شرح كتاب الطهارة  4

شرح كتاب الطهارة 4

الدرس في شرح كتاب الطهارة 4، الدرس الرابع (قال الشيخ تقي الدين ويكره الغسل لا الوضوء بماء زمزم ... لزوال عين النجاسة ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أحكام ماء زمزم وتنجيس الماء

ناقش المقطع أحكام ماء زمزم ومسألة تنجيس الماء، حيث بين كراهة الوضوء بماء زمزم لما قد يترتب عليه من مفاسد، وأن الماء لا ينجس إلا بتغيره. هذا المذهب هو مذهب مالك ورواية عن أحمد واختاره ابن تيمية وابن القيم.

تطهير الماء النجس ومسائل متعلقة

المقطع شرح كيفية تطهير الماء النجس، حيث يبين أن الماء يطهر إذا أضيف إليه ماء طهور كثير أو زال تغيره بنفسه أو نزح منه الماء المتغير. كما ناقش مسألة تغير الماء بسبب النجاسة وكيفية التعامل معها.

دخول الجن في الإنسان وتطهير الماء من النجاسة

تناول المقطع موضوعين، الأول يتعلق بطريقة تطهير الماء من النجاسة، والثاني يجيب على سؤال حول دخول الجن في الإنسان. يُوضح أن الماء يمكن تطهيره بنزح الماء الملوث، كما يبين أن دخول الجن في الإنسان يمكن أن يحدث بطرق مختلفة.

