الدرس في شرح كتاب الطهارة 14، الدرس الرابع عشر (ولا يبول في طريق نافع ولا تحت شجرة مثمرة ... ولايمس ذكره بيمينه ولا يستجمر بها لحديث أبي قتادة متفق عليه ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتحدث هذا الفصل عن أحكام وآداب قضاء الحاجة مثل اجتناب البول في الطريق أو تحت الشجرة المثمرة، وأحكام الاستنجاء ومس الذكر أثناء البول. كما يتناول حكم استقبال القبلة واستدبارها في البنيان والفضاء.
يتناول هذا الفصل حكم استقبال القبلة واستدبارها في البنيان والفضاء عند قضاء الحاجة، ويجمع بين الأحاديث النبوية المختلفة للوصول إلى الحكم الراجح، مشيرًا إلى جواز الاستقبال في البنيان وعدم جوازه في الفضاء.
يتناول هذا الفصل أحكام الحيض والاستحاضة، حيث يوضح أن ما يخرج عن العادة المعتادة للمرأة يعتبر استحاضة ولا يضرها، كما يشرح أحكام الكدرة والصفرة التي تلي الحيض أو الطهر وكيفية التعامل مع دم الحيض المتقطع وصلاة المرأة في أوقات النقاء.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فتتمة لدرسنا السابق، آخر ما وقفنا عليه هو قوله رحمه الله تعالى: «ويرتاد لبوله موضعًا رخوا» إلى قوله: «لحديث عبد الله بن سرجس رواه أبو داود». وعلمنا هناك بعض الأحكام المتعلقة بالاستنجاء والبول وما يجتنبه مما يضر نفسه ويضر طهارته. ثم قال رحمه الله تعالى: «وَلَا يَبُولُوا فِي طَرِيقٍ نَافِعٍ وَلَا تَحْتَ شَجَرَةٍ مُثْمِرَةٍ»؛ لأنه يؤذي الناس بذلك. وقال صلى الله عليه وسلم: «اتقوا اللاعنين» رواه مسلم، وهو يشير إلى معنى آخر من الضرر بالآخرين. فلا يضر بنفسه كما مر معنا، ولا يضر بطهارته. والآن، فيما يتعلق بالضرر بالآخرين، أتت النبي عليه الصلاة والسلام: «لا ضرر ولا ضرار». هذا الحديث العام يدخل فيه مثل هذا المعنى. ولكن من حكمة الله عز وجل ورفقه بعباده، أنزل لهم من الأحكام المفصلة ما تؤكد به مصالح الناس وتندفع به المضار عنهم. ومن ذلك هذا الحديث، وهو يشير إلى حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه الذي رواه مسلم، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «اتقوا اللاعنين»، فسألوه: «من اللاعنان؟» فقال: «الذي يتخلى في طريق الناس وظلهم». ومعناه أن ذلك سبب لعن الناس لفاعله الذي يتخلى في طريق الناس، وهكذا كذلك في ظلهم. ولاحظ قول المؤلف رحمه الله: «ولا يبول في طريق نافع». وهل معناه أن الطريق إذا كان غير نافع فلا بأس؟ الجواب: نعم؛ لأن الطريق قد تهمل وتندثر وهي طريق، لكنها مندثرة كأن ينسد منفذها، فهي كانت طريقًا وليست الآن طريقًا. فهذه ما دام الناس لا يمرون بها، فلا بأس بالتخلي فيها؛ لأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا. فالعلة هو عدم أذية الناس والإضرار بهم، وأن لا يسب الناس فاعل ذلك ولا يلعنوا. فإذا كان لا أحد يأتي لهذه الطريق، إذن العلة منعدمة. ولهذا قال: «في طريق نافع». وهذا من دقة المؤلف رحمه الله فقهه. وجاء في الحديث الآخر، حديث معاذ وغيره، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اتقوا