الدرس في كتاب الصلاة 82، الدرس الثاني والثمانون:(الحديث الثالث عشر بعد المائة.عن أبي هريرة رضي الله عنه ... ولا حرج في ذلك ما دام أنه لم يسافر ليتوصل به إلى الإفطار ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش حكم ستر العاتقين في الصلاة واستدلال العلماء على ذلك من الأحاديث النبوية، ويبين اختلاف آراء الفقهاء حول وجوب أو استحباب ستر العاتقين. يبرز أهمية الاهتمام بمواضع الخلاف الفقهية في العبادات اليومية.
يؤكد على أهمية المظهر الحسن لطلبة العلم والمسلمين، مشيرًا إلى أن اللباس الإسلامي يعزز الشعور بالاعتزاز بدينهم ويحفظهم من الانخراط في أماكن الشبهات. يستدل بآثار السلف الصالح في الاهتمام بالمظهر اللائق بطلبة العلم.
يناقش تحريم إيذاء المصلين والملائكة بروائح كريهة في المساجد، مستندًا إلى نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن أكل الثوم والبصل قبل الذهاب إلى المسجد. يشدد على ضرورة تجنب كل ما يسبب رائحة كريهة في المساجد.
يتناول أحكام الصلاة في وجود روائح مؤذية مثل الثوم والبصل، ويوضح أن الامتناع عن أكلها ليس لتحريمها بل لكراهة بقاء رائحتها أثناء الصلاة. يبين أن الضابط في ذلك هو بقاء الرائحة المؤذية.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الحافظ عبدالغني المقدسي رحمه الله تعالى: الحديث الثالث عشر بعد المئة، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء». هكذا عندي، هل في نسخة «عاتقيه»؟ هل يوجد نسخة «عاتقيه»؟ نعم، أورد الحافظ عبدالغني المقدسي رحمه الله هذا الحديث في سياق ذكره للأحاديث المتنوعة لأحكام الصلاة في الباب الجامع، وقد بوب الشارح رحمه الله لهذا الحديث باب حكم ستر أحد العاتقين في الصلاة. وأقرب الألفاظ إليه لفظ الإمام البخاري رحمه الله، فقد ذكره في باب إذا صلى في الثوب الواحد فليجعل على عاتقيه، فقال رحمه الله: حدثنا أبو عاصم عن مالك عن أبي الزناد عن عبد الرحمن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه، فذكر الحديث بلفظه، غير أنه قال: «ليس على عاتقيه» بالتثنية، لا بالإفراد. قال الشارح رحمه الله: المعنى الإجمالي المطلوب أن يكون المصلي على أحسن هيئة. وقال تعالى: ﴿يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾، والزينة تشمل الزينة الواجبة والمستحبة، فمن الواجبة ستر العاتقين مع ستر العورة، وعورة الرجل من السرة إلى الركبة. إلا أن العاتقين عورة الرجل في الصلاة، ولهذا يسميها العلماء «العورة المخففة»، عورة مخففة؛ لأنها مطلوبة في الصلاة فقط، من باب الأدب مع الله سبحانه وتعالى. قال: ولذا فإن النبي صلى الله عليه وسلم حث المصلي ألا يصلي وعاتقاه مكشوفان، مع وجود ما يسترهما أو أحدهما، ونهى عن الصلاة في هذه الحال، وهو واقف بين يدي الله يناجيه. قال: اختلاف العلماء، ذهب الإمام أحمد في المشهور عنه إلى وجوب ستر أحد العاتقين في الصلاة، مع وجوب السترة، يعني