شرح كتاب الطهارة  35

شرح كتاب الطهارة 35

الدرس في شرح كتاب الطهارة 35، الدرس الخامس والثلاثون (باب نواقض الوضوء ... لا تنقض الوضوء ما لم يوجد المعتاد وهو مذهب مالك ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

نواقض الوضوء وشرحها

ناقش الشيخ نواقض الوضوء الثمانية، مع التركيز على الخارج من السبيلين كأول ناقض. وتطرق إلى بعض التفاصيل والاستثناءات المتعلقة بهذا الناقض.

حالات خاصة في نواقض الوضوء

تناول المقطع حالات السلس والاستحاضة، حيث يستثنى الخارج الدائم من نواقض الوضوء للضرورة، وناقش آراء العلماء في هذه المسألة.

شرح آراء العلماء حول الوضوء في حالات خاصة

ناقش شرح المؤلف لقول شيخ الإسلام ابن تيمية حول الأحداث اللازمة وعدم نقضها للوضوء، مع اختلاف أهل العلم في وجوب الوضوء لكل صلاة للمستحاضة.

أهمية الرجوع إلى العلم الموروث

أكد على أهمية علم أهل السنة والجماعة الموروث والرجوع إلى أقوال العلماء لفهم الحق في المسائل المختلف فيها.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب نواقض الوضوء. قال: وهي ثمانية. الخارج من السبيلين قليلاً كان أو كثيرًا بغير خلاف، لقوله سبحانه: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ﴾. إلا الدائم كالسلس والاستحاضة، فلا ينقض للضرورة. قال الشيخ تقي الدين: الأحداث اللازمة كدم الاستحاضة وسلس البول لا تنقض الوضوء ما لم يوجد المعتاد، وهو مذهب مالك. قال: والدم والقيح وغيرهما من النجاسات الخارجة من غير المخرج المعتاد لا تنقض ولو كثرت، وهو مذهب مالك والشافعي. انتهى. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الباب في سياق ذكره لأحكام الطهارة، فقال: باب نواقض الوضوء. والباب كما مر معنا لغة: ما يدخل منه ويخرج، والمراد ها هنا الدخول والخروج المعنوي. ثم قوله رحمه الله: نواقض الوضوء. النواقض جمع ناقض، والناقض مأخوذ من معنى النقض، وهو ضد العقد والتوثقة، فيكون معناه النكت والإبطال، فكأنه قال: باب مبطلات الوضوء. والوضوء المراد به ما تقدم ذكره مما تعبدنا الله عز وجل بفعله لأجل طهارة الصلاة، للطهارة قبل الصلاة. ثم قال رحمه الله: وهي ثمانية، أي هذه النواقض ثمانية كما سيأتي معنا بما دلت عليه أدلة الكتاب والسنة ونقل عن سلف الأمة. أولها قال: الخارج من السبيلين، ويريد رحمه الله كما أراد غيره ممن سبق من أهل العلم بالسبيلين المخرجين من القبل والدبر، وسمي المخرج سبيلاً من باب التأدب. وقوله: قليلاً كان أو كثيرًا، يعني هذا الخارج. وقوله: بغير خلاف، يعني بين أهل العلم، لم يختلفوا في ذلك أي في كون الخارج من هذين المخرجين ناقضًا للوضوء. وسيأتي معنا إن شاء الله أن بعض المسائل اختلف فيها أهل العلم، لكن مراده رحمه الله الخارج المعتاد. لأن ما وقع فيه الخلاف ليس هو من الخارج المعتاد. والخارج المعتاد هو ثلاثة أشياء مما يكون به الحدث الأصغر، وهكذا شيئين اثنين مما يكون به الحدث الأكبر. فأما ما يكون منه الحدث الأصغر فهو البول والغائط والهواء. ويدخل في معنى هذه الثلاثة ما قد تصاحبه ولو كان من غير هذه الثلاثة، فإذا صاحبت هذه الثلاثة أشياء أخرى تخرج من هذين المخرجين فهي كذلك من نواقض الوضوء. وقوله: لقوله سبحانه: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ﴾، المراد أن دليل هذا الناقض الأول هذه الآية. لأن الذي يأتي إلى الغائط والمراد بالغائط المكان المنخفض الذي تقضى فيه الحاجة، فيستتر فيه الإنسان. فإن الذي يذهب إلى هذا المكان يخرج الخارج المعتاد وهو هذه الثلاثة في الحدث الأصغر. وأما في الحدث الأكبر سيأتي معنا إن شاء الله أنه ماء الرجل وبمعناه ماء المرأة، وهكذا دم الحيض. فهذه الآية فيها دليل لهذا الناقض من نواقض الوضوء، ولكن ننتبه هنا أنه يخرج من أحد هذين المخرجين، وأن الخارج هو الخارج