاة في غيره إلا المسجد الحرام.

آداب زيارة المسجد النبوي والسلام على النبي

يستحب للزائر تقديم رجله اليمنى عند الدخول والدعاء، ثم يصلي ركعتين في الروضة، ويزور قبر النبي وصاحبيه بأدب وخفض صوت، ويُسلّم عليه.

زيارة قبور النبي وصاحبيه وآدابها

تزار الحجرة النبوية بسلام دون تخصيص دعاء معين، وهناك خلاف حول زيارة النساء للقبور وترجيح عدم زيارتهن لها لما فيه من فتنة.

فضل زيارة مسجد قبا وأحد

يستحب زيارة مسجد قبا كل أسبوع كما كان يفعل النبي، كما يُستحب زيارة شهداء أحد والدعاء لهم والترضي عنهم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. قال الشارح رحمه الله تعالى: قال أدب الزيارة. قال: المسافر إلى المدينة المنورة لقصد العبادة يشرع له أن يقصد بسفره إليها زيارة المسجد النبوي الشريف وعبادة الله تعالى فيه. ومعنى يشرع: يعني يجوز، وقد يستحب لما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد»، وسيأتي إن شاء الله. قال رحمه الله تعالى: يقصد بسفره إليها زيارة المسجد النبوي الشريف. وقوله: يقصد بسفره إليها زيارة المسجد، تصحيح وتنبيه إلى من يقصد بسفره إلى قبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهذا خطأ، فلا يجوز شد الرحل إلى قبر من القبور، يعني السفر، وإن شاء السفر بهذه النية ولو كان قبر النبي عليه الصلاة والسلام. ولا بأس أن تقصد بالزيارة المسجد، ثم تبعًا يكون زيارة قبر النبي عليه الصلاة والسلام، وفرق بين المسألتين. قال رحمه الله تعالى: لأنه المسجد الثاني في الفضل ومضاعفة العبادة. والدليل على ذلك ما جاء بحديث عبد الله بن الزبير رضي الله عنه إذ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام». رواه أحمد، وصححه ابن حبان، وأصله في الصحيح كما أشار. قال رحمه الله: هذا هو القصد المسنون شرعًا، وليس زيارة قبره الشريف، لأنه نص في الحديث الذي رواه البخاري أن الزيارة للمسجد، وذلك في قوله: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد هذا، والمسجد الأقصى». بل لو كان مسجدًا غير هذه المساجد الثلاثة ما جاز أن يشد الرحل إليه بسفر، ما جاز ذلك. وقد صح أن بعض الصحابة أراد أن يسافر أو سافر إلى بعض المساجد في الشام، فلقي بعض من سمع من النبي عليه الصلاة والسلام هذا الحديث، فقال: أما إني لو علمت لما تركت فتسافر، ثم ذكر له هذا الحديث، فيدل أن فهم السلف أن معنى الحديث الحصر، فلا تشد الرحال أي بسفر على وجه التعبد إلا إلى هذه المساجد الثلاثة، فلا تجوز إلى أي بقعة أخرى، لا قبر ولا مسجد ولا غير ذلك، إلا هذه المساجد الثلاثة. ولا ينافي ذلك قصد بعض المساجد أو المراكز لتعلم العلم، لأنك لم تأت لذاك الموضع لذاته، وإنما أتيت للعلم، فهذا أمر آخر. وشد الرحل للعلم دلت عليه الأدلة، كما قال الله عز وجل: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة». وفرق بين المسألتين: إنسان يشد الرحل لأجل العلم، فهو يريد العلم، ولذلك لو أن العالم انتقل من ذاك المسجد إلى مسجد آخر، فإنه سيشد الرحل إلى مسجد آخر أو إلى بلدة أخرى، فسيشد الرحل إلى بلدة أخرى وهكذا. قال رحمه الله تعالى: وقد روى مسلم هذا الحديث أيضًا. وليس النهي عن شد الرحل إلى قبره الشريف استخفافًا بحقه صلى الله عليه وسلم، فإن محبته مقدمة على محبة كل شيء بعد الله. وقد صح عنه عليه الصلاة والسلام في حديثه حين قال لعمر: «الآن يا عمر، أي حبه أن يكون أعظم من النفس والأهل والمال والناس أجمعين». لكن بالشيء الشرعي وبالطريق الشرعي. قال: ولكنه امتثال لأمره، وقد قال الله تعالى بحقه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾. فإن قال قائل: أين هذا الأمر؟ الجواب: هذا الأمر في الحصر في الحديث، فإن الاستثناء معيار العموم، فقوله: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد»، يدل على نفي ذلك على وجه العموم عما سوى هذه المساجد الثلاثة. وهذا فهم السلف، فهم الصحابة وفهم التابعين ومن بعدهم. وقد نقل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى آثارًا كثيرة عن الصحابة والتابعين والأئمة في هذا المعنى في رسالته العظيمة النافعة المسمى بالأخنائية أو الرد على الأخنائي. قال رحمه الله: فإذا وصل الزائر إلى المسجد النبوي الشريف استحب له عند الدخول أن يقدم رجله اليمنى ويقول: باسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، يعني كسائر المساجد، على من يقول بتصحيح هذا الدعاء. ثم يصلي ركعتين، والأفضل أن يكون بالروضة الشريفة لقوله صلى الله عليه وسلم: «ما بين بيتي ومنبرى روضة من رياض الجنة»، ومعناه أن الصلاة فيه فيها زيادة فضل. قال: ويزور بعد الصلاة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم وقبر صاحبيه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فيقف تجاه القبر مما يلي وجهه الكريم بأدب وخفض صوت، ثم يسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فيقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. وذلك لما جاء في سنن أبي داود عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام». وهذا الحديث استدل به من استدل من سلف الأمة على أنه ليس من شرط السلام عليه عليه الصلاة والسلام أن تأتي إلى قبره، ليس من شرطه أن تأتي إلى قبره، بل الصحيح: لو سلمت وأنت في أي موضع حمل منك الملك السلام وبلغه النبي عليه الصلاة والسلام. ولهذا صح عن غير واحد أنه كان يقول: ما من بعد ومن قرب إلا سواء، يعني في السلام عليه. فأنت إذا قربت من الحجرة لم يسمع منك النبي عليه الصلاة والسلام، بل يبلغه الملك، ولو ابتعدت من الحجرة لم يسمعك النبي عليه الصلاة والسلام، بل يبلغه الملك، وذلك لأنه في حياة برزخية كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾، فهم الأنبياء أحياء، ولكن حياتهم حياة برزخية، ليس كحياة الدنيا، ولهذا ينقل السلام ملك يأخذها وينقلها إلى النبي عليه الصلاة والسلام. فهنا ننتبه إلى خمس مسائل في السلام على النبي عليه الصلاة والسلام. أولها: أنه ليس من شرط السلام عليه الإتيان إلى الحجرة، بل إذا سلمت من مكانك فلا حرج في ذلك. ولهذا كما أشار شيخ الإسلام رحمه الله في تلك الرسالة العظيمة النافعة: أنه لم يثبت عن أحد من الصحابة أنه كان يأتي إلى الحجرة فيسلم عليه، إلا ما روي عن عبد الله بن عمر، وكان يفعله إذا قدم من سفر. وبه ننتقل إلى المسألة الثانية، وهي: من قال من أهل العلم أنه يجوز أن تأتي إلى الحجرة فتسلم، أجازوه إذا كان في قدوم من سفر اقتداءً بعبد الله بن عمر. وكرهوا كما كره عبد الله بن عمر أن يكرر الإنسان السلام عليه بعد قدومه من السفر، أو إذا كان هو من أهل المدينة، يعني مثلًا من قدم في حج أو عمرة فأتى المسجد، فلا يستحب في حقه أن يأتي بعد كل صلاة كما يفعل بعض العامة فيسلم على النبي عليه الصلاة والسلام، بل إن هذا مما كرهه السلف. فصح عن الحسن بن علي بن الحسن والحسين بن علي بن الحسين أنهما نهيا عن ذلك، واستدلا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم لا تجعل قبري عيدًا». فرأى الحسن بن علي بن الحسن رجلًا يأتي إلى الحجرة، فسأله: ماذا تصنع؟ قال: أسلم على النبي عليه الصلاة والسلام، فنهاه عن ذلك وذكر له هذا الحديث، بأن السلام يبلغ حيث كان، وما فرق بين من بعد ومن قرب، وأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يتخذ قبره عيدًا، ومعنى ذلك أن يكرر الإنسان الزيارة إليه. وهكذا الأمر الثالث من مسائل الزيارة: أن من قدر له فسلم عند الحجرة لا يستحب له الوقوف، بل يسلم ويمشي، فلا يتمسح ولا يدعو، ولا كذلك يعتبر ويقف، لأن ذلك مدعاة للفتنة بالقبر، خصوصًا قبر نبينا عليه الصلاة والسلام. وقد نص العلماء أن قبر نبينا عليه الصلاة والسلام ليس كسائر القبور، القبور الأخرى يجوز أن تزار، وزيارتها ليعتبر بها، ومنها. وأما قبر نبينا عليه الصلاة والسلام فلا. ولهذا كما قالت عائشة رضي الله عنها كما في الصحيح: أنه قال في مرض موته: «لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبورًا بأهم مساجد». قالت عائشة: ولولا ذلك لأبرز قبره، يعني لخرج للناس، لكن من أسباب دفنه في حجرته عليه الصلاة والسلام، وليس هو سببًا واحدًا، ولكن من الأسباب أن لا يفتتن الناس بقبره عليه الصلاة والسلام، لا يفتتن الناس بقبره، فدفن في حجرته عليه الصلاة والسلام. ولهذا كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وغيره من أهل العلم: أنه كان عليه الصلاة والسلام لا يزار، مع أن الناس يحبونه عليه الصلاة والسلام، ومع ذلك ما علم أن أحدًا كان يسمح له بزيارة قبره عليه الصلاة والسلام، بل هو في حجرته، وأغلق عليه صلى الله عليه وعلى آله وسلم. كانوا يزورون الحجرة من خارج إذا أحد جاء، وما روي ذلك إلا عن عبد الله بن عمر. وهكذا كذلك من المسائل: أن من دعا الله جل وعلا عند القبر وهو مما لا يشرع، فإذا دعا الله فليدع مستقبل القبلة لا مستقبل القبر، وهذا مما نبه عليه جماعة من أهل العلم. ومع ذلك فالصحيح ما هو أشد من هذا، وهو أنه لا يدعو لا مستقبل القبلة ولا مستقبل القبر، لكن نبه العلماء أن من دعا الله فليدع وهو مستقبل القبلة لا مستقبل القبر، لأن القبر في جهة، في الجهة المعاكسة للقبلة لمن أتاه من المقدمة. فالحاصل: القبر يجوز أن يزار، لكن ليس نفس القبر، إنما الحجرة تزار، الحجرة بسلام، ومن سلم من أي موضع فجاز ذلك. وقد كان يفعل ذلك كما أشار شيخ الإسلام أكثر الصحابة ومن بعدهم. قال رحمه الله تعالى: ولا بأس أن يزيد في السلام بقوله: السلام عليك يا نبي الله، السلام عليك يا خير خلق الله، السلام عليك يا سيد المرسلين وإمام المتقين، أشهد أنك بلغت الرسالة وأديت الأمانة ونصحت الأمة وجاهدت في الله حق جهاده، فجزاك الله عن أمتك خير الجزاء. وهذا نقل عن بعض أهل العلم، ولكن ليس هو بنص حتى يستحب، ولكن كما قال: لا بأس إذا فعل ذلك. قال: ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم فيقول: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. وهذا استدلالًا بعموم الصلاة عليه عليه الصلاة والسلام، فإنه قد قال: «صلوا علي فإن صلاتكم علي تبلغني حيث كنتم». قال: ثم يمضي الزائر إلى يمينه قليلًا فيسلم على أبي بكر الصديق رضي الله عنه، ثم إلى يمينه أيضًا فيسلم على عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ثم يتوجه إلى القبلة ويدعو الله بما أحب. وهذا كله استنادًا لما نقل عن بعض أهل العلم. والصواب ترك هذا، الصواب ترك هذا، فلا يستحب الدعاء ولو كان إلى جهة القبلة. قال: ولكن الأفضل أن يدعو بالأدعية الشرعية المأثورة، وأن يقدم من الدعاء ما فيه نصر دين الله وإعلاء كلمته، يدعو لنفسه ولوالديه ولمشايخه وأقاربه والمسلمين عامة، ويدعو الله أن يشفع به محمد صلى الله عليه وسلم، وبوالديه وذرية وقاربه من له حق عليه من المسلمين. وإذا أراد العودة من المدينة المنورة فعل كما تقدم. والأفضل أن يقال: المدينة النبوية، فهو ما كان يسميه به السلف. قال: وتستحب زيارة البقيع والدعاء فيه للموتى بالدعاء المأثور. والبقيع هي المقبرة المعروفة في يسار القبلة قبلة المسجد النبوي، وفيه دفن أكثر الصحابة رضي الله تعالى عنهم. قال: بالدعاء المأثور، يعني في زيارة الموتى والقبور. قال: وهو خاص بالرجال، يعني زيارة المقبرة وزيارة قبر النبي عليه الصلاة والسلام، فيه خلاف لأمرين أي للنساء. الأمر الأول: في أصله مشروعية زيارة النساء، ففيه خلاف بين أهل العلم، يعني زيارة المرأة للمقابر. والصحيح: أن المرأة لا تزور القبور لما صح من الأحاديث التي تدل على النهي عن ذلك. والأمر الآخر كذلك الخلاف في كوني هذا قبرًا أم حجرة، فلأجل هذين وقع الخلاف، والترخيص لمن رخص بزيارة النساء لقبر النبي عليه الصلاة والسلام يعني الحجرة. والأولى ترك ذلك، يعني النساء. أولًا لأنه كما مر معنا لم يعهد أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا يقصدون القبر بتكرار، وقد كره النبي عليه الصلاة والسلام هذا المعنى بقوله: «اللهم لا تجعل قبري عيدًا». والأمر الثاني: افتتان النساء. قال رحمه الله: وكذلك تستحب زيارة مسجد قبا كما جاء بحديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يزوره كل سبت، يعني كل أسبوع. قال: فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يزوره، ويحسن الذهاب إلى أحد لمشاهدة مكان المعركة والدعاء للشهداء والترضي عنهم، ومنهم حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه. وإياك وسائر القبور أن تزار ويُدعى لأهلها، خصوصًا أنهم شهداء أحد. إلى هنا والحمد لله رب العالمين.