كتاب الحج 32

كتاب الحج 32

الدرس في كتاب الحج 32، الدرس الثاني والثلاثون : من : ( الحديث الثاني والعشرون بعد المائتين ... وتقدم مشروعية تقبيله ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

شرح حديث الطواف حول الكعبة وتوضيح معنى الرمل

شرح حديث ابن عمر حول طواف النبي صلى الله عليه وسلم وتوضيح معنى الرمل والخبب. يبين الشارح سبب رمل النبي في الأشواط الثلاثة الأولى.

استحباب الرمل في طواف القدوم ومشروعيته

استحباب الرمل في الأشواط الثلاثة الأولى من طواف القدوم وتوضيح مشروعيته بحديث ابن عمر وحديث عمر. يتناول آراء أهل العلم حول الرمل بين الركنين.

آداب الطواف وفوائده وتوجيهات لتجنب الاختلاط

يتناول آداب الطواف مثل استلام الحجر الأسود وتسمية الأشواط، ويشدد على تجنب الاختلاط بين الجنسين أثناء الطواف. يقدم توجيهات للرجال لتجنب زحام النساء.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى: الحديث الثاني والعشرون بعد المائتين، قال: عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم حين يقدم مكة إذا استلم الركن الأسود أول ما يطوف يقب ثلاثة أشواط». أورد الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى هذا الحديث في سياق ذكره لأحاديث الحج، وعلى وجه الخصوص ما يتعلق بباب الطواف، أدبه وأقرب الألفاظ إليه هو لفظ الإمام البخاري رحمه الله في حديث 1603، قال رحمه الله تعالى: حدثنا أصبع بن الفرج قال: أخبرني ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم» فذكر الحديث، غير أنه لم يذكر قوله «أشواط» بل قال: «ثلاثة أطواف من السبع يخب ثلاثة أطواف من السبع». وهذا هو أقرب الألفاظ إلى ما ذكره المؤلف رحمه الله. ولم أقف في لفظ الصحيحين على لفظ يطابق ما ذكره صاحب العمدة. وانظروا إذا وجدتم شيئًا فنستفيده جميعًا. قال الشارح رحمه الله تعالى: الغريب: «يخب»، الخبب نوع من العدو، وقيل: هو الرمل، وعلى هذا فهما مترادفان. والظاهر والله أعلم أن الخبب هو فوق الرمل، يخب هو نوع من المشي أقرب إلى الجري، كما مر في الرمل أنه المشي بسرعة مع تقارب الخطا، فالخبب أسرع من الرمل قليلًا، وهي لغة لا يزال الناس تعامل بها إلى يومنا هذا، فإذا أرادوا أن يعجل إنسان في مشيه يقولون له: «خب» يعني أسرع، فيكون من صفتي الرمل الخبب، والخبب هو أسرع من الرمل قليلًا، ولكنه دون العدو، كما قال: «نوع من العدو». وفي الحقيقة هو دون العدو الذي هو الجري، ليس بجري ولكنه مشي سريع. والأصل أن اختلاف المبنى يدل على اختلاف المعنى. قال: المعنى الإجمالي: كان ابن عمر رضي الله عنه من الحريصين على تتبع أفعال النبي صلى الله عليه وسلم ومعرفتها والبحث عنها، ولذا فإنه يصف طواف النبي صلى الله عليه وسلم الذي يكون بعد قدومه -يعني طواف القدوم- بأنه يرمل في الأشواط الثلاثة كلها بعد أن يستلم الحجر الأسود الذي هو مبتدأ كل طواف، تذكرًا لحالهم السابقة يوم كانوا يفعلونه إغاظة للمشركين. يعني أنه استمر على ذلك. ولهذا جاء في بعض ألفاظ هذا الحديث، في الحديث الذي بعده 1604 في البخاري: «أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سعى ثلاثة أشواط ومشى أربعة في الحج والعمرة»، وفي بعض ألفاظ حديث عمر لما قبل الحجر جاء في بعض ألفاظه قال: «ما لنا وللرمل؟» يعني وقد أهلك الله المشركين، ثم قال: «ولكن شيء صنعه رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا نحب أن نتركه». وهذا معناه أن الرمل بقي، لم يكن النبي عليه الصلاة والسلام يفعله فقط أو فعله فقط في عمرة القضاء، بل تكرر فعله عليه الصلاة والسلام في سائر العمر بعد ذلك، وهكذا كذلك في طواف الحج. واعتمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كم عمرة اعتمر؟ ثلاث، التي فعلها ثلاث، وواحدة منع منها، أربع، عمرة واحدة من الأربع التي منع منها وهي ما كانت في الحديبية، فهذه الثلاثة جميعًا فعل فيها النبي عليه الصلاة والسلام هذا الرمل. قال رحمه الله تعالى: ما يؤخذ من الحديث: أولًا استحباب الخبب، وهو الرمل في الأشواط الثلاثة الأولى كلها في طواف القدوم. وقلنا: الصحيح أن الخبب شيء أسرع من الرمل قليلًا، ولكنه دون الجري، فيجوز الرمل ويجوز الخبب. قال: ثانيًا، وقوله في الأشواط الثلاثة الأولى معناه أنه لا يستثنى في ذلك ما بين الركنين، وسيأتي الكلام عليه. قال: ثانيًا، المشي في الأربعة الباقية منها، ولو فاته بعض الرمل أو كله في الثلاثة الأولى؛ لأنها سنة فات محلها، فالأربعة الأخيرة لا رمل فيها. من نسي فإنه لا يأتي بشيء إذا فات مكانه، مثلا نسي أن يرمل في الشوط الأول، فإذن يرمل في الشوطين فقط، نسي أن يرمل في الشوط الأول والثاني إذن يرمل في شوط واحد فقط، نسي أن يرمل في الأشواط الثلاثة الأولى إذن لا يرمل، لا يقول: خلاص أنا نسيت في الأول إذن أؤخره في الذي بعده لا. قال رحمه الله تعالى: ثالثًا، الخبب في الأشواط الثلاثة الأولى كلها هو فعل النبي صلى الله عليه وسلم بعد عمرة القضاء، فيكون ناسخًا للمشي بين الركنين في عمرة القضاء؛ لأنه متأخر، ولأن الضعف المانع من الرمل فيها قد زال. هذان سببان، علل بهما استمرار الرمل في الأشواط الثلاثة جميعًا. أولها: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يثبت عنه أنه استثنى ما بين الركنين فمشى أبدًا، بل كان يرمل، وهذا الذي دلت عليه ظاهر هذه الأحاديث، حديث ابن عمر وحديث عمر الذي تقدم. وهذا أحد أقوال أهل العلم. وقول آخر، وهو قول مرجوح: أنه يمشي بين الركنين، استدلالًا بالحديث الذي سبق قبل هذا الحديث. والقول الثالث: أنه يرمل فيها جميعًا إلا إن احتاج أن يمشي بين الركنين من أجل أن يستلم الركنين فإنه يمشي بينهما. وهذا ممكن أن يجمع به الأحاديث؛ لأن الإنسان في الحقيقة إذا أراد أن يستلم الركن الأول والركن الثاني فإنه لا يمكنه أن يجري، لا يمكنه أن يرمل أو يقب، فهو خصوصًا في مثل هذا الزمان إذا دخل في وسط هذا الزحام لا يستطيع، فيكون المشي بين الركنين لمن احتاج إليه، فإن احتاج إلى المشي بين الركنين مشى، وإن لم يحتاج إلى المشي بين الركنين وأمكنه الرمل فإنه يرمل لظاهر عموم حديث ابن عمر وحديث عمر. وهذا لعله أحسن ما يمكن أن يجمع به بين الأحاديث. قال رحمه الله تعالى: رابعًا، رمل النبي صلى الله عليه وسلم بعد زوال سببه لتذكر تلك الحالة التي كانوا عليها، فنحن نرمل إحياءً لتلك الذكرى. يقول: رمل النبي صلى الله عليه وسلم بعد زوال سببه -يعني استمر في الرمل- لماذا؟ قال: لتذكر تلك الحال، وهو نسك كذلك، عبادة شرعها الله لنبيه عليه الصلاة والسلام، فهي للناس من بعده، فإذا نحن نستمر؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام استمر. ثم قال: خامسًا، استلام الحجر الأسود في ابتداء كل طواف، وعند محاذاته بكل طوفة لمن سهل عليه ذلك. وتقدم مشروعية تقبيله. لأن في هذا الحديث: «إذا استلم الركن الأسود». وجاء في رواية: «أنه كان يتناوله بالمحجن» يعني بواسطة. ومر معنا أن استلام الحجر الأسود له ثلاث كيفيات: الكيفية الأولى أن يقبله مباشرة، الثانية أن يمد بيده ويقبل يده، الثالثة أن يمد الواسطة من عصا أو محجن أو ما هو نحوه مما يتناول به، فيقبل طرف ذلك