شرح السياسة الشرعية  30

شرح السياسة الشرعية 30

الدرس الثلاثون:من( وإذا كان النبي قد قال:إن من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله في أمره ... وبمنزلة من أخذ مالاً ليجاهد به في سبيل الله فقاتل به المسلمين ).

تحريم أخذ المال مقابل تعطيل الحدود

يشرح الشيخ ابن بريك تحريم أخذ المال مقابل تعطيل الحدود ويربط ذلك بفساد السلطان وانتشار الفساد، مستدلاً بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية. يبين خطورة هذا الفعل وتأثيره على المجتمع.

تحريم المال المكتسب من الأفعال المحرمة

يتناول المقطع تحريم المال المأخوذ على أفعال محرمة مثل مهر البغي وحلوان الكاهن، ويستدل بحديث النبي صلى الله عليه وسلم. يشرح أن هذه الأفعال تفسد الضرورات الخمس التي يحفظها الإسلام وتؤدي إلى انتشار الفساد.

كيفية التعامل مع المال الحرام

يتحدث المقطع عن كيفية التعامل مع المال الحرام بتجنب خمسة أمور: الأكل، الشرب، اللبس، استخدام المال في سبيل الله، والانتفاع به. يجب التخلص من المال الحرام بتجنب هذه الأمور.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. قال رحمه الله تعالى: وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد قال: «إن من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله في أمره»، وتقدم معنا الحديث، ذكره شيخنا في الصيخ المسند، وهو كذلك، حسنه وصححه شيخ الباني في مواضع من كتبه. قال: فكيف بمن منع الحدود، حدود بقدرته ويده؟ يعني: إذا كان من شفع هذا الوعيد في حقه، فكيف بمن منع الحدود مع استطاعته، وهو السلطان؟ قال: واعتاض عن المجرمين بسحت من المال يأخذه. ومعنى اعتاض: يعني عوض ذلك بأن أخذ شيء من المال، وهو من السحت، لتعطيل الحدود. قال: لا سيما الحدود على سكان البر، فإن من أعظم فسادهم حماية المعتدين منهم بجاه أو مال، سواء كان المال المأخوذ لبيت المال أو للوالي سرا أو علانية، فذلك محرم جميعه بإجماع المسلمين. أما أخذه للوالي سرا أو علانية فهذا ظاهر حرمته، وأما ما يأخذ لبيت المال فكما تقدم، لما فيه من مفاسد من تعطيل الحدود، وكذلك أخذ المال بغير حق، وهو معنى من السحت. ولما يكون كذلك من قوة أهل الفساد والشر، وكثرة الفساد، وذهاب هيبة السلطان، وغير ذلك من المفاسد. قال: وهو مثل تضمين الحانات والخمر، فإن من مكن من ذلك، أو أعان أحدا عليه بمال يأخذه منه، فهو من جنس واحد، أي تلحقه لعنة الله، ونقمة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولعنة المسلمين، ويكون من جنس اليهود الملعونين المغضوب عليهم الذين غيروا وبدلوا، وكذلك أكلوا السحت. ومعنى تضمين الحانات والخمر: يعني مثل ما يفعل اليوم في بعض الجهات، جعل غرامات أو ضرائب زائدة على أماكن الفسوق والفساد. وللأسف ينادي بعض أهل الفساد والإفساد، ممن ينتسب إلى الدعوة والعلم والدين -والدين من أمثال هؤلاء بريء- بأن هذا من الحرية الشخصية، وأنه بدلا من أن يحصل الفساد بالسر، الأفضل يحصل بالعلن وبالحفظ والضوابط، حتى تكون هناك لجان لمراقبته ومتابعته، كما زعموا. فوجد من ينادي بحرية الجنس؛ لأجل أن يضبط من الأمراض والأسقام، وينتسبون -للأسف- إلى الدين. وأكثر هؤلاء من المتعالمين والجهلة الذين وجدوا جهالا فتمكن منهم، وصار يتكلم بما لا يعرف. وكما يقال: يهرف بما لا يعرف، ليس عنده علم، وليس عنده ورع ولا دين، ثم يخرج من رأسه ما استحسنه، ولا يدري أنه يتحمل آثامًا عظيمة، ويضل الناس بذلك. بل بعضهم ربما ينادي أن يقام ذلك في بعض الدول الإسلامية، من الدول العربية، يقولوا: لماذا لا يكون عندنا مثل دولة كذا، عندهم من يفتيهم بديسكو إسلامي -ديسكو إسلامي هذا موجود أو لا موجود- ويريد كذلك كما يزعم جنسا بالضوابط الإسلامية. نسأل الله السلامة والعافية من انتكاس الفطر. وهكذا كذلك ضبط الحانات والخمور، يقولون: الأصل أنها للكفار، فإذا دخل مسلم، فإنك لا تهدي من أحببت، ولكن الله يهدي من يشاء. سبحان الله، يقرر الفساد ويوجده، ثم يزعم أنه قد برئ وسلم. أين قول الله جل وعلا: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾؟ أين قول الله جل وعلا: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾؟ أين قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لتأمرون بالمعروف ولتنهون عن المنكر» الحديث؟ نحن نخشى أن يصيبنا عذاب وعقاب من الله بسبب تخلفنا عن بعض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فكيف إذا وصل الحد إلى هذه الكبائر أن يحصل فيها شيء من التقنين والتشريع؟ فهذا شيء عظيم. فقد كان بزمن شيخ الإسلام شيء من ذلك، وذلك إذا ضعفت الدولة وقل الدين وكثر الجهل، وجد مثل هذا تضمين الحانات والخمر. قال: والمال المأخوذ على هذا شبيه بما يؤخذ من مهر البغي، وحلوان الكاهن، وثمن الكلب، وأجرة المتوسط في الحرام الذي يسمى القواد -يعني للزنا- والعياذ بالله. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ثمن الكلب خبيث، ومهر البغي خبيث، وحلوان الكاهن خبيث» رواه البخاري. وتسميته خبيثا فيه وصف الحرمة وزيادة. فهو خبيث كخبث النجاسات، النجاسات خبيثة، من يتصور أن يقربها؟ فكذلك هذه قاذورات معنوية، هذه قاذورات الزنا وما يفسده، مما كان بمعنى على الأعراب، وحلوان الكاهن وما كان بمعناه مما يفسد العقائد، وثمن الكلب وما كان بمعناه مما يفسد كذلك الأجساد، وكذلك الأديان. قال رحمه الله تعالى: فمهر البغي الذي يسمى حدور القحاب أو القحاب -القحاب يعني نفس الزنا، وبالكسر النساء الزانيات- ومعناه: ما يعطى على هذا الفعل الفاحش. قال: وفي معناه ما يعطاه المخنثون الصبيان من المماليك أو الأحرار على الفجور بهم. وحلوان الكاهن مثل حلاوة المنجم ونحوه على ما يخبر به من الأخبار المبشرة بزعمه، ونحو ذلك. وكل هذا حرام، لا يجوز إقراره، ولا يجوز أخذ الأجرة عليه، ولا يجوز كذلك السكوت على ذلك لا بعوض ولا بغير عوض، بل هو من أعظم الفواحش التي يجب أن يجتمع المسلمون في إزالتها، فهي من المنكرات العظيمة؛ لأن في ذلك إفساد للضرورات التي أمر الإسلام بحفظها: الدين والعقل والعرض والمال والنفس. فهذه ضرورات يجب أن تحفظ، أمر الشرع بحفظها، ولم يكن ما كان من الحدود، وكذلك حتى التعزيرات إلا لحفظ هذه الضرورات. وتسمية ما تعطى الزانية مهرا، قال بعض أهل العلم: هو من باب التوسع والتجوز، والظاهر