شرح السياسة الشرعية  45

شرح السياسة الشرعية 45

الدرس في شرح السياسة الشرعية 45، الدرس الخامس والأربعون:من( حد القذف ... أو يخون أمانته كولاة أموال بيت المال أو الوقوف أومال اليتيم ونحو ذلك إذا خانوا فيها ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

حد القذف وأدلته وشرطه

يناقش حد القذف وأدلته من الكتاب والسنة والإجماع، ويشرح شروط إقامة الحد على القاذف. يبين حكم قذف المحصن بالزنا أو اللواط واختلاف العلماء في شروط إقامة الحد.

تعريف المحصن ومعنى التعزير

يتناول تعريف المحصن في باب حد القذف ويشرح معنى التعزير وأمثلة على المعاصي التي لا حد لها ولا كفارة. يشترط في المحصن أن يكون عاقلًا مسلمًا حرًا عفيفًا.

تطبيقات التعزير في الإسلام

يشرح التعزير كتأديب بغير الحد الشرعي ويطبق في المعاصي التي ليس فيها حد مقدر ولا كفارة. يشمل أمورًا مثل تقبيل الصبي أو المرأة الأجنبية، وأكل المحرمات، والقذف بغير الزنا، وسرقة ما دون النصاب.

خاتمة الدرس والتعليق على الخيانة

أكمل الشيخ الحديث عن الخيانة في الأمانة وعلق على قول ابن عطية، ثم أعلن انتهاء الدرس لمواصلة بعد الصلاة.