المعتاد. فلهذا يقول بعض أهل العلم: الخارج من السبيلين المعتاد يعني الخارج المعتاد. فقد يخرج شيء غير معتاد لا ينقض الوضوء. مثلًا لو أدخل قضيب أو سلك على وجه ليس في المخرج شيء من النجاسة، وكان هذا السلك دخوله كخروجه مثل ما يفعل اليوم في بعض الأجهزة الطبية الحديثة للضرورة. فإذا خرج من غير معنى الرطوبة، ولم يكن معه شيء يعني مصاحب له من أثر النجاسة من أحد المخرجين، فهو ليس بناقض للوضوء. وقد نص العلماء أنه إذا خرج من المخرج الحصى الأملس، وذكروا القوارير مثل ما نسميه نحن ما يلعب به الأولاد الكرات الصغيرة الزجاجية التي ربما تسمى فتاتير أو كعارير أو نحو ذلك. فمثل هذا إذا خرج غير مصاحب للنجاسة فهو ليس بناقض للوضوء لأنه خارج غير معتاد وليس مصاحب للنجاسة. بخلافه لو صاحبته النجاسة فإنه ينقض الوضوء. ذكر المؤلف رحمه الله تعالى كما نرى دليلاً من القرآن، واكتفى به لأنه ظاهر الدلالة. ولا يعني ذلك أنه الدليل الوحيد، فالأدلة في هذا كثيرة. ففي السنة عن النبي عليه الصلاة والسلام أدلة كثيرة تدل على ذلك في الصحيحين. قد مر معنا حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ»، وهذا يدل أن الحدث ينقض الوضوء ويحتاج إلى تجديد الوضوء. وسئل أبو هريرة رضي الله عنه عن الحدث فقال: «الفساء والضراط»، ففسره بالهواء الخارج. قال العلماء: لأنه ذكر الأدنى فالأولى من باب أولى، والأكبر يدخل من باب أولى. فإذا ذكر الهواء فالبول والغائط من باب أولى يدخل في هذا المعنى. والحديث في هذا كثير الذي تدل على هذا المعنى، وسيمر بنا إن شاء الله بعض هذه الأدلة. ثم قال رحمه الله: إلا الدائم كالسلس والاستحاضة فلا ينقض للضرورة. وقوله: إلا الدائم، أي يستثنى من الخارج من السبيلين ما يخرج على وجه الدوام أي الاستمرار كالسلس. أي صاحب سلس البول وهو من يستمر خروج البول منه. وصاحب السلس كما ذكر العلماء ينقسم إلى قسمين: منه من سلسه مستمر يعني لا ينقطع منه البول بل يستمر نزوله. ومنهم من يكون سلسه مؤقتًا. فأما المستمر فهو المراد ها هنا، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله. وأما المؤقت وهو الذي يبتل به الكثير من الناس خصوصًا عند العزوبة والشباب أو من يشكو من شيء في عضوه. فإنه يحصل مع أمثال هؤلاء السلس المؤقت. والسلس المؤقت هو ما ينزل من قطرات بعد التبول، فيكون محل تشكك لصاحب هذا السلس لأنه لا ينزل مباشرة فينقطع بل أحيانًا ينزل بعد قيامه من تبوله مباشرة وأحيانًا بعده بلحظات. وهذا النوع من السلس إن كان حقيقيًا فقد ذكر العلماء أنه ينبغي عليه بعد استنجائه يتحفظ، فإن كان يعلم وقت خروجه ينتظر قليلاً حتى يخرج ثم يعيد الاستنجاء والوضوء. وإن كان لا يعلم ويشق عليه فالمشقة تجلب التيسير، فهنا يتحفظ ويتوضأ ولا يبالي بما خرج. ثم قال: قال الشيخ تقي الدين: الأحداث اللازمة كدم الاستحاضة وسلس البول لا تنقض الوضوء ما لم يوجد المعتاد، وهو مذهب مالك. وهو يريد أن يؤكد ما سبق من قوله: إلا الدائم كالسلس والاستحاضة فلا ينقض للضرورة. أي أن حكم نزول البول أو ما كان بمعناه من جهة المخرج الآخر. لأن السلس قد يكون في البول وقد يكون في الريح وقد يكون في الغائط. فإذا كان هناك سلس فالحكم يختلف لأنه جاء في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها أن امرأة استحيضت سبع سنين فسألت النبي صلى الله عليه وسلم فأمرها أن تتوضأ لكل صلاة. هكذا جاء في رواية للبخاري. وجاء في رواية أخرى أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرها أن لا تبالي بهذا الدم. فكانت هي تتوضأ لكل صلاة. والشاهد أن العلماء قاسوا على حكم الاستحاضة حكم السلس لأنه يخرج بغير إرادة الإنسان وعلى خلاف عادته، فكان له هذا الحكم الخاص والذي ستأتي إن شاء الله زيادة التوضيح له. وكما جاء فيه هذا الدليل الخاص كذلك عمومات