سترة العورة. قال: أخذًا بظاهر هذا الحديث الذي معنا، وبعض أصحابه خص ذلك بالفرض دون النافلة، فإن صلى بلا سترة لعاتقيه أو أحدهما لم تصح صلاته، يعني في الفرض. وذهب الجمهور، ومنهم الأئمة الثلاثة، إلى الاستحباب، والقول بالوجوب على الصحيح لا يستلزم البطلان، إلا إذا تعمد ذلك؛ لأنه هناك فرق بين الواجب والشرط والركن، فالواجب إذا ترك من قبيل الخطأ، فلا يبطل، لا تبطل الصلاة، لا تبطل الصلاة بفعله ذلك على الصحيح، بخلاف العمد، من عمل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد. أما الركن والشرط فهو يبطل الصلاة في كل حال. قال رحمه الله: وذهب الجمهور، ومنهم الأئمة الثلاثة، إلى الاستحباب، وأن النهي في الحديث ليس للتحريم، مستدلين بما في الصحيحين عن جابر: «وإن كان ضيقًا اتزر به». هذا اللفظ معناه الصحيحين، وليس لفظه، وقد مر معنا في أوائل الكتاب. ومع ذلك ففيه أنه يلف طرف إزاره على عنقه، يعني: مثلًا لو كان الإنسان ليس معه إلا معوز، الإزار الأسفل الذي يسمى «سباعية»، يسمونه عندنا «السباعية»، وهي التي يقال لها كذلك «الفوطة» أو «الوزرة»، لكن المشقوقة، فهنا يلف طرفه في الأسفل، وطرفه شده إلى الأعلى، ويلفه حول عنقه، يعني هكذا، هذا طرف من الأسفل، والآخر صاعد إلى الأعلى، يلف طرفه هكذا من تحت طرفه إلى العنق، أقل شيء أن يلف طرف الإزار على عاتقه، حتى يؤدي ما دل عليه الحديث بما يستطيع. قال رحمه الله تعالى: وحملوا النهي على التنزيه والكراهة، والصحيح الأول أنه للتحريم؛ لأن الأصل في النهي أنه للتحريم، إلا لصارف، ولا صارف، ولكثرة ما روي في هذا الباب، والتشديد فيه، كما مر معنا في أوائل هذا الكتاب، في قصة حديث جابر بن عبد الله. قال رحمه الله: الأحكام، أولًا: أن نهي عن الصلاة بدون ستر العاتق، يعني أنه قد نهي عنه في هذا الحديث. قال شيخ الإسلام نتيمية رحمه الله: ستر العاتق حق الصلاة، فيجوز له كشف منكبه خارج الصلاة، وحينئذ فقد يستر المصلي في الصلاة ما يجوز إبداؤه في غير الصلاة، وهذا على وجه الوجوب على الصحيح؛ لما جاء من أحاديث في هذا الباب: «لا يصلي، لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عتقيه من ثوبه شيء». قال: الثاني: استحباب سترهما وحدهما في الصلاة، مع وجود السترة، ومعنى استحباب سترهما أو أحدهم في الصلاة مع وجود السترة، يعني إذا سترت العورة. وكأنه يميل إلى هذا، والصواب كما قلنا: أنه للوجوب، وأن النهي الذي ورد ليس للكراهة، بل الصحيح أنه للتحريم، ولا يستلزم كونه للتحريم أو أنه واجبًا أن تبطل الصلاة لمن فعله على وجه الخطأ والنسيان أو العجز. قال رحمه الله: ثالثًا: استحباب كون المصلي على هيئة حسنة. وكما تقدم: الزينة المطلوبة عند الصلاة، زينة واجبة، مثل سترة العورة المغلظة والعورة المتوسطة والعورة المخففة، العورة ثلاثة أقسام بالنسبة للرجل: السوأتان هي المغلضة، والمتوسطة ما زاد عن ذلك، ما بين السرة إلى الركبة، هذه متوسطة، والمتوسطة قد تنكشف مع الحركة أو الفعل والمشقة تجلب التيسير، أما المغلضة فلا يجوز للمسلم أن يتساهل في كشفها أبدًا. وأما المخففة أو الخفيفة، فهو ما فوق السرة إلى أسفل العنق إلى العاتقين، فهذا من العورة المخففة؛ إذ هي مطلوبة في الصلاة فقط، على وجه الوجوب، وأما في غير الصلاة فعلى وجه ماذا؟ الاستحباب. «إن الله جميل يحب الجمال»، «إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده». واليوم حتى في عرف الناس، من كمال الأدب والاحترام فيما بين الناس، أن لا يخرج الإنسان إلى الناس وهو كاشف لهذا الجزء، فليس كذلك. هل هذا عرف في الجميع أو يختلف في بعض البلاد؟ ها، من باب الفائدة نستفيد كيف في أمريكا؟ نفس الشيء، أوروبا نفس الشيء، اندونيسيا كيف؟ نفس الشيء، فهو عرف واحد، فطرة فطرة الله عز وجل الناس عليها، فإذا كان هذا في عرف الناس، فالأدب مع الله عز وجل أولى، الأدب مع الله سبحانه وتعالى أولى. وقد قال سبحانه: ﴿خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾، وهناك سترة في الصلاة، وزينة مستحبة، وهو الزائد عن هذه العورة المخففة، مثل لبس العمامة أو القلنسوة، وكذلك الثوب الحسن، وما كان بمعناه مما هو من التجمل والتزين للصلاة، فهذا مستحب ومطلوب، إذا كان بدون تكلف، إذا كان بدون تكلف. وفي الحديث من المسائل كذلك: استحباب اعتناء المسلم بعبادته، فإذا كان هذا في حق الزينة في المسجد وفي الصلاة، فكذلك في سائر عباداته، ينبغي أن يعتني بها المسلم، وأن يجعلها على أكمل وجه، يحب أن يلقى ربه سبحانه وتعالى بها، والشرع لا يجمع بين مفترق، ولا يفرق بين مجتمع. ولهذا لو تأملنا النصوص الشرعية، وجدنا أن هذا قد تأكد الطلب له، انظروا يوم الجمعة، يلبس أحسن ما يجد، ويتطيب، ولو لم يجد فمن طيب أهله، ويأتي إلى المسجد، كل هذا يؤكد هذا المعنى، وانظروا يوم العيد كذلك، وهكذا كذلك يقال في غيره. ولهذا صار من سنة أهل العلم استحباب التزين والتجمل لمجلس العلم، كما كان يصنع الإمام مالك رحمه الله، وكذلك ينبغي أن يقال فيما كان من موضع فيه معنى العبادة والطاعة. ولهذا قال العلماء: ينبغي أن يعرف حامل العلم بمظهره، كما يعرف بمخبره، ليس مخبر بدون مظهر، مظهر ومخبر، تعرفون المظهر والمخبر، المخبر العلم، يعني ما تعرف أنه عنده علم إلا إذا تحدث معك، والمظهر كذلك. ينبغي أن يواضب طالب العلم على الهيئة التي تدل أنه طالب علم. كان شيخنا مقبل رحمه الله يقول: أرى اليوم الثوب شعار طالب العلم، الثوب يعني القميص، شعار طالب العلم، وقال ذلك حين رأى بعض الإخوة من أهل عدن وحضرموت، كأنهم يزهدون في لبس الثياب، فحث على لبس الثوب، يقول رحمه الله: أرى أنه شعار طالب العلم، يعني ينبغي أن يواضب عليه، ويحرس قدر المستطاع، طالب العلم عليه، ولكن لا يعني أن غيره حرام، لا، ليس بحرام، إذا لبسه أحيانًا. لبس النبي صلى الله عليه وسلم الإزار والرداء، كما لبس عليه الصلاة والسلام الثياب، وكان أحب