  • 13 جمادى الآخرة 1432هـ - 16/05/2011مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين. اشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، واشهدوا أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: «حد القذف». قال: «فصل: ومن الحدود التي جاء بها الكتاب والسنة وأجمع عليها المسلمون حد القذف، فإذا قذف الرجل محصنًا بالزنا أو اللواط وجب عليه الحد ثمانون جلدة». قوله رحمه الله: «حد القذف»، يعني مما يناسب ذكره، وهو من مسائل السياسة الشرعية فيما يتعلق بالحدود. وهذا قال: «ومن الحدود التي جاء بها الكتاب والسنة». ودليله من الكتاب قوله جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾. وأما من السنة، فما ثبت في الصحيحين معناه. وقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه بجلد من وقع في قصة الإفك. وهكذا كذلك صح بعده في قصة عمر رضي الله عنه في الأربع الذين شهدوا، فتردد الرابع، فتلكأ، فجلدهم. وفي الباب أحاديث كثيرة. وقوله: «أجمع عليها المسلمون»، أي على هذا الحد، حد القذف. فقد دلت عليه أدلة الكتاب والسنة والإجماع. وقوله: «فإذا قذف الرجل محصنًا»، المراد بالقذف ها هنا هو صريح العبارة؛ لأن القذف قد يكون بصريح العبارة، وقد يكون بخفيها أو ما فيه كناية. فما كان صريحًا لا يحتمل إلا هذا المعنى، وهو الزنا أو اللواط، فإنه يكون فيه هذا الحد، بأن يحد ثمانين جلدة، بأن يقول: «يا زاني» أو «يا لوطي» أو «يا زاني» ونحو ذلك من العبارات الصريحة. وأما العبارات الخفية أو ما فيها كناية، فلا يؤخذ بها إلا إن دلت عليها القرينة، ولم ينكر، ولم ينكره الرامي، كان يقول: «يا فاجر» أو «يا خبيثة» أو «فضحت أهل بيتك» أو «زوجك» ونحو ذلك. فإن قيل له: «سياق الكلام يقتضي أنك رميتها بالزنا»، فإن أنكره، قبل منه باليمين. قبل منه باليمين، ويعزر على ذلك. ليس معناه أن يسقط عنه التأديب، يسقط عنه حد القذف، ولكن يعزر. وقوله رحمه الله: «فإذا قذف الرجل محصنًا بالزنا أو اللواط وجب عليه الحد ثمانون جلدة». قوله: «وجب»، أي استلزم عليه الحد. وقد ذهب بعض أهل العلم، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ذكره في مواضع من كتبه، أن ذلك بشروط. أي يقام عليه الحد بشروط. من هذه الشروط أن يطلب ذلك المقذوف؛ لأنه حق له. فإذا لم يطلبه المقذوف أو عفا عنه، سقط. وهكذا ذكر بعض أهل العلم من الشروط استدامة الطلب إلى إقامته، أي إقامة الحد، وأن لا يعفو. فإن عفو، سقط. واشترطوا له ثالثًا: أن لا يأتي القاذف ببرهان لنفسه مما اتهم به. فإن أتى بما يبرئه، فإنه يسقط عنه حد القاذف. وعارض بعضهم في شرطية طلب المقذوف. وقد ذهب جماعة من أهل العلم، وشدد في هذا ابن حزم رحمه الله، بأن هذا حق لله، فلا يجوز إسقاطه، ولو أسقطه المقذوف، ولو لم يطالب به المقذوف. وتوسط بعضهم، فقال: ويروى هذا عن الإمام مالك، أنه قال: «ما لم يبلغ الإمام»، فإذا بلغ الإمام، فإنه لا يسقط. ومن قال بالقول الأول، قالوا: هذا حق لمسلم، جاز له أن يسقطه، كما أن القتل وهو أعظم منه، إذا أسقطه أولياء المقتول سقط. يعني القصاص إذا أسقطه أولياء المقتول سقط. والأحوط في هذا، وهو الوسط: أنه إذا بلغ الإمام، فلا ينبغي أن يسقط؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «تعافوا الحدود بينكم، فما بلغني من حد فقد وجب». ومر معنا معناه، رواه أبو داود والنسائي والحاكم وغيرهم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، بسند حسن. فهذا الحديث، وما بمعناه من أحاديث مرت معنا، تدل على عموم هذا الحكم في سائر الحدود، وهذا من الحدود. حتى لا يجترئ أحد في هذا الباب. وأما قياس من قاس على القتل، فهذا: الصحيح أن حق المقتول يبقى، حتى ولو عفا أولياء المقتول؛ لأن صاحب الحق هو من؟ المقتول. فحق المقتول يبقى يوم القيامة، حتى لو عفا أولياء المقتول. إنما عفا أولياء المقتول فيما لهم، وأما ما ليس لهم، فليس فيه عفو. وقوله رحمه الله: «الحد ثمانون جلدة»، هذا كما سيأتي على الحر. أما العبد، فالصحيح والأمة: أن عليه نصفًا، قياسًا على ما مر معنا في الزنا. فإنه يقاس عليه كذلك في غيره من الحدود. فإن العبد والأمة ما هم فيه من وصف قد يقتضي وقوعهم في مثل ذلك. وقد عمل السلف بهذا، أي ثبت عن السلف الصالح من الصحابة ومن بعدهم العمل بهذا. فقد جاء عند الإمام مالك في الموطأ، وعبد الرزاق في مصنفه، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، قال: «أدركت أبا بكر وعمر وعثمان والخلفاء، ما رأيت أحدًا منهم جلد عبدًا في فرية أكثر من أربعين». ومعنى الفرية: أي القذف. ومعنى أنهم كانوا ينصفون: أنهم كانوا ينصفون الحد على العبد والأمة. هذا فعل السلف، ونص القرآن في التنصيف في الزنا يدل ويؤكد ذلك. وجاء في رواية الإمام مالك، عبد الرزاق، أنه أخبر أن عمر بن عبد العزيز رحمه الله جلد ثمانين، أي عبدًا. فقال عبد الله بن عامر بن ربيعة: «ذلك». وهكذا جاء نحوه بغير قصة عمر بن عبد العزيز، عند ابن أبي شيبة، والأثر صحيح. وقوله رحمه الله: «وجب عليه الحد ثمانون جلدة»، كما تقدم بدليل الكتاب والسنة. قال رحمه الله تعالى: «والمحصن هنا هو الحر العفيف». وفي باب حد الزنا: هو الذي وطئ وطئًا كاملًا في نكاح تام. وهذه الضوابط مهمة؛ فهي في كل العلوم يحتاج إليها. كما يقال في النحو: المفرد له معان في كل باب. وهكذا كذلك في كتاب الفقه، فإن بعض الألفاظ قد يكون لها معان في أبواب، ولها معان في مواضع أخرى. فالمحصن مر معنا قريبًا في حد الزنا: هو الذي توفرت فيه خمسة شروط. وهنا ذكر على وجه الاختصار: هو الذي وطئ وطئًا كاملًا في نكاح تام. وقد علمنا معنا وطئًا كاملًا في نكاح تام بتلك الشروط الخمسة التي مرت معنا. وأما في هذا الباب، في باب حد القذف، قال: «هو الحر العفيف». وزاد بعضهم: «العاقل المسلم». ومن يتوقع أو يقع من مثله جماع. فمثل ذلك هو المحصن. فأما أن يرمى مثلًا المجنون، فهذا رفع عنه القلم. أو كذلك الكافر، فإنه بكفره يسقط عنه ذلك، على أن في هذا خلاف. وهكذا كذلك من ليس يقع من مثله جماع، صبي عمره ثلاث سنوات يرمى بهذا، فهذا لا يقع فيه هذا الحكم. ولكن لا يعني أنه يسقط عنه التأديب. فمن رمى صبيًا دون تسع سنوات، فإنه يعزر، ولكن لا يقع عليه حد القذف. وأما قوله: «الحر»، هذا هو مذهب أكثر أهل العلم. وذهب بعض أهل العلم إلى أن الحر كذلك له حق. وقد ذكر في الإنصاف المرداوي رحمه الله عن ابن عقيل معنى ذلك، وأنه أشبه بالقياس. وعمومات الأدلة تدل أن له حقًا كذلك. والعفيف: المراد به من عرف بالعفة. أما من عرف بفجور وفساد، واشتهر ذلك، وإن لم تقم عليه أو عليه بينة، فإنه لو قذف، لم يجب في حق من قذفه حد القذف، ولكن يبقى عليه التعزير. وقد ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لو كنت راجمًا أحدًا بغير بينة لرجمت هذه». فسئل ابن عباس: «هل هي الملاعنة؟» فقال: «لا، ولكنها امرأة كانت تظهر السوء في الإسلام». قال: «أنه يرحمه الله، وعدد من شراح هذا الحديث، قال: أي كانت تجاهر بمعنى الفسوق، من إدخال الأجنبي، وغيره، مما يكون من قولها وفعلها، وليس لهم بينة يقيمون عليها الحجة». فمن كان هذا حاله، فإنه ليس بعفيف. فإذا رمي، فإنه لا يكون على من رماه حد القذف، لكن قد يكون عليه التعزير بحسبه. وهناك مسائل كثيرة تتعلق بهذا الباب، لكن اكتفى المؤلف رحمه الله بالإشارة إلى هذه المسائل، ومحل