الشريعة تدل عليه. فالقاعدة العامة في شريعتنا هي أن المشقة تجلب التيسير والعسر يجلب اليسر والحرج يدفع بالرفقة. وكل هذا المعنى العام له أدلة كثيرة أي من العمومات كقول الله عز وجل: ﴿مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِينِ مِنْ حَرَجٍ﴾، ونحو هذه الأدلة. فأراد المؤلف رحمه الله أن يؤيد هذا المعنى الذي أشار إليه بما نقله عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وهو تقي الدين. وقول شيخ الإسلام رحمه الله: الأحداث اللازمة كدم الاستحاضة وسلس البول لا تنقض الوضوء، يريد بالأحداث اللازمة أي المستمرة أي التي يبتل بها الإنسان فلا تنفك عنه. فهذه مشقة بل ضرورة. والضرورات تبيح المحظورات. والدليل أنها لا تنقض الوضوء ما جاء في حديث عائشة في الصحيحين. فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمرها أن لا تلتفت إلى هذا الدم الخارج. وفي رواية كما مر معنا أمرها أن تتوضأ لكل صلاة. وفي رواية: فكانت تتوضأ لكل صلاة. واختلف أهل العلم هل يجب الوضوء لكل صلاة؟ فمن أهل العلم من قال: يجب لأجل هذه الرواية التي في صحيح البخاري وغيره. ومن أهل العلم من قال: يستحب ولا يجب لأنهم لم يروا هذه الزيادة صحيحة مرفوعة. ويرون أن الرواية الأخرى وهي كذلك في البخاري ومسلم أنها أي المستحاضة كانت تتوضأ لكل صلاة وليس فيه الأمر. فرجحوا بهذا أنه للاستحباب وليس للوجوب. وفي هذه المسألة بحث حديثي طويل ومسألة فقهية خلافية مشهورة. وقد أطال الحافظ ابن حجر رحمه الله في ترجيح الرواية التي جاءت في صحيح البخاري من أمر النبي عليه الصلاة والسلام أي أمرها أن تتوضأ لكل صلاة وأنها ليست مدرجة. وهكذا بيّن هذا المعنى كذلك العلامة الألباني رحمه الله في مواضع من كتبه ومنها كتابه المشهور «الثمر المستطاب في فقه السنة والكتاب» وهو كتاب عظيم نافع. فالشاهد في هذه المسألة نستفيد أولاً أن الأحاديث دلت أن من ابتلي بهذا أي بالاستحاضة وبمعناه سلس البول لأن العلماء قاسوا عليه على الاستحاضة سلس البول أو السلس عمومًا الهواء أو الغائط. أن ذلك لا ينقض الوضوء أي من ابتلي باستمرار ذلك. ونستفيد ثانيًا أنه ليس معنى لا ينقض الوضوء أنه يستمر في صلاته بدون وضوء. ولكن معنى أنه يتوضأ لكل صلاة ولا ينتقض الوضوء بتلك الفترات التي يتكرر فيها نزول هذا الخارج. فبهذا نعرف أن المؤلف رحمه الله حين نقل عن شيخ الإسلام هذه المسألة نقلها من باب التأكيد ولها دليل من سنة النبي صلى الله عليه وسلم. وأما قول شيخ الإسلام رحمه الله بعد أن ذكر أن هذا الخارج على وجه الملازمة لا ينقض الوضوء فقال بعده رحمه الله: ما لم يوجد المعتاد. ويريد بما لم يوجد المعتاد أي ما لم يوجد معه شيء معتاد فيكون نقض الوضوء لأجل المعتاد لا لأجل هذا الذي فيه الملازمة من استحاضة أو سلس. مثلًا عندنا رجل عنده سلس البول فنحن نقول له على ما سبق ما دام عندك سلس البول فلا تحتاج الوضوء لأجل البول. لكن إذا دخلت الخلاء فأخرجت شيء آخر أو تبولت بإرادتك فهنا انتقض وضوءك. وأما ما خرج بغير إرادتك فهو لا ينقض الوضوء. وبهذا نعرف معنى قوله: ما لم يوجد المعتاد. وقوله: وهو مذهب مالك لأجل أن يبين الشيخ رحمه الله أن هذا القول لم يقله شيخ الإسلام من نفسه بل سبقه في ذلك علماء وإمام ومنهم الإمام مالك رحمه الله. وبه ننتبه أن علماءنا مع تحررهم واجتهادهم وحرصهم على متابعة الدليل إلا أنهم يحرصون على أن لا يقول القول إلا ولهم فيه إمام. وهذا ما نقل عن عدد من أئمتنا وعلمائنا حتى لا يقع طالب العلم وحامل العلم في الاجتهادات الشاذة والأقوال المستقبحة التي لا يعلم لها قائل من أهل العلم. فعلم أهل السنة والجماعة موروث، فما من قول حق إلا وقد سبقك إليه علماء، والمسألة فقط تحتاج إلى بحث وإلى كذلك نظر فيما ذكره أهل العلم. نكتفي بهذا القدر، والله تعالى أعلم.