الملاعن الثلاث»، وذكر الموارد، وقارعة الطريق، والظل النافع. فقارعة الطريق هو بمعنى الطريق النافع؛ لأن من الطريق التي يمر عليها الناس هذا هو الذي ينهى عنه. أما ما قد يمر إليه الناس، ففي الحقيقة ما من أرض إلا وقد يمر بها إنسان. المرور شيء، والطريق التي يسلكها الناس غالبًا شيء آخر. فقارعة الطريق تدل على أن ما يكثر سلوك الناس فيه، فما كان قليلًا أو نادرًا، فالأولى أن يجتنب. لكن إذا لم يكن لم يمكن الإنسان، كأن يكون مثلًا في وادي لا يمكنه أن يقضي حاجته إلا ما بين الجبلين، بعض الأودية ضيقة، وهو في سفر ويحتاج إلى قضاء حاجته، فيبتعد من قارعة الطريق، يعني المكان الذي يمر إليه الناس. يمر فيه الناس إلى الجوانب، جوانب الوادي قد يمر إليها بعض الناس أحيانًا. مرور بعض الناس أحيانًا في ذلك المكان لا يضر إن شاء الله؛ لأن المشقة تجلب التيسير. وقوله: «ولا تحت شجرة مثمرة»، الصحيح ليس شرط الإثمار، وإنما المطلوب أوسع من الإثمار، وهو كل ما فيه منفعة للناس، سواء شجرة لها ثمر أو شجرة ليس لها ثمر، كأن تكون الشجرة فيها ظل، وظلها مما ينتفع به، كالأشجار الكبيرة أو الأشجار التي في طريق الناس ونحو ذلك. فمثل هذا لا ينبغي للمسلم أن يتخلى تحته. وأما شجرة في خلاء، ولو فيها ظل، فلا بأس أن يتخلى فيها. وقد مر معنا حديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه في تخلي النبي عليه الصلاة والسلام بين الشجرتين. وقوله رحمه الله: «لأنه يؤذي الناس»، هذا التعليل يفيدنا أن الحكم غير منحصر بهاتين الخصلتين؛ لأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا. فإذا وجدت هذه العلة وجد هذا الحكم. فكل ما كان بمعنى هذين الأمرين فهو مثله. ولهذا زاد في الحديث الآخر: «الموارد»، يعني ما يرد إليه الناس، كالماء والبئر، وكذلك المزارع وغيرها مما ينتفع الناس بها. فكل ما يؤذي الناس، لا يجوز للمسلم أن يتخلى فيه، يعني في المكان الذي يحصل به الضرر والإيذاء للناس. وبه نعلم كذلك أن مفهوم العدد لا يفيد الحصر؛ أن مفهوم العدد لا يفيد الحصر. كون النبي عليه الصلاة والسلام قال: «اتقوا اللاعنين»، ليس معناه أنه لا شيء غير هذين الاثنين. وهكذا في الحديث الآخر: «اتقوا الملاعن الثلاث»، ليس معناه أنه لا وجود إلا لهذه الثلاث. ولكن يفيد أن هذا المذكور بالعدد أخص ما ينبغي الاعتناء به. وإلا فقد يوجد غيره مما هو بمعنى. ثم قال رحمه الله تعالى: «ولا يستقبل القبلة في الفضاء لحديث أبيه أيوب متفق عليه». وهو يشير إلى حديث أبي أيوب في الصحيحين: «إذا أتيتم الغائط»، عن النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها، ولكن شرقوا أو غربوا». وله ألفاظ، في بعضها: «لا تستقبلوا القبلة، ولكن شرقوا أو غربوا». وقوله: «ولا يستقبل القبلة في الفضاء»، يعني أن هذا الأمر متفق عليه، أكثر أهل العلم على القول به. ولم يخالف فيه أحد، يعني يعتبر بقوله. وقوله: «وفي استدبارها في الفضاء واستقبالها في البنيان روايتان»، يعني عن الإمام أحمد رحمه الله. ومعنى استدبارها في الفضاء: أي ضد الذي سبق، أن