كتاب الصلاة 29

كتاب الصلاة 29

الدرس في كتاب الصلاة 29، الدرس التاسع والعشرون:من( الحديث السادس والستون:عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما ... ثم تبين له الخطأ أثناء الصلاة استدار ولم يقطعها وما مضى من صلاته صحيح ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تحويل القبلة وأحداثها

يتناول هذا الفصل قصة تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة أثناء صلاة الصبح في قباء، وآراء العلماء حول مدة الصلاة قبل التحويل. كما يشير إلى تطلع النبي صلى الله عليه وسلم لاستقبال الكعبة.

حكمة الله في تحويل القبلة

يفسر هذا الفصل حكمة الله وراء تحويل القبلة، حيث كانت مخالفة أهل الباطل أحد الأسباب الرئيسية. كما يبين أن هذا التغيير كان له دلالات تتعلق بخصائص أهل الباطل.

أحكام الصلاة والقبلة

يشرح هذا الفصل الأحكام المتعلقة بالصلاة والقبلة، بما في ذلك كيفية استقبال القبلة وجواز النسخ في الشريعة الإسلامية، وحكم الخطأ في القبلة أثناء الصلاة.

مبدأ التعامل مع أفعال أهل البدع

يتناول هذا الفصل مبدأ التعامل مع الأفعال التي تميز أهل البدع، حيث يُفرق بين الأفعال التي يحتاجها الإنسان والتي يجب اجتنابها إذا كانت من خصائص أهل البدع.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى: الحديث السادس والستون، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: بينما الناس بقباء في صلاة الصبح، إذ جاءهم آت فقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قد أنزل عليه الليلة قرآن، فقد أمر أن يستقبل الكعبة، فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام، فاستداروا إلى الكعبة. أورد الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى هذا الحديث في سياق ذكره للأحاديث في استقبال القبلة، وأقرب الألفاظ إليه لفظ الإمام مسلم، ويشبهه كثيرا لفظ الإمام البخاري. قال الإمام مسلم رحمه الله: وحدثنا قتيبة بن سعيد، واللفظ له، عن مالك بن أنس، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: بينما الناس بقباء... فذكر الحديث بهذا اللفظ، غير أنه حصل تقديم وتأخير. قال: بينما الناس في صلاة الصبح بقباء، فأخر لفظ «قباء»، ولم يذكر قوله: «قرآن قد أنزل عليه الليلة»، ولم يذكر لفظ «قرآن». وفي لفظ البخاري مثبته. وفي لفظ البخاري قال: «بينا» بدلا من «بينما». والحديث في الصحيحين. قال الشارح رحمه الله تعالى: المعنى الإجمالي تقدم أنه لما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وفيها كثير من اليهود، اقتضت الحكمة الرشيدة أن تكون قبلة النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين قبلة الأنبياء السابقين، بيت المقدس، فصلوا إلى تلك القبلة ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا. هذا جاء في بعض الروايات، وهكذا فقد روي ستة عشر شهرا في رواية مسلم لحديث البراء، وجاء أنه سبعة عشر شهرا في الصحيحين من حديث البراء، وجاء أنه ثلاثة عشر شهرا في رواية لمسلم، وجاء سنتين خارج الصحيحين. والصحيح أنه سبعة عشر شهرا، فيكون ذلك إما على وجه التقريب، أي الاختلاف، وإما بحسب علم الراوي. وقد يختلف علم، وقد حسب ابن حبان رحمه الله تعالى ذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم دخل المدينة في الثاني عشر من ربيع الأول، فنزل بعد سبعة عشر شهرا، وذلك يوافق رجب أو شعبان. فإن كان ستة عشر شهرا فهو رجب، وإن كان سبعة عشر شهرا فهو شعبان في السنة الثانية. وقد أجمع العلماء أنه كان في السنة الثانية، ولكنهم اختلفوا في الشهر. فدل على هذا المعنى، قال رحمه الله تعالى: وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتشوق إلى صرفه إلى استقبال الكعبة المشرفة. وفيه دليل كذلك على حكمة الله عز وجل في الحفاظ على دينه وأهل هذا الدين. ففي مكة أمر النبي عليه الصلاة والسلام بالتوجه إلى بيت المقدس حتى لا تبقى شائبة وذريعة شرك، إذ كانت الكعبة مليئة بالأصنام من الداخل ومن الخارج. وكان النبي صلى الله عليه وسلم، لحبه الصلاة إلى الكعبة، يجعل الكعبة بينه وبين بيت المقدس، فيصلي بين الحجر أو بين الركنين. ولما قدم إلى المدينة وفيها اليهود، وليس فيها من المشركين أحد، كان من حكمة الله أن صرف القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة. وفيه