ذلك وتفصيله في كتب الفقه. قال رحمه الله تعالى: «الفصل السابع: التعزير». وفي بعض النسخ قال: «ليس فيه أولًا فصل السابع». وفي بعضها ذكر: «المعاصية» أو قال: «المعصية». قال رحمه الله تعالى: «وسيأتي معنى التعزير». قال: «وأما المعاصي التي ليس فيها حد مقدر ولا كفارة، كالذي يقبل الصبي والمرأة الأجنبي، أو يباشر بلا جماع، أو يأكل ما لا يحل، كالدم والميتة، أو يقذف الناس بغير الزنا، أو يسرق من غير حرز، ولو شيئًا يسيرًا، أو يكون أمانته كولاة أموال بيت المال أو الوقوف ومال اليتيم ونحو ذلك». يعني من يكون في الوقف أو في مال اليتيم، قال: «إذا خانوا فيها، وكالوكلا والشركاء إذا خانوا، أو يغش بمعاملته، كالذين يغشون في الأطعم والثياب ونحو ذلك، أو يطفف المكيال والميزان، أو يشهد بالزور، أو يلق شهادة الزور، أو يرتشي في حكمه، أو يحكم بغير ما أنزل الله، أو يعتدي على رعيته». والاعتداء يتناول معاني كثيرة. ومن الاعتداء: أن يكلفهم ما لا يطيقون، أو يمنعهم ما يستحقون، أو غير ذلك من معاني الاعتداء. ويشمل الراعي العام والراعي الخاص. قال: «أو يتعز بعزاء الجاهلية». والمراد به: الافتخار بالأحساب والأنساب، أو حتى بالطوائف. وأشار شيخنا رحمه الله في الشرح إلى حديث جابر بن عبد الله في الصحيحين، فيما وقع بسبب خصومة بين مهاجر وأنصار، قال أحدهم أو أحدهما: «يا للمهاجرين»، وقال الآخر: «يا للأنصار». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أبدعوى الجاهلية؟! وأنا بين أظهركم». فسماه دعوى الجاهلية. و «صح عنه عليه الصلاة والسلام»، مر معنا قريبًا: «أن من تعز بعزاء الجاهلية، فإنه يوعظ به». أي يذكر له ذلك، ولا يكن -يعني أن يكون في ذلك مدمة له-. والمراد بالهنا العيبة. ومنه أن يعتز أحدهم فيقول: «وأنا ابن فلان، وأنا من القبيلة الفلانية»، ونحو ذلك من العبارات الجاهلية التي يتعز بها بعض الناس جهلًا. قال: «أو يلبي داعي الجاهلية». وهكذا تلبية داعي الجاهلية تحتها معاني كثيرة. قد يكون بتعزيز الافتخار بالأحساب والأنساب، أو يكون كذلك بنصرة الظالم على المظلوم لكونه من قبيلته، أو كذلك بحفظ المحدث حدثًا، سواء من وقع في كبيرة أو غير ذلك، كما تقدم، أو غير ذلك مما يدخل في معاني الجاهلية. قال: «إلى غير ذلك من أنواع المحرمات، فهؤلاء يعاقبون تعزيرًا وتنكيلًا وتأديبًا، بقدر ما يراه الوالي، على حسب كثرة ذلك الذنب في الناس وقلته». وهذا هو معنى التعزير: هو التأديب بغير الحد الذي حده الله في الشرع. يعني تأديب لم يرد به الكتاب ولا السنة، ولكن أجاز الشرع مثله في بعض القضايا بالنص، وقاس عليه السلف الصالح، ففعلوا معناه في قضاء أخرى. وجرى أهل العلم من بعدهم تبعًا لتلك الأدلة، ولمجاراة السلف الصالح فيما كان بمعناها، مما يقتضي التأديب، ويكون به كذلك الردع. لأن المقصود من ذلك هو ردع الناس عن بغي بعضهم على بعض، وعن كذلك تجاوز الحلال إلى الحرام. وسيأتي معنا أنهم اختلفوا في حد هذا التعزير، ولكن بالجملة هم متفقون على أصل التعزير. وأما أقله وأكثره، وكيفيته، وكذلك تفصيله، فإنه ليس فيه نص. فلذلك وقع الخلاف. وقوله رحمه الله: «أما المعاصي التي ليس فيها حد مقدر ولا كفارة»، يعني ما كان فيه حد مقدر، فقد تقدم فيه مثل حد السارق، وحد الزاني، وحد القاذف، وهكذا كذلك قطاع الطريق، ونحوهم. وكذلك لا كفارة، أي بأن يجعل فيه مثلًا شيء يجبره، مثل من يصحح الحديث الحائض بأن يتبرع بدينار أو نصف دينار، فجعل هذا كفارة. وهكذا كذلك الجماع في نهار رمضان، كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة وغيره، جعل فيه كفارة. وما أشبه ذلك، فإنه يغني عن التعزير. فالعقوبات في الإسلام