ختام الدرس والدعاء

المقطع يشير إلى انتهاء الدرس مع التعبير عن العلم الإلهي والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، ويختم بالدعاء بالخير للمستمعين.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، تتمة لما سبق من قراءتنا لكتاب شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله، بكتاب الطهارة. قال: قال الشيخ تقي الدين: «ويكره الوضوء بماء زمزم». هذه مسألة أخرى من مسائل كتاب الطهارة، والتي تتعلق بأحكام المياه، فما زلنا في أحكام المياه. ويريد بــ«تقي الدين»: أي شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى، وهو يشير رحمه الله إلى خلاف منقول في كتب الفقه، وهو خلاف واسع وطويل، وتحتَه مباحث كثيرة وردود متشعبة، خلاصتها أنهم اختلفوا في التطهر بماء زمزم، سواء الطهارة بالاستنجاء منه أو برفع الحدث كالوضوء منه أو الاغتسال. وانتقى المؤلف رحمه الله من ذاك الخلاف ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله، وأشار إلى ذلك صاحب كتاب الإنصاف، وهو المرداوي، وغيره من أهل العلم عن شيخ الإسلام أنه رجح في هذا الخلاف الطويل، الذي يمكن أن يرجع إليه في تلك الكتب كالإنصاف، وهكذا كذلك ما أشار إليه في غيره من كتب الحنابلة الأخرى. ومبنى هذا الخلاف ثلاثة أمور: الأمر الأول، زعم من منع أنه ينافي وقف الواقف، يعني لماء زمزم، فزعموا أن وقف ماء زمزم إنما هو للشرب فقط، وعلى هذا الزعم منعوا سائر الانتفاعات الأخرى. وزعم بعضهم أنه للشرب والوضوء، وعلى هذا منعوا الانتفاعات الأخرى ما زاد عن الشرب والوضوء. وهكذا على هذا وبمعناه كان الخلاف. وبعضهم علل بتعليل آخر، وهو أن ماء زمزم ماء مُعَظَم، ولأجل ذلك لا ينبغي أن يستخدم في الاستنجاء، ويجوز في غيره من شرب ووضوء وغسل. وعلل آخرون بتعليل ثالث، فزعموا أنه تعبدي، وينبغي أن لا يتعدى فيه الدليل. وهكذا كما قلنا تشعبت الأقوال، وهكذا الخلاف فيه كثير. فالخلاصة أن الشيخ رحمه الله اختار ما ذهب إليه شيخ الإسلام من أنه يكره الوضوء بماء زمزم. وكأنه يريد أن الوضوء فيه توسع في استخدام الماء بما قد يضر الآخرين، وما قد يحصل به تكشف للعورات، خصوصا في تلك المجامع الكثيرة. فالحاصل الصحيح أن ماء زمزم لم يرد دليل صحيح صريح يدل على المنع من استخدامه بأي كيفية من الكيفيات، فهو على أصل الإباحة، إلا إن دل دليل أو احتفت قرينة لوجود مفسدة أهم، كالإضرار بالناس أو كذلك تكشف عورات أو نحوه، فينبغي عند ذلك أن يمنع الناس من هذا الاستخدام الذي يحصل به ذلك. قال المؤلف رحمه الله تعالى: «ولا ينجس الماء إلا بتغيره». وهو رواية عن أحمد، ومذهب مالك، واختاره الشيخ تقي الدين ابن القيم. هذه مسألة أخرى من مسائل كتاب الطهارة، وهي أن الماء لا ينجس إلا بالتغير، وهذا هو الصحيح. والمسألة تحتها كذلك خلاف كثير وطويل. والخلاصة أن الماء إذا تغير، سواء كان قليلا أو كثيرا، بالنجاسة، فإنه نجس. ونزيد فنقول: تغير بالنجاسة بالمخالطة لا بالمجاورة. تغير بالنجاسة بالمخالطة لا بالمجاورة. وسبقت الإشارة إلى هذا المعنى، ومر معنا قول النبي عليه الصلاة والسلام: «الماء طهور لا ينجسه شيء». وهو حديث صحيح. وجاء في زيادة ضعيفة من طريق رشدين بن سعد، ومعناها صحيح، قام الإجماع عليه: «إلا ما غلب على ريحه أو لونه أو طعمه». معناه أنه إذا حصل التغيير في اللون أو الريح أو الطعم بسبب النجاسة، فإن الماء نجس. وقلنا: الرواية ضعيفة، لكن قام الإجماع عليها، والإجماع عند أهل السنة حجة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: «ولو كان تغيره في محل التطهير، فهذا تبع لمسائله». قال: «وإن لم يتغير وهو يسير، فهل ينجس؟ على روايتين، الثانية: لا ينجس، اختاره الشيخ تقي الدين». هاتان المسألتان: المسألة الأولى في هذه الفقرة: «ولو كان تغيره في محل التطهير»، يعني أن الماء لا ينجس إلا بتغيره، ولو كان تغيره في محل التطهير. مثلا: صببت ماء قليلا في موضع فيه نجاسة غليظة، فأثناء إزالة هذه النجاسة بالماء القليل تغير هذا الماء، هل ينجس أو لا ينجس؟ الصحيح أنه ينجس، إذن لا يكفي التطهير به. مثلا: رجل أصيب بنجاسة غائط أو بول أو نحوه، فأدخل هذا الرجل رجله في إناء صغير ليغسل هذه النجاسة، فغسل هذه النجاسة بهذا الماء، وهو يريد أن يكمل الآن الوضوء، غسل كل الجسد بقي الرجل مثلا، فغسل هذه الرجل التي فيها هذه النجاسة، فتغير الماء حين أدخل رجله في الوعاء الصغير هنا، ولو زالت النجاسة من الرجل لم يصح؛ لأن الماء قد تنجس لظهور أثر تغيره بالنجاسة. فإذن يحتاج لماء جديد ليس فيه تغير بنجاسة يغسل به الرجل للطهارة. ومن هنا ننبه أنه ينبغي في مثل هذه الحال إزالة النجاسة أولا، ثم التطهر للوضوء ثانيا. وهكذا كذلك ينبغي أن يعلم أن صب الماء لإزالة النجاسة أولى من إدخال الرجل بنجاستها إلى وعاء الماء؛ لأن الماء إذا أدخل فيه النجاسة ربما يتغير، فلا يصلح عند ذلك التطهر به. قال رحمه الله تعالى: «فإن أضيف إلى الماء النجس طهور كثير، أو زال تغيره بنفسه، أو نزح منه، فبقي بعده غير متغير، طهر لزوال عين النجاسة». هذه مسألة أخرى من مسائل الطهارة، وما يتعلق بأحكام المياه خاصة. يقول: إن أضيف إلى الماء النجس طهور كثير، يعني ماء طاهر كثير. وقوله: «طهور» هي عبارة الكثير من الفقهاء احتياطا من «ماء طاهر غير طهور». ومر معنا أن الصحيح في الماء إذا كان ماء فهو طاهر ومطهر، فهو طهور، ما دام يسمى ماء؛ إذ لا يوجد شيء اسمه ماء هو طاهر ليس بطهور، ليس مطهر، إلا إذا نزع منه اسم الماء، أو غلبت عليه النجاسة فصار نجسا. فالشاهد أن الماء إذا أضيف إليه ماء آخر كثير، وزالت تلك النجاسة، إذن الماء يطهر. وهذه المسألة تسمى بمسألة تطهير الماء. كيف يمكن أن يطهر الماء؟ وهذه ثلاثة طرق يطهر بها الماء. أولها: تكثير الماء القليل المتغير، مثلا: وقعت نجاسة في وعاء صغير فيه ماء، فشممت الوعاء وجدت فيه أثر النجاسة بوجود الرائحة، صببت على هذا الماء القليل ماء كثيرا، فزال أثر رائحة النجاسة، هل يطهر الماء أم لا يطهر؟ الصحيح أنه يطهر؛ لأن الحكم يدور مع علته وجودا وعدما. ثانيا: قوله: «أو زال تغيره بنفسه»، مثلا: سقطت نجاسة لها جرم، أخرجت هذا الجرم، بقي لون يسير من أثر جرم النجاسة فوق سطح الماء قليل، ثم زال هذا اللون، شممت الماء ليس فيه رائحة نجاسة، طعمت الماء لم تجد فيه طعم النجاسة، نظرت في لون الماء ليس فيه لون النجاسة، أين ذهب ذاك اللون الذي رأيته؟ الجواب: تغير بنفسه، الماء طهر نفسه بنفسه، فهنا هل يصير الماء نجسا؟ الجواب: لا، ليس الماء بنجس، بل هو طاهر. الطريقة الثالثة في تطهير الماء: أن ينزح منه، مثل: بئر سقطت فيه ميتة، فنزعت هذه الميتة، بقي أثر الميتة في ماء البئر في طعمه ورائحته، وإن لم يكن لونه متغيرا، ماذا يفعل؟ ينزح هذا البئر، يعني يخرج منها ماء؛ لأنه إذا سحب من البئر كما تعلمون يزيد البئر من أصله ماء آخر جديد، فينزح من الماء، يسحب، يسحب، يسحب، حتى يذهب أثر الرائحة والطعم الذي كنت تجده في هذه البئر، وبهذا يطهر هذا الماء. وبه نعرف أن الحكم يدور مع علته وجودا وعدما، كما هو موضح في هذه الأمثلة الثلاثة. وهذا هو قوله: «لزوال عين النجاسة». نكتفي بهذا، إن شاء الله، لانتهاء الوقت، وننتقل إلى الأسئلة. سائلة من بلجيكا تقول: هل يدخل الجن في الإنسان بالعين والسحر والحسد فقط؟ الجواب: أولا ينبغي أن تعلم هذه السائلة ومن يسمع أن الناس في بابي تلبس الجن بالإنس طرفان ووسط. طرف ينكر ذلك من العقلانيين قديما وحديثا، وأدلة الكتاب والسنة ترد عليهم في ثبوت حصول ذلك. وطرف آخر يبالغ في هذا الباب ويتوسع فيه، وينشغل به في نفسه وفي غيره، وفي الإسراف في ضياع الوقت في أخبار ذلك وأحواله وتفاصيله، وهذا خطأ. وينبغي المسلم أن ينشغل بما ينفعه من العلم والعمل الصالح، العلم النافع والعمل الصالح خير له من الانشغال بهذا الباب والتوسع فيه بما يورث له الضعف في علمه وفي عمله. فإذا كان كذلك، فينبغي أن تكون السائلة سالكة المسلك الوسط الذي سار عليه الصحابة رضي الله تعالى عنهم ومن بعدهم من الصالحين، من التابعين ومن تبعهم من أئمة المسلمين، فلا إفراط ولا تفريط في هذا الباب. وهذا بالانشغال بالعلم، إذا انشغل الجميع بالعلم، تعلم العقيدة، تعلم الأحكام العبادة، تعلم، تعلم مباحث الآداب والسلوك، القراءة في التفسير، القراءة في الحديث، هذا يشغل عن القيل والقال والكلام الفارغ في هذا الباب ويغني. وفي نفس الوقت لا يكون الإنسان عقلانيا يثبت ما أثبتت أدلة الكتاب والسنة من غير مبالغة ومن غير كذلك نقص. أما قول: هل يدخل الجن في الإنسان بالعين والسحر والحسد؟ أما بالحسد فلا أعلم دليل صحيح صريح يدل أنه يحصل التلبس به، إلا ما كان معه تلك العين الخبيثة. أما حسد لوحده لا أعلم دليل يدل على ذلك. وهل يمكن في غيره في غير العين والسحر؟ نعم ممكن، ممكن بأن يكون ذلك في وقت خلوة الإنسان وغفلته، لا بعين ولا بسحر، لكن كون الإنسان خالي عن ذكر الله ومتعرض لمواضع أولئك الشياطين، إما بأن يؤذيهم وإما أن يأتي إلى أماكنهم أو نحو ذلك، فيستغل الشيطان غفلة هذا الإنسان فيتمكن فيه. وهذا غير العين والسحر. والله تعالى أعلم، ولكن أكرر: ينبغي الإنسان أن ينشغل بالعلم، ومن العلم المحافظة على الأذكار، أذكار الصباح والمساء وأذكار النوم والدخول والخروج، وقراءة القرآن، كل هذا إن شاء الله من الرقى والحمى التي يحتمي بها المسلم من الشياطين، شياطين الجن وشياطين الإنس. سائلة تقول: يوجد في ملابس لطفلها صور، فهل تطمس الصورة كلها أم فقط الوجه والعينين؟ الجواب: تطمس الرأس لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إنما الصورة الرأس». فإذا طمس الرأس فلا صورة. والمراد بالرأس: الوجه والعينين وكل ملامح الرأس. ممكن تفعل، ممكن تفعل شيء من الغزل على تلك الصورة، إن كان تطريزا أو خرقة صغيرة تخيطها على الرأس. وإن نوع من الألوان فتضع عليه لون آخر يضيع ملامح الرأس، مثلا اللون الأسود أو نحوه من الألوان التي تناسب إزالة ذاك الرأس. والله تعالى أعلم. نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم، وجزاكم الله خيرا.