لباسه إليه الثياب، قمصان. فينبغي أن يراعى هذا المعنى، وهكذا من باب أولى، المسلم ينبغي أن يعتز بلباس الإسلام، اللباس الذي يربطه بالإسلام، وتشعره بالاعتزاز بدينه؛ لما فيه أولًا من إظهار مظاهر الدين، ولما فيه ثانيًا حفظ هذا المسلم بهذا الزي. لا تظن أن الزي عبارة - كما يقول بعض الناس - قشور، حتى جعلوا اللحية قشورًا، وجعلوا العمامة قشورًا، وكل شيء قشورًا. فيقال: لو قيل أنه قشور، فاللب ما يحفظ إلا بقشره، هل رأيتم لبًا يحفظ بدون قشر؟ ما يمكن، لو وضعت أي شيء بدون قشر، تأتي الدواب تأكله على طول، لكن بقشره يبقى ماذا؟ محفوظًا. وكذلك أنت إذا حافظت على هذه المظاهر، فهو مما يحفظك، اللحية تحفظك، ولباس المسلم يحفظك، ما يمكن، مثلًا أحد بلاد الغرب بلحيته، بقميصه، بعمامته، يدخل إلى البار؟ ممكن؟ ما يمكن، استحيل، لكن إذا كان لابسًا الذي يشبه زي الكفار، واحتاج شيء من البار، ما سيبالي سيدخل، أليس كذلك؟ قد يقع هذا، قد يقع هذا. إذا يوجد مطعم فيه خمر، صعب أن يدخل إليه، حتى ربما العوام يأخذونك ويمسكونك. أخبرني أحد الإخوة قال: كنت لا أدري، يأتي لمدينة غريبة، فكان علي ثوب هكذا، ورأيت ناسًا دخلوا، شكلهم من المسلمين، أعرف دم العربي معروف، قال: فأردت أن أدخل، فإذا واحد يخرجني، يقول: لا تدخل، كيف أنت داخل؟ وأنا سأدخل، قال: لا، لا، لا، لا تدخل، هذا فيه خمر، يعني هو حلال له أن يدخل، وأنت؛ لأن لك لابس قميص، لا تدخل. فهذا - انظر - يعني هذا صار حافظًا لهذا الإنسان ألا يدخل في مثل هذه الأماكن، فهو يحفظ هذا الإنسان، حتى لو سولت للإنسان نفسه بالسوء والخطأ، فإنه يحفظ بهذه التي يسميها الناس «قشور»، يحفظه أن يسقط مع الساقطين، وأن يذهب إلى أماكن الشبهات والريبة، وغير ذلك من المعاني الأخرى. وأما إذا كان هناك ضرورة متحققة، فأجاز بعض العلماء أن يخفي المسلم إسلامه لدفع الضرورة، في بعض البلاد، ربما يضرب الإنسان إذا لبس القميص، بل ربما يقتل. وأخبرت في بعض البلاد، ربما خطفوا النساء المحجبات، يخطفونها خطف، وهذا قد حصل قبل فترة في بعض دول شمال أوروبا، عندهم تعصب شديد، وحنق على بعض المسلمين. فالمهم إذا تحقق مثل هذا، على المسلم أن يهاجر من هذه البلاد، وفي أثناء هجرته إذا تخفى بإسلامه، فهذا من باب ارتكاب المفسدة الصغرى لدفع الكبرى. قال رحمه الله تعالى: الحديث الرابع عشر بعد المئة، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أكل ثومًا أو بصلا فليعتزلنا أو ليعتزل مسجدنا وليقعد في بيته». وأتي بقدر فيه خضرات من بقول، فوجد لها ريحًا، فسأل، فأخبر بما فيها من البقول، فقال: «قربوها إلى بعض أصحابه»، كان معه، فلما رآه كره أكلها، قال: «كل؛ فإني أناجي من لا تناجي». قال: الحديث الخامس عشر بعد المئة، عن جابر، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أكل البصل أو الثوم أو الكرات فلا يقربن مسجدنا؛ فإن الملائكة تتأذى مما تأذى منه بنو الإنسان». وفي رواية: «بنو آدم». أورد الحافظ عبدالغني المقدسي رحمه الله هذين الحديثين في سياق ذكره لأحكام متنوعة من أحكام الصلاة، وقد بوب الشارح رحمه الله لهذين الحديثين باب ما جاء في الثوم والبصل ونحوه. والحديث الأول، أقرب الألفاظ إليه لفظ الإمام البخاري، فقد ذكره في باب ما جاء في الثوم والبصل والكرات، وقول النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر الحديث، قال: حدثنا سعيد بن عفير، قال: حدثنا بن وهب، عن يونس، عن ابن الشهاب، قال: زعم عطاء، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال، فذكر الحديث بلفظه. ورواه مسلم بلفظ نحو هذا اللفظ. وأما الحديث الثاني، فأقرب الألفاظ إليه هو لفظ الإمام مسلم، فقد أخرجه بلفظه، فقال: وحدثني محمد بن حاتم، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، قال: أخبرني عطاء، عن جابر، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أكل من هذه البقلة الثوم»، وقال مرة: «من أكل البصل أو الثوم»، وذكر الحديث بلفظه، غير أنه قال: «أكل البصل والثوم والكرات» بدل «أو». ورواه البخاري نحو هذا اللفظ. قال الشارح رحمه الله: غريب الحديث، قال: قوله: «قدر» هو الوعاء الذي يطبخ فيه، قد يكون كبيرًا، وقد يكون صغيرًا، وقيل: هو ما يكفي عشرة، يطبخ لما يكفي عشرة. قال: الثاني: «خضرات»، واحدته «خضرة»، وهي البقلة الخضراء، يعني شيء أخضر. قال: قوله: «البقول»، جمع «بقل»، وهو كل نبات اخضرت به الأرض، عن ابن فارس، وهو أخص مما اخضرت، ولكن هو ما يؤكل بدون الطبخ، من الأخضر، ما يأكله الإنسان بدون طبخ من الأخضر، كالكرات والبقل، والبقل اسم جنس يدخل تحته هذه المسميات، والجرجير، وما كان بمعناه من البقول الخضراء التي يأكلها الإنسان بدون طبخ. قال: قوله: «أناجي»، قال ابن فارس اللغوي: النجوى السر بين اثنين، وناجيته: اختصصته بمناجاتي، ويريد بذلك صلى الله عليه وسلم مناجاته مع ربه، واختصاصه ربه بذلك، أو الملك؛ لأنه قال: «الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بن آدم». قال: المعنى الإجمالي المطلوب: أن يكون المصل على أحسن رائحة وأطيبها، لا سيما إذا كان يريد أداء صلاته في المجامع العامة. ولذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم من أكل ثومًا أو بصلا أن يتجنب مساجد المسلمين، الثوم قد يؤكل أخضر، وقد يؤكل كذلك وهو فص، لكن الغالب إذا أكل بدون طبخ، فهو يؤكل الأخضر منه، تعرفون له عروق خضراء مثل عروق البصل الأخضر، البصل الأخضر يؤكل أخضر، ويؤكل مطبوخًا. قال رحمه الله: ولذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم من أكل ثومًا أو بصلا أن يتجنب مساجد المسلمين، ويؤدي صلاته، ويؤدي صلاته ببيته، حتى تذهب عنه الرائحة الكريهة التي يتأذى منها المصلون والملائكة المقربون، ولا يعني ذلك أنه يتساهل فيجعل هذا دندنه فيترك صلاة الجماعة؛ لأن صلاة الجماعة واجب على المسلمين. لكن إذا احتاج لهذا الطعام