العصا أو المحجن. فإن لم يستطع أحد هذه الكيفيات الثلاث أشار بيده وكبر، أشار بيده وكبر من دون تقبيل. ننتبه لهذا؛ فالكثير من العامة يقبل يده يكبر ويقبل يده، وهذا خطأ خلاف السنة. وبهذا انتهى كلامه على فوائد هذا الحديث. ويضاف إليه كذلك أن في هذا الحديث جواز تسمية الأشواط أشواطًا وتسميتها أطوافًا، فالأمر في هذا واسع، خلافًا لمن نقل عنه عدم جواز تسميتها بذلك. فقد روي عن إمام الشافعي رحمه الله وعن بعضهم أنه لا يجوز ذلك. ولم يرد حديث صحيح صريح بل دلت أحاديث صحيحة على جواز تسمية هذه الأطواف بأشواط أو أطواف، فالأمر في هذا واسع، تقول: ثلاثة أشواط أو ثلاثة أطواف، فالأمر في هذا واسع. ففي بعض الروايات «أشواط»، وفي بعض الروايات «أطواف». وفيه كذلك من المسائل ما سبق من جواز استلام الحجر بواسطة كالمحجن ونحوه. وفيه كذلك من المسائل استحباب استلام الحجر الأسود إذا لم يكن فيه مشقة على النفس ولا على الغير. ولهذا أوصى النبي عليه الصلاة والسلام عمر أن لا يزاحم الناس؛ فإنه رجل قوي. فإن كان هناك زحام فلا يزاحم الإنسان. ومن باب أولى المرأة؛ فإن المرأة لا تزاحم على الحجر. وقد صح عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها كانت تأبى استلام الحجر، وكانت تطوف من خلف الرجال، بل تحرص على أن تأتي في وقت لا وجود للرجال. ويفهم هذا كذلك من سنة النبي عليه الصلاة والسلام؛ ففي صحيح البخاري أن أم سلمة سألت النبي عليه الصلاة والسلام عن الطواف، وكأنها كانت شاكية -يعني بها شيء من التعب- فأمرها أن تطوف وهي راكبة في وقت الصلاة، وهو يصلي بأصحابه، فصل الفجر بسورة الطور، وطافت هي من خلف الصفوف، حتى بوض البخاري رحمه الله بقوله: «باب طواف النساء» -يعني كيف يكون- ومعنى أن النساء يطفن خارج الرجال، خارج صفوف الرجال ومواضع الرجال، تطوف المرأة من خلف الرجال لا تخالط الرجال. فإن قال قائل: فلماذا الناس اليوم يطوفون رجالًا ونساء؟ فالجواب عن ذلك أولًا: أن العبرة بسنة النبي عليه الصلاة والسلام، وليس بفعل الناس، فكل يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر، فهو رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والحجة بما في كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، وما فعله الصحابة من بعده رضي الله عنهم. ولم يثبت لا بالكتاب ولا بالسنة ولا عن أحد من الصحابة ما يدل على هذا الذي يفعله الناس. وثانيًا: ربما يعتذر عن فعل الناس وإقرار المسؤولين عن ذلك هو الترجيح بين مفسدتين، درء الأعلى بالأخف، وهي مفسدة تضايق وحصول كذلك فقدان النساء. وفي هذا مفسدة كبيرة؛ فإن الزحام في هذا الزمان ليس كالأزمنة المتقدمة، فلو أن النساء طفن في موضع خاص والرجال في موضع خاص حصل بهذا مفسدة من فقدان النساء لمحارمهن، فيكون بهذا مفسدة عليهم. فلعل هذا عذر أو غيره، والله تعالى أعلم. ومع ذلك فالرجل الحريص ينبغي عليه أن يحرص على أن يجنب أهله وامرأته ومحرمه من الطواف مع الرجال، ولو كان طوافه سيكون بعيدًا أو يكون في وقت فيه مشقة، سلامة لدينه ولدين هذه المرأة، كأن يأتي مثلا في أوقات متأخرة من الليل، يطوف في وقت يكون الحرم ليس فيه الزحام، فيستطيع أن يطوف من خلف الطواف الطائفين مع محرمه من دون أن يختلط بالرجال وزحمة الرجال، أو يطوف من فوق الصحن، يطوف من فوق الصحن، يرتفع إلى الأعلى ولو أدى ذلك أن يرتفع إلى الدور الثاني أو الثالث أو في السطوح، المهم يجتنب الزحام والاختلاط قدر المستطاع. ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾. طيب هذا نكتفي به، والله تعالى أعلم.