يقضي حاجته وهو مستدبر القبلة، ليس مستقبلًا لها، وهو في الفضاء. وقوله: «روايتان»، أي عن الإمام أحمد، يريد أن الرواية الأولى بالمنع، والرواية الأخرى بالجواز. والسبب في ذلك والله أعلم أحد أمرين: إما أن أكثر روايات ليس فيها ذكر الاستدبار، فيكون للإمام أحمد رحمه الله رواية بذلك بحسب أكثر روايات. فأكثر روايات فيها النهي عن الاستقبال، وليس فيها النهي عن الاستدبار. ولأن الترخيص جاء في الاستدبار في البنيان، حديث ابن عمر في الصحيحين: «رقيت يومًا على بيت أختي حفصة، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقضي حاجته مستقبل الشام مستدبر الكعبة». والحديث في الصحيحين من حديث ابن عمر. فالاستقبال لم يرو في الصحيحين فيه حديث، ولكن الرواية الأخرى عن الإمام أحمد رحمه الله لعلها الأصح؛ فهو الذي وافق الأدلة في ذلك؛ لأن الأحاديث التي فيها النهي عن الاستقبال والاستدبار في الفضاء كثيرة. وإن كان الأكثر بعدم ذكرها، لكنها كثيرة وهي صحيحة، منها أحد الروايات في حديث أبي أيوب في النهي عن الاستقبال والنهي عن الاستدبار، وهو في الصحيحين. وجاء عن جماعة من الصحابة معناه. وأما مسألة الاستقبال في البنيان، أنه لا فرق بينه وبين الاستدبار، يدل عليه ما جاء في حديث جابر بن عبد الله، وهو صحيح فيما رواه ابن ماجة والحاكم وابن حبان والدارقطني وجماعة، قال: «نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن نستقبل القبلة ببول»، فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها -يعني في البنيان- هكذا. فحمله العلماء: «فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها». نهى النبي صلى الله عليه وسلم: «أن نستقبل القبلة ببول». قال جابر: «فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها». فهذا الحديث يدل على جواز الاستقبال في البنيان، جمعًا بينه وبين حديث أبي أيوب في النهي. وهذا أحسن من القول بالنسخ مطلقًا. فنقول: يجوز في البنيان، وفي غير البنيان سواء الاستقبال أو الاستدبار. فحديث ابن عمر على الصحيح لا يفيد نسخ استقبال القبلة في الفضاء، نسخ استدبار القبلة في الفضاء عند قضاء الحاجة؛ لأنه كان في بنيان. وهذا هو السبب الثاني الذي لعله لأجله روي على إمام أحمد رحمه الله الرواية الأخرى. ولكن القاعدة عند أهل العلم أن إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما. ومعناه: عندنا دليل ينهى عن الاستقبال والاستدبار، وهو حديث أبي أيوب، وما كان من أحاديث بمعناه، جاء عن جماعة من الصحابة. وعندنا أحاديث تدل على الجواز، كحديث ابن عمر وحديث جابر بن عبد الله وبمعناه أحاديث. فماذا نصنع؟ الجواب: إذا استطعنا أن نعمل جميع الأدلة، بمعنى يصلح الجمع به بدون تكلف، فهذا أفضل من أن نترك معنى أحد طرفي الأدلة. وهذا هو قول أهل العلم: «إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما»؛ لأننا لو قلنا: أن النهي عن الاستقبال والاستدبار منسوخ بحديث ابن عمر أو حديث جابر أو بهما جميعًا، أهملنا حديث أبي أيوب وعطلناه ولم نعمل به. وإذا قلنا بالعكس: حديث أبي أيوب يفيد النهي مطلقًا، صرنا بهذا عطلنا حديث ابن عمر وحديث جابر بن عبد الله. وليس عندنا دليل صحيح صريح يدل على أن أحد جهتي الأدلة هذه ينسخ الآخر؛ لأن للنسخ شروطًا ذكرها العلماء. ومن هذه الشروط: العلم بالمتأخر والمتقدم، ووجود قرينة تدل على النسخ. ولا وجود لذلك. فلهذا الأولى إعمال الدليلين. فإعمال الدليلين بهذا التفصيل: ما كان في البنيان فهو جائز، وما كان في غير البنيان فهو لا يجوز، سواء الاستقبال أو الاستدبار، بدليل حديث ابن عمر وحديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما. فعلمنا مما سبق أن الخلاصة في هذه المسألة على القول الراجح والله أعلم: جواز استقبال واستدبار القبلة في البنيان، وعدم جواز ذلك في الفضاء. ثم قال رحمه الله: «قال الشيخ تقي الدين: يحرم استقبال القبلة واستدبارها عند التخلي مطلقًا، سواء الفضاء والبنيان». يعني سواء أكان في الفضاء أو في البنيان. ومعناه: أن شيخ الإسلام رحمه الله مال إلى حديث أبي أيوب في الصحيحين، خصوصًا أنه جاء في أحد رواياته قول أبي أيوب: «كنا إذا أتينا الشام وجدنا مراحيضهم في حماماتهم كانت إلى جهة القبلة، كنا ننحرف عنها ونستغفر الله عز وجل». فلذلك كان شيخ الإسلام يفتي بأنه في البنيان وفي غير البنيان يمنع الاستقبال والاستدبار. فإذا كان فينحرف عن الجهة. ثم ذكر المؤلف رحمه الله أن هذا القول الذي قاله شيخ الإسلام هو رواية عن الإمام أحمد، اختارها أبو بكر عبد العزيز. وأبو بكر عبد العزيز -أو ابن عبد العزيز- هو أحد من نقل عن الإمام أحمد رحمه الله مجموعة من المسائل الفقهية والعلمية. ونقل هذا عنه شيخ الإسلام رحمه الله في شرح العمدة، واستدل له بحديث أبي هريرة: «إذا جلس أحدكم لحاجته فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها». وأصله في صحيح مسلم. فقوله: «فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها»، عام ليس فيه ذكر بنيان ولا غير بنيان. والصحيح كما سبق: أن إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما. وهذا هو أولًا ما يمكن به الجمع بين الأدلة حتى لا نعطل شيء من الأدلة. وثانيًا هو الأرفق بالناس. وثالثًا هو كذلك المعنى المعقول الذي يمكن التعليل به. وقوله رحمه الله: «ولا يكفي انحرافه عن الجهة»، قال في الاختيارات -أي قال هذا شيخ الإسلام في كتابه الاختيارات-. وقوله: «قلت»، القائل هو شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، وهو ظاهر كلام جده. يعني في كتابه -يعني أصل المنتقى-. ومعناه: أن الانحراف اليسير لا يكفي، بل عليه أن يميل تمامًا حتى يشرق أو يغرب. يشرق أو يغرب امتثالًا لحديث أبي أيوب. وهذا يصح إذا كان في الفضاء. أما إذا كان في البنيان، فعلى الصحيح أنه لا حاجة لذلك؛ لصريح حديث ابن عمر وحديث جابر بن عبد الله، فهي أحاديث صحيحة صريحة تدل على جواز الاستقبال والاستدبار، ولكن عند البنيان. نعم، والله أعلم. نعم، يقول أخونا أبو حديفة: مسألة التشريق والتغريب: «يشرق أو يغرب»، هذا بالنسبة لمن قبلته شمال أو جنوب، مثل أهل المدينة بالنسبة لمكة، وأهل اليمن بالنسبة لمكة. فمن قبلته في شماله أو قبلته في جنوبه، فالابتعاد عن القبلة يكون بالتشريق والتغريب. لكن من قبلته في الشرق أو قبلته في الغرب، فإذن سيكون ابتعاده عن القبلة أثناء تخليه بماذا؟ بالتوجه إلى الشمال أو الجنوب، عكس ذلك. وما دام أنه ذكر فيه العلة، فالحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا. فالمقصود هو عدم استقبال القبلة، المقصود هذا، وليس المقصود هو ملازمة التشريق والتغريب. وبهذه اللفظة نعرف خطأ قول بعض الفقهاء الذين استدلوا بأحاديث ضعيفة، ولم تصح، أنه كذلك لا يجوز استقبال الشمس ولا القمر. حتى قال بعض أهل العلم ساخرًا بهذا القول: أنه إذا كان لا يشرق ولا يغرب، ولا يستقبل الشمس في مشرقها ولا مغربها، إذن يحفر لنفسه حفرة ويدخل فيها. وهذا من باب السخرية والإلزام لهم. وإلا في الحقيقة هذا ليس بصحيح؛ فلم يصح شيء في النهي عن استقبال النيرين كما يقولون -يريدون القمر والشمس-. لم يصح في ذلك شيء. والخلاص هذا الذي سمعناه، الله تعالى أعلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: «ولا يمس ذكره بيمينه ولا يستجمر بها لحديث أبي قتادة متفق عليه». يشير رحمه الله تعالى في هذا إلى مسألتين من مسائل الاستنجاء كذلك: ويمس الذكر باليمين، والاستجمار باليمين. وأشار إلى حديثه أبي قتادة في الصحيحين، وهو قوله فيما يرويه عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول، ولا يتمسح من الخلاء بيمينه، ولا يتنفس في الإناء». الحديث. فقوله عليه الصلاة والسلام: «لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول»، نهي عن مس الذكر باليمين أثناء البول. «ولا يستجمر بها»، أي لا يستجمر باليمين. فكل الأمرين منهي عنه. ما يستجمر باليمين أثناء البول؛ لأنه قال: «وهو يبول». وهكذا كذلك لا يستجمر بها، أي لا يستجمر باليمين. والاستجمار كما علمنا هو التمسح بالأحجار أو ما كان بمعناها من المناديل ونحوها، يعني لا يكون ذلك باليد اليمنى. وذلك لما تقدم من أن اليمين دلت عمومات الأدلة على تجنيبها ذلك؛ لأشياء لأسباب كثيرة. من هذه الأسباب: أن اليمين تستعمل لتناول الطعام، فكان من حكمة الله عز وجل أن جعل في شرعه مثل هذا الحكم؛ حفاظًا على الناس أن لا يضر أنفسهم بشيء من الخارج أثناء التخلي. وهكذا كذلك تنزيهًا لليمين عما يستقبح ويستقذر. ولاحظ في قول المؤلف: «ولا يمس ذكره بيمينه»، يعني عند الاستنجاء. والحديث: «لا يمسك أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول». فالنهي عن مس الذكر عند البول. والمؤلف رحمه الله جعل النهي عن مس الذكر باليمين أثناء الاستنجاء، يعني هذا من أحكام الاستنجاء. قد يحمل كلامه رحمه الله على التوسع فيكون مراده الحديث، خصوصًا أنه أشار إليه: «لحديث أبي قتادة». فحديث أبي قتادة فيه التقييد أثناء البول: «وهو يبول». وهل معنى أنه إذا كان وهو غير حال البول يجوز له أن يمسك ذكره بيمينه؟ قال بذلك بعض أهل العلم إذا احتاج، خصوصًا إذا احتاج؛ لأنه إذا كان لن يستنجي باليمين وإنما سيستنجي بالشمال، فإن احتاج أن يمسك ذكره حتى لا يصيب ثيابه أو جسده، فسيحتاج إلى إعانة اليمين ليمسح بالشمال. يمسح الذكر بالشمال. فلا يكون بذلك دخل في نهي النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن النهي إنما هو في حال البول: «لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول». أما وهو يتمسح فلا يتمسح باليمين، وإنما يتمسح بالشمال. فيكون حكم هذه المسألة: ولاحظوا إلى هذه الأحوال. عندنا الآن: تمسح باليمين، هذا منهي عنه بنص الحديث. وعندنا مس الذكر أثناء البول باليمين، وهذا منهي عنه بالحديث. وعندنا ثالثًا: مس الذكر باليمين، ولكن عند التمسح وليس عند التبول، هذا ليس في حديث أبي قتادة الكلام عليه. لكن عمومات الأدلة تدل مع بعض الألفاظ الأخرى على أنه لو ترك لكان أفضل. لو ترك لكان أفضل. فإذا لم يستطع تركه، مثل إنسان مبتدئ، بعض المبتدئين الذين ما يعرفون الاستنجاء أصلا، يعرفون استعمال الماء، ما يعرفون استعمال الاستنجاء. فمثل هؤلاء يشق عليهم استعمال يد واحدة في أثناء الاستنجاء. فإذا احتاج لذلك دفعًا لمفسدة أكبر وهي عدم تلويث ثيابه وجسده، فلا بأس. وإلا فالأفضل والأكمل والأحوط أن يستنجي بيد واحدة، باليد الشمال. فإن قال: كيف؟ الجواب: أن يجعل بعض أصابعه إن كان منديل أو حجر لرفع ذكره، والبعض الآخر للمسح، كلها باليد اليسرى. بعضها للمسح، وبعضها لمس الذكر. وبهذا ينتهي من الاستنجاء. ومن كان لا يحسن ذلك ويخشى مفسدة تلويث جسده، فلا بأس أن يمس ذكره باليمين، لكن ليس أثناء البول، وإنما أثناء الاستنجاء. والأحوط تركه، والله تعالى أعلم. بسم الله الرحمن الرحيم، يقول السائل: أنا أعيش في كندا، ويوجد مسجد صغير في المدينة التي أعيش فيها. والإخوة هنا معظمهم يتكلمون بعضهم لبعض بعد الانتهاء من الصلاة داخل المسجد، وقد اتخذوا هذه المسألة عادة، رغم أنها تشوش على الآخرين الذين لا زالوا في صلاة. وقد كلمنا بعضهم في ذلك، فأجاب: أن المسجد هو المكان الأفضل للكلام مع الإخوة ومناقشة أمور يومهم وأمورهم الأخرى، خصوصًا في بلاد الكفر، بعيدًا عن الفتن، خارج المسجد. فهل يجوز الكلام في المساجد في هذه الحالات؟ وهل يأثم فاعل ذلك أم لا؟ الجواب: إذا كان كما ذكر السائل يشوش على المصلين، فلا يجوز. وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يجهر الناس بعضهم على بعض بالقرآن، يعني حتى لا يشوش بعضهم على بعض. واستدل به العلماء: أنه لا يجوز لقارئ القرآن أن يرفع صوته بالقرآن، وهو قرآن، إذا كان في ذلك تشويش على المصلي لهذا الحديث. فكيف إذا كان ليس بقرآن، بل كلام من كلام الناس؟ فهذا أشد. فلا يجوز التشويش على المصلي. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إياكم وهيشات الأسواق»، يعني لا تحول المساجد كالأسواق. تعرف إذا دخلت السوق تسمع فيها أصوات ضجيج كلام الناس، ربما لا تفهم شيء، لكن تسمع أصوات هذه الأصوات تسمى هيشات. فنهى النبي صلى الله عليه وسلم أن تحول المساجد كالأسواق، فيكون فيها هيشات، ضجيج، أصوات الناس. تعظيمًا لشعائر الله وحفظًا لحرماته، وكذلك عدم أذية للمصلين. وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بني آدم». فإذا كان المصلي يتأذى من هذا التشويش، فالملائكة كذلك تتأذى. فإذا هم يؤذون المصلين ويؤذون الملائكة التي تأوي إلى هذه المساجد، فلا يجوز مثل ذلك. فإن كان ولابد من كلام، ينتظرون، يؤجلون كلامهم إلى بعد أن ينتهي الناس من صلواتهم جميعًا. فيجلسون يتكلمون فيما يحتاجون الكلام فيه. وعلى هذا يحمل ما كان يروى عن بعض الصحابة أنهم يجلسون بعد صلاة الفجر يتحدثون ويذكرون من أمور الجاهلية، فيضحكون، فينظر إليهم النبي عليه الصلاة والسلام، وفي مجلسه يذكر الله، وهو يتبسم. فهذا يحمل أنه ما كانوا يشوشون على أحد بالصلاة في صلاته، ويمكنهم كذلك أن يخفضوا في أصواتهم إذا احتاجوا. إذا شيء لابد منه، يخفض صوته بحيث لا يؤذي المصلين. فإذا انتهى المصلون من صلاتهم، لا بأس بعد ذلك يتكلمون بما شاء، بغير أذية لأحد، والله تعالى أعلم. وهذا السائل يقول: امرأة أتتها دم الحيض متقطعة جدًا، فيومًا ترى دمًا وآخر نقاءًا، مع العلم أن هذا الدم هو قليل جدًا. فماذا تفعل؟ هل تصلي كلما رأت النقاء أم لا؟ الجواب: إذا كانت حين ترى الدم هذا الدم هو دم الحيض الذي تعرفه بصفاته، فهي تترك الصلاة. ولدم الحيض صفات ذكرها العلماء: أولها أن له رائحة تعرفه المرأة، وثانيها أن دمه يميل إلى السواد، وثالثها أن المرأة تشعر به أنه يخرج من الجوف -الرحم- جوف الرحم، ليس من الطرف، تشعر به حتى أن بعض النساء تشعر بخروجه قبل أن يخرج. ورابعها أنه يتأخر في التخثر، يعني لا يتجلط بسرعة كدم الاستحاضة ودم سائر الجسد. هذه أربع صفات، بواحد منها تستطيع أن تجزم أنه دم حيض أم لا؟ فإذا جزمت أنه دم حيض، فهي تدع الصلاة. فإذا انقطع هذا الدم ورأت طهرها، وينبغي أن يُعلم أن طهر النساء يختلف. فبعض النساء طهرهن الرطوبة التي تخرج، وهي القصة البيضاء، يعني رطوبة بيضاء ليس لها لون. فمن كان هذا طهرها، إذا رأت الطهر فهي تصلي، ولو تكرر ظهور الدم عند هذه المرأة وظهور الطهر. فكلما رأت الطهر صلت، وإذا رأت الدم وتأكدت تركت. والثالث -أو الأمر الثاني- إذا كان طهرها الجفاف، فإذا كان طهر المرأة الجفاف، فهي إذا رأت الجفاف صلت؛ لأن طهرها الجفاف. فإذا شكت في الطهر أو شكت في الحيض، فهنا ترجع إلى عادتها. إن كان لها عادة، إذا شكت ترجع إلى عادة. إن كان لها عادة، مثلًا عادتها أن الدم يأتي سبعة أيام، إذن وقت الشك ما زاد عن هذا الدم أو تكراره بعد ذلك لا تبالي به؛ لأن عادتها أن الدم ما يزيد عن هذا. فما خرج عن العادة فهو استحاضة لا يضرها. وهكذا تفعل في الطهر. وهنا تنبيه أخير، وهو أن المرأة قد يتبع الدم شيء من الكدرة والصفرة. فالعلماء ذكروا أن الكدرة والصفرة هي تبع لما قبله. إن كان قبل الكدرة والصفرة الحيض فهو من الحيض، وإن كان الكدرة والصفرة قبله الطهر فهو من الطهر. يعني إن كان من الحيض لا تستعجل حتى ترى الطهر تمامًا. وإن كان قبله الطهر فلا يضرها ظهور الكدرة والصفرة حتى ترى الدم يقينا حتى ترى الدم يقينا، والله تعالى أعلم.