فأكله لسبب أو لآخر، فإنه لا يأتي إلى المسجد حتى لا يؤذي الملائكة، ولا يؤذي المصلين. قال: ولما جئ إلى النبي صلى الله عليه وسلم بقدر من خضروات وبقول، فوجد لها ريحًا كريهة، أمر أن تقرب إلى من حضر عنده من أصحابه، فلما رأى الحاضر كراهته صلى الله عليه وسلم لها، ظن أنها محرمة، فتردد في أكلها، فأخبره أنها ليست بمحرمة، وأنه لم يكرهها لأجل حرمتها، وأمره بالأكل، وأخبره أن المانع له من أكلها: أنه صلى الله عليه وسلم له اتصال مع ربه، ومناجات، لا يصل إليها أحد. فيجب أن يكون على أحسن حال، يجب أن يكون على أحسن حال لدى القرب من ربه جل وعلا، أو قلنا: كذلك الملك، وهذا هو الغالب؛ لقوله كذلك بالحديث: «فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم»، أو «بنو الإنسان»، ولقولي: «إني مناجي من لا تناجي»، والمناجاة أكثرها تكون مع الملك، في الوحي الذي ينزل عليه. ولا يعني ذلك أن هذا يستلزم التساهل في هذا الباب حتى يترك صلاة الجماعة، بل هذا يحمل أنه يجوز أكله إذا كان في وقت يكون معه ذهاب رائحته، مثل بعد صلاة العشاء، إذا أكله بعد صلاة العشاء، فالغالب ما يأتي صلاة الفجر إلا وقد ذهبت هذه الرائحة، أو أكله كذلك بعد الإفطار، فالغالب لا يأتي وقت الظهر إلا وقد ذهبت رائحته. وأما من الظهر إلى العصر، فالناس في هذا يختلفون، ويوجد بعض الناس يستطيع أن يذهب هذه الرائحة ببعض الأشياء التي يأكلها، مثل الليمون، مص الليمون، يعني عصيره، أو واحدة يعصرها، أو كذلك أن يأكل بعده اللبان، وما كان بمعناه مما يذهب الرائحة، والعسل، قالوا: كذلك يذهب الرائحة، وربما توجد أشياء أخرى، يختلف الناس في أثر هذه الأشياء عليهم. قال الشارح رحمه الله: الأحكام من الحديثين، أولًا: النهي عن أتيان المساجد لمن أكل ثومًا أو بصلا أو كراثًا، وكل ما كان بمعناه من الخضار التي لها رائحة. قال: ثانيًا: يلحق بهذه الأشياء كل ذي رائحة كريهة، تتأذى منها الملائكة أو المصلون، كرائحة التبغ الذي يتعاطاه المدخنون. فعلى من ابتلي به أن لا يتعاطاه عند ذهابه إلى المسجد، وأن ينظف أسنانه وفمه حتى يقطع رائحته أو يخففها، ولا يعني ذلك الإقرار على تعاطيه، ولكن هو حرام بأدلة أخرى، وإذا ابتلي الإنسان به، فأقل شيء لا يضر الناس، ولا يؤذي المصلين. بعض الناس مبتلاة جدًا بالدخان، ما ندري هل يشرب في اليوم أكثر من اثنين بكت؟ يعني بعضهم إذا صليت بجانبه، كأنك تنزل إلى الماء تغوص، ما تستطيع أن تأخذ نفس إلا قلت: «بسم الله» وأخذ نفس، وعلى ذلك سبح في قلبك حتى تستطيع أن ترفع بعد ذلك من شدة رائحة الدخان التي تكاد تقتلك، هذه مصيبة. فمثل هذا يكسب إثمًا في دخوله إلى المسجد؛ لأنه يؤذي المصلين، إذا كان المصل الذي بجانبه ما يستطيع تنفس أخذ النفس، ما يستطيع، فكيف بالملائكة؟ والملائكة تتأذى مما يتأذى منه بني آدم. وهكذا كذلك كل ما كان فيه رائحة كريهة منه، كذلك نسميه نحن «الشمة»، أي شيء قال له «التنباك»، هذا عام، لكن الذي ينضغ، أي شيء سموناه، وأنا نسيتها، لا، لا، لا، «نشوق»، نعم، «مضغى» أو «نشوق»، النشوق أو المضغى كذلك له رائحة كريهة، خصوصًا للمدمن، المدمن لها يؤذي، رائحته كريهة جدًا. فلا يجوز للمسلم أن يؤذي المصلين بمثل هذه الروائح، وهكذا كذلك العرق، إذا كان إنسان صاحب رائحة في عرقه، فليغير ثيابه إذا أتى إلى المسجد، وليغتسل، أو أقل شيء يغسل أماكن العرق، ولا يؤذي المصلين؛ فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم. ولأجل هذا شرع، بل على وجه الوجوب، أن يفعل المسلم خصال الفطرة، لا يجوز للمسلم أن لا يحلق وينتف ويفعل خصال الفطرة في أكثر من أربعين يومًا؛ لأن هذا في الغالب ما يظن أذية الناس والضرر بالنفس والضرر بالغير، خصوصًا في المجامع العامة. وهذا من نعمة الله على أهل الإسلام، أهل الكفر تتعجب كيف يصبرون على أنفسهم، فضلًا عن أذيتهم لغيرهم، إلا من رحم الله ممن وفق، ولو كان يعني على ذاك الشر أن يبتعد عن تلك الخصال، وإلا فالغالب عليهم إلا ما ندر وقل أنهم على هذا المعنى السيء. وكذلك يلحق به ما كان من رائحة تؤذي، ولو كان ليس في جسده، مما يحمله معه، لا يجوز للمسلم أن يحمل معه ما يؤذي المصلين، تدخل إلى المسجد مثلًا بصل، أو مثل ما يفعل الناس في رمضان، يأتون بالسفرة، وتأتي الروائح الكريهة، الدسوم، وروائح اللحم والأشياء داخل المسجد، هذا خطأ؛ لأنه يؤذي المصلين، ويؤذي الملائكة. فالمساجد ينبغي أن تبقى نظيفة مطيبة، النبي عليه الصلاة والسلام كان يطيب المسجد بيده الشريف، عليه الصلاة والسلام، يأخذ الطيب على كفه ويمسح به الجدار، جدار المسجد، وهو من طين؛ لأجل أن يبقى المسجد طيبًا، فأخذ السنة منه الصحابة وفعلوا ذلك، حتى كانوا يجمرون مساجدهم بالطيب، بالجمر، هي سنة تكاد تكون مهجورة اليوم في مساجد المسلمين، فضلًا عن ما يفعله بعض الناس إذا جاء رمضان، خصوصًا في رمضان، يأتون بالسفر، أصناف الطعام التي تؤذي الملائكة وتؤذي المصلين. قال رحمه الله: ثالثًا: كراهة أكل هذه الأشياء لمن عليه حضور الصلاة في المسجد؛ لئلا تفوته الجماعة في المسجد، ما لم يأكلها حيلة على إسقاط الحضور، فيحرم، يعني هذا أشد، إذا أكلها تحايلًا لأجل أن لا يحضر إلى المسجد، فالحيل لا تزيد الحرام إلا حرمة، الحيل لا تزيد الحرام إلا حرمة، فيكون قد أثم مرتين: أثم لأجل ترك الجماعة، وأثم ثانيًا أن اتخذ هذه الحيلة ليترك الجماعة. وإنما الأعمال بالنيات، «إنما الأعمال بالنيات». وللأسف بعض الفقهاء يؤلفون كتبًا في الحيل، يعلمون الناس التحايل على شريعة الله، وهذا حرام، لا يجوز. قال: رابعًا: حكمة النهي عن أتيان المساجد: ألا يتأذى بها الملائكة والمصلون، وكذلك لأجل أن تبقى بيوت الله مكرمة، ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب. قال: خامسًا: النهي عن الإيذاء بكل وسيلة، وهذه وسيلة منصوص عليها، فالإلحاق بها صحيح، مقيس، معناه: العلة الإيذاء، فإذا الحكم يدور مع علته وجودًا وعدما، فإذا