ثلاثة أقسام: عقوبة فيها حد، وعقوبة فيها كفارة، وعقوبة فيها تعزير. فأما ما فيه الحد، فهو محكم، كما تقدم معنا بنصوص الكتاب والسنة. وهكذا ما فيه كفارة، فإنه محكم بنصوص الكتاب والسنة. وأما ما فيه تعزير، فهو محل اجتهاد، يجتهد فيه الحاكم، ولي الأمر، بمقتضيات اقتضتها المصلحة. وكل ذلك في حدود ما وردت به النصوص الشرعية، وما أثر عن السلف الصالح. وإن كان بعض المسائل كما سيأتي معنا فيها شيء من الخلاف، لكن بالجملة هم متفقون على هذا الأصل. وأما الخلاف الواقع في التفاصيل، فهو لا يضر. وأصحابه مجتهدون بين الأجر والأجرين. ثم قال: «كالذي يقبل الصبي والمرأة الأجنبية». تقبيل الصبي ليس مثل الفجور به. فالفجور به من اللواط. يعني إذا لواط الصبي، فقد تقدم أن حكمه بالإسلام القتل، أي المعتدي. وهكذا المرأة الأجنبية إذا زناها، فإنه يفصل: إن كان بكرًا، فيجلد على ما تقدم تفصيله، ويغرب. وإن كان محصنًا، فإنه يرجم. قال: «أو يباشر بلا جماع»، كان يباشر. التقبيل له حكم، والمباشرة له حكم. فإذا باشر بغير جماع، فهو لم يزني، ولكنه وقع في مقدمات الزنا. فهنا يجب عليه التعزير. على ولي الأمر أن يقيم عليه تأديبًا، هو التعزير. قال: «أو يأكل ما لا يحل»، كالدم والميتة. وهكذا يقال في مكان بمعنى ذلك من المحرمات التي ليس فيها حد، كالمحرمات التي ليس فيها حد ولا كفارة، كأكل الخبائث مثلًا، ونحوها. فإنه يعزر. فمن أكل الكلب أو أكل كذلك الحمار الأهلي، ليس في هذا حد، وليس فيه كفارة، لكن فيه التعزير. يجوز للإمام أن يعزر بما يكون به تأديب الناس. ولابد أن يرجع إلى أهل العلم؛ لأن السلطان إذا لم يكن عنده علم، لم يكن عنده ضابط في معرفة حدود هذه التعزيرات. ولكن أهل العلم بما عندهم من العلم يستطيعون معرفة هذه التعزيرات. وكما تقدم معنا: باب التعزير محل اجتهاد، وهو ينقسم بلا ثلاثة أقسام: قسم منه جاءت به النصوص، وقسم منه جاءت به الآثار الصحيحة عن السلف الصالح، وقسم ثالث يجتهد فيه أهل العلم بما يلحقون به ما يستجد من حوادث، بما علموا له فيه حكم، وهو القياس الصحيح، سواء قياس أولوي أو قياس مساوي، أو سمي بغير القياس، بأن يقال: هو عموم نص. قال: «أو يقذف الناس بغير الزنا». لأنه لو قذف بالزنا، كما تقدم، فإنه ماذا عليه؟ حد القذف ثمانين جلدة. قال: «أو يسرق من غير حرز». لأنه لو سرق من الحرز، كما تقدم معنا في حد السرقة، فإنه يقطع. قال: «ولو شيئًا يسيرًا». لأنه لو سرق نصاب السرقة، وكم نصاب السرقة ها؟ ربع دينار أو ثلاثة دراهم. فإذا سرق أقل من ذلك، فإذا قوله: «يسير»، أي أقل من النصاب. فالنصاب ربع دينار أو ثلاثة دراهم، وتقدم معنا: هو ما يعادل اليوم عشرة آلاف إلى اثني عشر ألف ريال تقريبًا، يعني باليمني. قال: «أو يخون أمانته». كذلك خيانة الأمانة ليس فيها قطع، ولكن فيها التعزير. قد يقول قائل: «لماذا لا يحمل هذا على قصة المرأة؟ فيكون كالجاحد». فيقال: لأن خيانة الأمانة ليست بسرقة. وذلك لأن الرجل لم يجد لو جحد قطع. وأما الخيانة: هو النقصان. الخيانة هو النقصان. وثانيًا: لأنه أدخل عليه المال برضى مالكه. المال يدخل على من توضع عنده الأمانة برضى ماذا؟ برضى مالكه. فإذا حصل شيء من التفريط في المالك؛ لأنه وضع الأمانة في من لا يستحق أن يعطى هذه الأمانة. وأما إذا جحد، فالصحيح أنه يقطع، كما تقدم: إذا كان ما جحده يبلغ نصاب القطع، وتوفرت فيه شروط القطع، على ما تقدم معنا. قال: «أو يخون أمانته، كولاة أموال بيت المال»، كما تقدم: عمال الدولة في الأموال. «أو الوقوف»، كذلك سائر الأوقاف. «أو مال اليتيم»، كذلك. قال: «ونحو ذلك إذا خانوا فيها». طيب، نقف إلى هنا، ونترك الباقي إن شاء الله إلى بعد الصلاة.