ليس كذلك. وقد بوب الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه بابا قال: باب مهر البغي والنكاح فاسد. ولهذا فسره بعض أهل العلم بأنه ما يعطى للبغي ولو كان على صورة النكاح، فهو خبيث، أجر خبيثة ومحرمة، ونكاح فاسد. فإذا كان كذلك، فإذا كان على غير صورة النكاح من باب أولى، إذا كان على غير صورة النكاح فمن باب أولى؛ لأن بعض الزنا يظهر بصورة النكاح، وليس هو بنكاح، بل هو من الزنا، مثل نكاح المتعة الذي يتعامل به الرافضة، فهو في الحقيقة الزنا. وأما كونه كان في أول الإسلام، فلأن الإسلام تدرج في التشريعات، حتى الخمر كان حلالا في أول الإسلام. هل يجوز أن يستدل أحد على هذا بحلية الخمر اليوم؟ الجواب: لا. فكذلك لا يجوز أن يستدل أحد على ذلك بحلية نكاح المتعة؛ لأن الإسلام تدرج في التشريع، لم يحرم على الناس كل المحرمات جملة واحدة. فما كان جواب في الخمر فهو جواب في نكاح المتعة. فنكاح المتعة فيه مهر، وهذا المهر مهر البغي، وهو نكاح فاسد، فلا يجوز التعاون عليه ولا إقراره؛ لأنه تعاون على الإثم والعدوان. وهكذا كذلك لو كان هذا المال المبدول ليس في صورة نكاح، ولكنه على فحش، فإنه محرم، وهو كذلك موجب للوعيد الشديد الذي ورد. وتسميته مهرا في هذا الموضع؛ لأنه يدفع كما يدفع المهر، لكنه من باب التشنيع على الدافع. أترضى يا أيها الرجل العاقل أن تتزوج بزانية؟ ماذا سيقول؟ لا، ما أرضى، ما أرضى أن تكون زوجتي زانية، إذن كيف تدفع المال وتفعل الزنا؟ كيف تدفع المال وتفعل الزنا؟ واستدل بعض أهل العلم بهذا على مسألة، وهي أن المال المبذول إذا كان قليلا يشبه أجرة الزانية، فيجب المنع منه. ويروى عن إبراهيم النخعي رحمه الله أنه كان يكره التزوج بأقل من أربعين درهما؛ قال: لأنه يشبه مهر البغي. يشبه مهر البغي لماذا؟ لأنه يلتبس، يلتبس على الناس مهر البغي بمهر العفيفة إذا صار المهر قليلا. ومعنى أنه ينبغي أن يتنزه المسلمون عن كل صورة وكيفية تشبه فعل الباغيات، وكذلك تصرفات أهل الفساد والفاحشة. وقريب من هذا مخترع في هذا الزمان من أنواع الأنكحة التي هي شبيهة بفعل الباغيات وأهل البغي والفساد والفحش. فيوجد ما يسمى بنكاح المتعة كما تقدم، وهكذا كذلك زواج المسيار. وإن كان بعض أهل العلم أجازه بشروط، لم يريد به ما صار عليه حال أهل الإفساد. إن كان الأولى المنع منه مطلقا، كما هو حال وفتوى شيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمه الله. وسيأتي الكلام على هذا في شرح الدرر -أي على هذه المسألة- لكن الواقع أكثر الناس تعاملهم معها هو شبيه بالزنا، وغير ذلك من مسميات كثيرة يسمونها، كلها حيل على الزنا، فهي لا تخرجها عن كونها من معنى الزنا. قال رحمه الله تعالى: وولي الأمر إذا ترك إنكار المنكرات وإقامة الحدود عليها بمال يأخذه، كان بمنزلة مقدم الحرامية الذي يقاسم المحاربين على الأخيدة، وبمنزلة القواد الذي يأخذ ما يأخذه ليجمع بين اثنين على فاحشة. وكان حاله شبيها بحال عجوز السوء امرأة لوط، التي كانت تدل الفجار على ضيفه، التي قال الله تعالى فيها: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾. وقال