وجدت العلة وجد الحكم، كل ما يؤذي المصلين فهو يؤذي الملائكة، فلا يجوز للمسلم أن يفعله، يعني من الروائح المؤذية. قال: سادسًا: أن الامتناع عن أكل الثوم ونحوه ليس لتحريمه؛ بدليل أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأكلها، فامتناعه عن أكلها لا يدل على التحريم، وإنما كما تقدم: لأجل كراهته عليه الصلاة والسلام أن تبقى معه رائحة، فهو يناجي من لا يناجي غيره. لكن هل يستدل به على كراهة استعمال هذه البقول؟ الجواب: لا، وإنما مكروهة لمن ظن أنها تبقى معه فتؤذي المصلين، نعم، في مثل هذا الوصف مكروهة، وقد تصل إلى التحريم إذا كانت الأذية تبقى قوية. قال: فائدة، قد استدل بعض العلماء على إباحة أكل هذه الأشياء: بأن صلاة الجماعة فرض كفاية، ووجه الدلالة: أنها لو كانت فرض عين لوجب اجتناب هذه الأشياء المانعة من حضور الجماعة في المساجد. والحق أنه لا وجه لاستدلالهم؛ لأن فعل المباحات التي يترتب عليها سقوط واجب لا بأس بها، ما لم يتخذ حيلة لإسقاط ذلك الواجب، كالسفر المباح في رمضان، فإنه يبيح الفطر في نهار رمضان، ولا حرج بذلك، ما دام أنه لم يسافر ليتوصل به إلى الإفطار، وإنما الأعمال بالنيات. لكن لا ينبغي الإنسان أن يتساهل، فيكون دندنه سفره في رمضان، ولا كذلك دندنه أن يأكل الثوم والبصل قبل صلاة الجماعة حتى يضيع أكثر الصلوات، هذا خطأ، ومن معل ذلك حيلة، فكما قلنا: يأثم مرتين، فالحيل لا تزيد الحرام إلا حرمة، يأثم لأجل فعله للحرام؛ لأنه لم يحل بهذه الحيلة، وثانيًا لأجل تحايله، إذ أظهر الحرام بصورة الحلال، وهذا إثم ثاني. بل قد يزاد إثم ثالث، وهو أن يسن سنة سيئة في الناس، «ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، لنقص ذلك من أوزارهم شيئًا». ومنه فتوى بعض المخذولين من فقهاء الشافعية وغيرهم لمن تزوج في شعبان أن يخرج كل يوم في نهار رمضان مسافة سفر ويرجع، هذه حيلة محرمة، لا تحل له ما يفعله، بل لا تزيد الحرام إلا حرمة، لا تزيد الحرام إلا حرمة. يقول السائل: هل الحديث عام في الكثير والقليل من البصل والثوم؟ وما الضابط في ذلك؟ الحديث عام، ما دامت الرائحة تبقى، وإن كانت الرائحة لا تبقى فلا يضر، الضابط هو بقاء الرائحة، هذا هو الضابط، والناس يختلفون في هذا، بعض الناس قد يأكل قبل الصلاة بعشر دقائق أو خمس دقائق، لكن يستطيع أن يزيل هذه الرائحة، فإذا كان كذلك فلا بأس. يقول: العورة المتوسطة، هل التعمد في كشفها لغير ضرورة جائز؟ الصحيح أنه لا يجوز إلا على وجه غير متعمد، هذا هو الصحيح، ومن تتبع الأحاديث التي فيها ظهور الفخذ يحملها على هذا المحمل. يقول: ما هما العاتقان؟ العاتقان هما هذان الموضعان من يمين ومن شمال العنق، ومن هنا قال العلماء: أنه عليه أن يسترهما بما يكون به الستر، حتى قال غير واحد من أهل العلم: أن الفنيلة العلاقي - تعرفونها - أبو خط، أنها لا تجزئ في الصلاة؛ لأنها لا تستر العاتق، لا تستر العاتق. والله تعالى أعلم.