دليل كذلك على مخالفة أهل الباطل فيما عد من خصائصهم، فيما لا يخالف شرعنا شيء لا يخالف شرعنا، وهو من خصائص أهل الباطل كفارا وفجارا ومبتدعا، فنحن لا نوافقهم. ويؤيده أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في مكة يفرق، فلما رأى أهل مكة - أي المشركون - يفرقون شعورهم، سدل شعره عليه الصلاة والسلام مخالفة للمشركين. ولما قدم المدينة ولم يكن فيها من المشركين أحد، وإنما غلبة أهلها من الكفار هم من اليهود، وكانوا يسدلون شعورهم - يعني إلى الخلف - ولا يفرقون، فرق النبي صلى الله عليه وسلم شعره في حديث ابن عباس، وأصله في الصحيح. وهذا يدل أن صاحب الحق ينبغي أن يخالف أهل الباطل فيما هو من خصائصهم، فإن كان من خصائصهم شيء فينبغي الإنسان أن يتركه. وأحيانا قد يترك الإنسان الفاضل خشية الوقوع في المحرم أو المكروه. قال: فأنزل الله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، فخرج أحد الصحابة إلى مسجد قباء، ظاهر المدينة، فوجد أهله لم يبلغهم نسخ القبلة، ويصلون إلى القبلة الأولى، فأخبرهم بصرف القبلة إلى الكعبة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أنزل عليه قرآن في ذلك، يشير إلى الآية السابقة، وأنه صلى الله عليه وسلم استقبل الكعبة بالصلاة. فمن فقههم وسرعة فهمهم وصحته، استداروا عن جهة بيت المقدس، قبلتهم الأولى، إلى قبلتهم الثانية، الكعبة المشرفة. هذا خلاصة المعنى الإجمالي للحديث. وهذا الصحابي الذي جاءهم اختلف فيه، قيل: عباد بن بشر الأشهلي، هكذا ذكره ابن طاهر كما أشار في شرح العمدة، وهكذا قيل: عباد بن نهيك الأنصاري. وسواء هذا وهذا فالأمر سهل. قال: أحكام الحديث، أولا: القبلة أول الهجرة كانت إلى بيت المقدس، ثم صرفت إلى الكعبة، يعني كانت القبلة في أول الهجرة إلى بيت المقدس، ثم صرفت إلى الكعبة. ومر معنا أن صرفها كان بعد سبعة عشر شهرا على الصحيح، وهي في السنة الثانية بالإجمع. قال: الثاني: أن قبلة المسلمين استقرت على الكعبة المشرفة، فالواجب استقبال عينها عند مشاهدتها، واستقبال جهتها عند البعد عنها. وليس المقصود استقبال الجهة هو العين إذا كان لا يمكن ذلك، وهو الغالب، وإنما المراد الجهة. فإن كانت الكعبة في جهة المشرق فالمشرق قبله، أو كانت في جهة المغرب فالمغرب قبله، أو الشمال أو الجنوب فكذلك. فإن علم عينها لا ينبغي البعد عنها ما دام يمكن الوصول إلى العين بغير مشقة ولا حرج. ولا ينبغي أن يشدد في هذا، وتحصل به خلاف. قال: الثالث: أن أفضل البقاع هو بيت الله، لأن القبلة أقرت عليه، ولا يقر هذا النبي العظيم، وهذه الأمة المختارة إلا على أفضل الأشياء. وأفضلية الكعبة وبيت الله الحرام ثبت بغير هذا بأشياء أصرح وأوضح، لكن هذا مما يستأنس به. قال: وفي هذا الحديث جواز مشروعية النسخ في هذه الشريعة، وأدلت مشروعية وجواز النسخ كثيرة من الكتاب والسنة. قال ربنا جل وعلا: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾. واليهود أنكروا النسخ، زعموا أنه يستلزم البداء على الله، وأن هذا لا يجوز، وهو مركب من خطأ على خطأ. قال: خامسا: أن من استقبل جهة في الصلاة، ثم تبين له الخطأ أثناء الصلاة، استدار ولم يقطعها، وما كان من صلاة صحيح، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر هؤلاء بإعادة الصلاة، أخبروهم في الصلاة فغيروا القبلة، فصحت صلاتهم. وكذلك من أخطأ في القبلة، ونبه أثناء صلاته، كرجل غريب جاء في بلد لا يعرف جهة القبلة، أو بيت لا يعرف جهة القبلة، اجتهد فصلى، فدخل عليه صاحب البيت أو صاحب البلد، فقال له: يا أيها المصلي أو يا فلان، القبلة عن يمينك، توجه إلى جهة كذا وكذا، فغير وتوجه، صلاته صحيحة. قال: نكتفي بهذا القدر، ونترك الباقي إلى درس اللاحق، والله تعالى أعلم. سائل يقول: هل حلق الرؤوس من خصائص الخوارج؟ كان في فترة سابقة من شعار الخوارج حلق الرؤوس، فكان السلف يكرهون المداومة على حلق الرأس حتى لا يتشبه بالخوارج، كما كانت العمائم السوداء في زمن سابق صفة لبعض أهل البدع، فكانوا يكرهون العمائم السوداء. فإذا كان كذلك، فاليوم ما دام أنه ليس من خصائص أهل البدع، فهو على الإباحة، إذا احتاجه الإنسان حلق، ليس هو من خصائص أهل البدع. وهكذا يقال في كل شيء هو من خصائص أهل البدع، يجتنب. إلى هنا والله تعالى أعلم.