تعالى: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ﴾. فعذب الله عجوز السوء القوادة بمثل ما عذب قوم السوء الذين كانوا يعملون الخبائث. وهذا لأن هذا جميعه أخذ مال للإعانة على الإثم والعدوان. وولي الأمر إنما نصب ليأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وهذا هو مقصود الولاية. فإذا كان الوالي يمكن من المنكر بمال يأخذه، كان قد أتى بضد المقصود، مثل من نصبته ليعينك على عدوك فأعان عدوك عليك، وبمنزلتي من أخذ مالا ليجاهد به في سبيل الله فقاتل به المسلمين. وهذه كلها عبارات واضحة ظاهرة، فيها وعظ لمن جعل الله عز وجل في قلبه وفي نفسه مسكة عقل ودين، أن مثل هذا من أعظم الإجرام والإفساد في الأرض. وقوله: كان بمنزلة مقدم الحرامية الذي يقاسم المحاربين على الأخيدة، معناه: كان مثل الذي يتجسس للصوص وقطاع الطريق، فيدلهم على الركب الذين يأتون إليهم فيسرقونهم وينهبونهم، فيعطونه أجرة، فصار ولي الأمر بمثابة هؤلاء، أو بمثابة رئيس العصابة الذي تجري الأمور بمشورته وحمايته عن بعد، ثم بعد ذلك يعطى الأجرة. وأكثر الشر والفساد يقع بمعنى هذا؛ فإن الكثير من أهل الفساد والإفساد إنما يتطاولون إذا وجدوا من يسكت عنهم من الولاة، ويعطونه من المال ما يكون سببا في زيادة شرهم وإفسادهم. وأما الأخيدة: فكما فسر في التعليق: ما يؤخذ من الناس، ويأخذه قطاع الطريق، فهو مأخوذ من الأخذ. وقوله: بمنزلة القواد، كما هو واضح وظاهر، القواد الذي يأخذ المال لأجل أن يجمع بين اثنين على فاحشة، فهذا من أعظم الناس جرما ولعنة. فإذا كان الراشي والمرتشي ملعون، والرائش -في الرواية التي هي ضعيفة، لكن معناها صحيح- بهذه الزيادة يلحقه اللعن، فكذلك من يجمع اثنين على فاحشة، ومن يرضى بانتشار الفاحشة ويقبل لها المال، كهؤلاء حكام السوء، وصولة السوء الذين يقبلون الرشوة بذلك، يلحقهم هذا الوعيد. وذكر كذلك الآيات في امرأة لوط، فهي كما قال: كانت بمثابة القوادة؛ لأنها تدل أولئك أهل السوء على ما يريدون، ولهذا أصابها ما أصابهم من العذاب. وهذا معناه أن كل من أعان على فاحشة يلحقه من الوعيد والعقاب في الدنيا والآخرة من جنس أصحاب ذلك الفحش والفساد. وهنا تأتي مسألة: إذا حصلت التوبة، فأين يذهب بهذا المال؟ نبه الإمام ابن القيم رحمه الله أن هذا المال يتخلص منه بالصدقة ونحوها، ولا يرد لصاحبه؛ لأنه لو رد إلى صاحبه جمع بين المعصية وبقاء المال، وهذا لا يجوز. وهذا لا يجوز. فإذا مثلا قبض ولي الأمر على شيء من ذلك، فوجد المال مع الزانية، فلا يرده -لماذا؟- للزاني، ولا كذلك صاحب الخمر، ولا كذلك شاربه؛ لأن ذلك يزيد في الفساد، فهو سيزداد به إفسادا وشرا. ولكنه يأخذ -كما قال ابن القيم- فيتصدق به. والأحوط -كما هو عليه قول الكثير من أهل العلم- أن المال الحرام لا ينبغي أن يؤكل ويشرب ويلبس، ولا يوضع فيما هو لله، ولا ينتفع به لنفسه. خمسة أمور تجتنب في المال الحرام، كل مال دخل بحرام، فإنه يتخلص منه بما لا يكون فيه أحد هذه الخصال الخمس: لا يؤكل، ولا يشرب، ولا يلبس، ولا ما يكون لله، ولا أن ينتفع به لنفسه. فيجتنب هذه الأمور الخمسة. طيب، نقف إلى هنا، ونترك الباقي إن شاء الله في دروس لاحقة. والله تعالى أعلم.